في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (220)

215

( ويسألونك عن اليتامى ؟ قل : إصلاح لهم خير . وإن تخالطوهم فإخوانكم . والله يعلم المفسد من المصلح . ولو شاء الله لأعنتكم ، إن الله عزيز حكيم ) . .

إن التكافل الاجتماعي هو قاعدة المجتمع الإسلامي . والجماعة المسلمة مكلفة أن ترعى مصالح الضعفاء فيها . واليتامى بفقدهم آباءهم وهم صغار ضعاف أولى برعاية الجماعة وحمايتها . رعايتها لنفوسهم وحمايتها لأموالهم . ولقد كان بعض الأوصياء يخلطون طعام اليتامى بطعامهم . وأموالهم بأموالهم للتجارة فيها جميعا ؛ وكان الغبن يقع أحيانا على اليتامى . فنزلت الآيات في التخويف من أكل أموال الأيتام . عندئذ تحرج الأتقياء حتى عزلوا طعام اليتامى من طعامهم . فكان الرجل يكون في حجره اليتيم . يقدم له الطعام من ماله . فإذا فضل منه شيء بقي له حتى يعاود أكله أو يفسد فيطرح ! وهذا تشدد ليس من طبيعة الإسلام . فوق ما فيه من الغرم أحيانا على اليتيم . فعاد القرآن يرد المسلمين إلى الاعتدال واليسر في تناول الأمور ؛ وإلى تحري خير اليتيم والتصرف في حدود مصلحته . فالإصلاح لليتامى خير من اعتزالهم . والمخالطة لا حرج فيها إذا حققت الخير لليتيم . فاليتامى أخوان للأوصياء . كلهم أخوة في الإسلام . أعضاء في الأسرة المسلمة الكبيرة . والله يعلم المفسد من المصلح ، فليس المعول عليه هو ظاهر العمل وشكله . ولكن نيته وثمرته . والله لا يريد إحراج المسلمين وإعناتهم والمشقة عليهم فيما يكلفهم . ولو شاء الله لكلفهم هذا العنت . ولكنه لا يريد . وهو العزيز الحكيم . فهو قادر على ما يريد . ولكنه حكيم لا يريد إلا الخير واليسر والصلاح .

وهكذا يربط الأمر كله بالله ؛ ويشده إلى المحور الأصيل التي تدور عليه العقيدة ، وتدور عليه الحياة . . وهذه هي ميزة التشريع الذي يقوم على العقيدة . فضمانة التنفيذ للتشريع لا تجيء أبدا من الخارج ، إن لم تنبثق وتتعمق في أغوار الضمير . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (220)

العنت : المشقة . لأعنتكم : لأوقعكم في مشقة .

وقوله تعالى { في الدنيا والآخرة } معناه : لعلكم تتفكرون فيما يعود عليكم من مصالح الدنيا وخير الآخرة ، فهو مرتبط بما قبله . ويسألونك يا محمد ، بشأن اليتامى وما يوجبه الإسلام حيالهم ، فقل : الخير لكم ولهم في إصلاحهم ، فضموهم إلى بيوتكم ، وخالطوهم بقصد الإصلاح ، فهم إخوانكم . إن اليتيم طفل فقد أباه والعائلَ الذي يرعاه ، فما أحوجه إلى عناية رؤوم تنتشلُه وتجعل له متنفّساً يسرّي به عن نفسه ! وما أحوجه إلى تشريع حكيم ، ووصية من رب رحيم تحفظ عليه نفسه ، وله مالَه ، وتعدّه كي يكون رجلاً عاملا في الحياة .

ولقد كان بعض الأوصياء يخلطون طعام اليتامى بطعامهم ، وأموالهم بأموالهم للتجارة فيها جيمعا ، وكان الغبن يقع أحيانا على اليتامى ، فنزلت الآيات في التخويف من أكل أموال الأيتام . مثل { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ } ، وآية { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى } [ النساء : 9 ] . عندئذ تحرّج الأتقياء حتى عزلوا طعام اليتامى عن طعامهم ، فكان الرجل يكون في حجره اليتيم ، يقدِّم له الطعام من ماله فإذا فضَل شيء منه بقي له حتى يعاود ، أو يفسد فيُطرح . وهذا تشدد ليس من طبيعة الإسلام ، فجاء القرآن هنا ليرد المسلمين إلى الاعتدال واليسر . فالصلاح لليتامى خير من إعزالهم ، والمخالطة لا حرج فيها إذا حققت الخير لليتيم . والله يعلم المفسد من المصلح ، فليس المعوَّل عليه هو ظاهر العمل وشكله ، بل النيَّةُ فيه وثمرته . ولو شاء الله لشقَّ عليكم فألزمكم رعاية اليتامى من غير أن تخالطوهم لكنهم إذ ذاك ينشأون على بغض الجماعة .

ويكون ذلك إفسادا لجماعتكم وإعناتاً لكم . . والله لا يريد إحراج المسلمين ولا المشقة عليهم فيما يكلفهم . وهو عزيز غالب على أمره ، حكيم لا يشرّع إلا ما فيه مصلحتكم .

والحكمة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الإنفاق ، وبالسؤال عن الخمر والميسر ، أن السؤالين الأولين بيّنا حال طائفتين من الناس في بذلهم وإنفاقهم ، فناسبَ أن يذكر بعدها السؤال عن طائفة هي أحق الناس للإنفاق عليها ، وإصلاح شؤونها ، وهم اليتامى . وكأن الله تعالى يذكّرنا بأنه حين مخالطتهم وإصلاح أمورهم يجب أن تكون النفقة من العفو الزائد على حاجتنا من أموالنا ، ولا ينبغي أن نعكس ذلك ونطمع في أموالهم .