في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّـٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ} (222)

221

( ويسألونك عن المحيض . قل : هو أذى . فاعتزلوا النساء في المحيض ؛ ولا تقربوهن حتى يطهرن . فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله . إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين . نساؤكم حرث لكم . فأتوا حرثكم أنى شئتم ، وقدموا لأنفسكم ، واتقوا الله ، واعلموا أنكم ملاقوه ، وبشر المؤمنين ) . .

وهذه لفتة أخرى إلى تلك العلاقة ترفعها إلى الله ؛ وتسمو بأهدافها عن لذة الجسد حتى في أشد أجزائها علاقة بالجسد . . في المباشرة . .

إن المباشرة في تلك العلاقة وسيلة لا غاية . وسيلة لتحقيق هدف أعمق في طبيعة الحياة . هدف النسل وامتداد الحياة ، ووصلها كلها بعد ذلك بالله . والمباشرة في المحيض قد تحقق اللذة الحيوانية - مع ما ينشأ عنها من أذى ومن أضرار صحية مؤكدة للرجل والمرأة سواء - ولكنها لا تحقق الهدف الأسمى . فضلا على انصراف الفطرة السليمة النظيفة عنها في تلك الفترة . لأن الفطرة السليمة يحكمها من الداخل ذات القانون الذي يحكم الحياة . فتنصرف بطبعها - وفق هذا القانون - عن المباشرة في حالة ليس من الممكن أن يصح فيها غرس ، ولا أن تنبت منها حياة . والمباشرة في الطهر تحقق اللذة الطبيعية ، وتحقق معها الغاية الفطرية . ومن ثم جاء ذلك النهي إجابة عن ذلك السؤال : ( ويسألونك عن المحيض . قل : هو أذى . فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ) . .

وليست المسألة بعد ذلك فوضى ، ولا وفق الأهواء والانحرافات . إنما هي مقيدة بأمر الله ؛ فهي وظيفة ناشئة عن أمر وتكليف ، مقيدة بكيفية وحدود :

( فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ) . .

في منبت الإخصاب دون سواه . فليس الهدف هو مطلق الشهوة ، إنما الغرض هو امتداد الحياة . وابتغاء ما كتب الله . فالله يكتب الحلال ويفرضه ؛ والمسلم يبتغي هذا الحلال الذي كتبه له ربه ، ولا ينشىء هو نفسه ما يبتغيه . والله يفرض ما يفرض ليطهر عباده ، ويحب الذين يتوبون حين يخطئون ويعودون إليه مستغفرين :

( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّـٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ} (222)

الحيض : السيلان ، وفي الشرع : دم يخرج من الرحم في مدة مخصوصة .

الأذى : الضرر .

كثرت الأسئلة عن مخالطة النساءِ أيام مجيء العادة الشهرية عندهن ، وذلك بسبب احتكاك المسلمين في المدينة باليهود وبسبب العادات الموروثة من الجاهلية . فقد كان اليهود لا يقربون المرأة أثناء حيضها ، ويعتبرونها نجسة .

فلا يجوز للرجل أن يمس جسدها أو يقرب من فراشها ، فإن فعل يغسل ثيابه بماء ويستحم ويكون نجسا إلى المساء . وإن اضطجع معها وهي حائض يكون نجسا سبعة أيام . وكان العرب في الجاهلية لا يساكنون الحائض ، ولا يؤاكلونها كما كانت تفعل اليهود . أما النصارى فكانت تتهاون في أمور الحيض ، فكان هذا الاختلاف مدعاة للسؤال عن حكم المحيض في الإسلام فنزلت الآية . . .

يسألونك يا محمد ، عن إتيان الزوجات زمن الحيض فأجبهم : إنه أذى ، فامتنعوا عنه حتى يطهُرن ، فإذا تطهرن فأتوهن في المكان الطبيعي ، ( لأنه لو كان يجوز إتيانهن في غيره لما قال تعالى : { فاعتزلوا النسآء فِي المحيض } ) . ومن كان وقع منه شيء من ذلك ، فليتبْ إلى الله فإن الله يحب التوبة من عباده ، وتطهُّرهم من الأقذار والفحش .

وقد أثبت العلم الحديث أن الحيض فيه أذى ، إذ يكون المهبل آنذاك ميدانا مفتوحاً للجراثيم . فالاتصال الجنسي في الحيض يعمل على وصول هذه الجراثيم إلى المهبل ، فتصيبه بمختلف الالتهابات التي قد تمتد إلى الجهاز التناسلي ، فتتولد مضاعفات قد تؤدي إلى العقم .

وتعود العدوى إلى الرجل عن طريق قناته البولية ، وقد تمتد الإصابة إلى المثانة والحالبين بل إلى قاعدة الكليتين ، حتى تصاب البروستاتا والخصيتان بما قد ينتج عنه الضعف الجنسي أو العقم . والمرأة أثناء الحيض تكون راغبة عن الرجل ، فالاتصال الجنسي بها في ذلك الوقت قد يؤثر في أعصابها من هذه الناحية . لذلك علّمنا القرآنُ الكريم أن نعتزل المرأة في وقت الحيض . أما مخالطتها ومسها والأكل معها والنوم في فراشها ، فكل هذا جائز وغير ممنوع .