في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

138

( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ، إنا هدنا إليك ) .

رجعنا إليك ، والتجأنا إلى حماك ، وطلبنا نصرتك .

وهكذا قدم موسى - عليه السلام - لطلب المغفرة والرحمة ، بالتسليم لله والاعتراف بحكمة ابتلائه ، وختمه بإعلان الرجعة إلى الله والالتجاء إلى رحابه . فكان دعاؤه نموذجاً لأدب العبد الصالح في حق الرب الكريم ؛ ونموذجاً لأدب الدعاء في البدء والختام .

ثم يجيئه الجواب :

( قال : عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ) . .

تقريراً لطلاقة المشيئة ، التي تضع الناموس اختياراً ، وتجريه اختياراً : وإن كانت لا تجريه إلا بالعدل والحق على سبيل الاختيار أيضاً ، لأن العدل صفة من صفاته تعالى لا تتخلف في كل ما تجري به مشيئته ، لأنه هكذا أراد . . فالعذاب يصيب به من يستحق عنده العذاب . . وبذلك تجري مشيئته . . أما رحمته فقد وسعت كل شيء ؛ وهي تنال من يستحقها عنده كذلك . . وبذلك تجري مشيئته ، ولا تجري مشيئته - سبحانه - بالعذاب أو بالرحمة جزافاً أو مصادفة . تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

وبعد تقرير القاعدة يطلع الله نبيه موسى على طرف من الغيب المقبل ، إذ يطلعه على نبأ الملة الأخيرة التي سيكتب الله لها رحمته التي وسعت كل شيء . . بهذا التعبير الذي يجعل رحمة الله أوسع من ذلك الكون الهائل الذي خلقه ، والذي لا يدرك البشر مداه . . فيالها من رحمة لا يدرك مداها إلا الله !

( فسأكتبها للذين يتقون ، ويؤتون الزكاة ، والذين هم بآياتنا يؤمنون ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

الحسنة : في الدنيا : حسن المعيشة ، والعافية . . . وفي الآخرة : دخول الجنة .

هُدنا إليك : تبنا ورجعنا إليك .

كذلك قَدِّر لنا في هذه الدنيا حياة طيبة ، وهبْنا من لدنك عافية وتوفيقا لطاعتك ، وامنحنا من فضلك في الآخرة مثوبة حسنة ومغفرة ورحمة ندخل بها جنتك وننال رضوانك ، فقد تُبنا ورجعنا إليك .

فقال له ربه : إن عذابي أصيبُ به من أشاء ممن لم يتب ، ورحمتي وسعت كل شيء .

ثم بين من ستكتب له الرحمة فقال :

{ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } .

سأكتبها للذين يتّقون شرَ المعاصي من قومك ، ويؤدون الزكاة المفروضةَ عليهم ، ويصدّقون بجميع الكتب المنزلة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

قوله تعالى : " واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة " أي وفقنا للأعمال الصالحة التي تكتب لنا بها الحسنات . " وفي الآخرة " أي جزاء عليها . " إنا هدنا إليك " أي تبنا . قاله مجاهد وأبو العالية وقتادة . والهود : التوبة . وقد تقدم في " البقرة{[7401]} " .

قوله تعالى : " قال عذابي أصيب به من أشاء " أي المستحقين له ، أي هذه الرجفة والصاعقة عذاب مني أصيب به من أشاء . وقيل : المعنى " من أشاء " أي من أشاء أن أضله .

قوله تعالى : " ورحمتي وسعت كل شيء " عموم ، أي لا نهاية لها ، أي من دخل فيها لم تعجز عنه . وقيل : وسعت كل شيء من الخلق حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها . قال بعض المفسرين : طمع في هذه الآية كل شيء حتى إبليس ، فقال : أنا شيء ، فقال الله تعالى : " فسأكتبها للذين يتقون " فقالت اليهود والنصارى : نحن متقون ، فقال الله تعالى : " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي " [ الأعراف : 157 ] الآية . فخرجت الآية عن العموم ، والحمد لله . روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كتبها الله عز وجل لهذه الأمة .


[7401]:راجع ج 1 ص 432