في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} (30)

وعند هذا الحد من عرض الأدلة الكونية الشاهدة بالوحدة ؛ والأدلة النقلية النافية للتعدد ؛ والأدلة الوجدانية التي تلمس القلوب . . يجول السياق بالقلب البشري في مجالي الكون الضخمة ، ويد القدرة تدبره بحكمة ، وهم معرضون عن آياتها المعروضة على الأنظار والقلوب :

أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما . وجعلنا من الماء كل شيء حي ؛ أفلا يؤمنون ? وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ، وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ؛ وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون . وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر . كل في فلك يسبحون . .

إنها جولة في الكون المعروض للأنظار ، والقلوب غافلة عن آياته الكبار ، وفيها ما يحير اللب حين يتأمله بالبصيرة المفتوحة والقلب الواعي والحس اليقظ .

وتقريره أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقتا ، مسألة جديرة بالتأمل ، كلما تقدمت النظريات الفلكية في محاولة تفسير الظواهر الكونية ، فحامت حول هذه الحقيقة التي أوردها القرآن الكريم منذ أكثر من ثلاث مائة وألف عام .

فالنظرية القائمة اليوم هي أن المجموعات النجمية - كالمجموعة الشمسية المؤلفة من الشمس وتوابعها ومنها الأرض والقمر . . كانت سديما . ثم انفصلت وأخذت أشكالها الكروية وأن الأرض كانت قطعة من الشمس ثم انفصلت عنها وبردت . .

ولكن هذه ليست سوى نظرية فلكية . تقوم اليوم وقد تنقض غدا . وتقوم نظرية أخرى تصلح لتفسير الظواهر الكونية بفرض آخر يتحول إلى نظرية . .

ونحن - أصحاب هذه العقيدة - لا نحاول أن نحمل النص القرآني المستيقن على نظرية غير مستيقنة ، تقبل اليوم وترفض غدا . لذلك لا نحاول في هذه الظلال أن نوفق بين النصوص القرآنية والنظريات التي تسمى علمية . وهي شيء آخر غير الحقائق العلمية الثابتة القابلة للتجربة كتمدد المعادن بالحرارة وتحول الماء بخارا وتجمده بالبرودة . . إلى آخر هذا النوع من الحقائق العلمية . وهي شيء آخر غير النظريات العلمية - كما بينا من قبل في الظلال - .

إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجيء ليكون علما تجريبيا كذلك . إنما هو منهج للحياة كلها . منهج لتقويم العقل ليعمل وينطلق في حدوده . ولتقويم المجتمع ليسمح للعقل بالعمل والانطلاق . دون أن يدخل في جزئيات وتفصيليات علمية بحتة . فهذا متروك للعقل بعد تقويمه وإطلاق سراحه .

وقد يشير القرآن أحيانا إلى حقائق كونية كهذه الحقيقة التي يقررها هنا : ( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما )ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن . وإن كنا لا نعرف منه كيف كان فتق السماوات والأرض . أو فتق السماوات عن الأرض . ونتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قررها القرآن . ولكننا لا نجري بالنص القرآني وراء أية نظرية فلكية ، ولا نطلب تصديقا للقرآن في نظريات البشر . وهو حقيقة مستيقنة ! وقصارى ما يقال : إن النظرية الفلكية القائمة اليوم لا تعارض المفهوم الإجمالي لهذا النص القرآني السابق عليها بأجيال !

فأما شطر الآية الثاني : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي )فيقرر كذلك حقيقة خطيرة . يعد العلماء كشفها وتقريرها أمرا عظيما . ويمجدون " دارون " لاهتدائه إليها ! وتقريره أن الماء هو مهد الحياة الأول .

وهي حقيقة تثير الانتباه حقا . وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يثير العجب في نفوسنا ، ولا يزيدنا يقينا بصدق هذا القرآن . فنحن نستمد الاعتقاد بصدقه المطلق في كل ما يقرره من إيماننا بأنه من عند الله . لا من موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له . وأقصى ما يقال هنا كذلك : إن نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النص القرآني في هذه النقطة بالذات .

ومنذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا كان القرآن الكريم يوجه أنظار الكفار إلى عجائب صنع الله في الكون ، ويستنكر ألا يؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود : أفلا يؤمنون ? وكل ما حولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبر الحكيم ?

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} (30)

رتقا : ملتئمتين .

ففتقناهما : ففصلناهما .

لقد ذكر الله في هذه الآية والآيات التي تليها ستة أدلة تثبت وجودَ الخالق الواحد القادر ، ولو تدبَّرها المنصِفون ، وعقَلَها الجاحدون ، لم يجدوا مجالاً للإنكار .

الأول : { أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا } :

أولم يعلم الذين كفروا ولم يبصروا الحق ، أن السمواتِ والأرضَ كانتا في بدء خَلْقِهما ملتصقتين في صورة كتلة واحدة ففصلناهما حتى صارتا في هذا النظام ! وهو ما يسمونه : النظام الشمسي ، ويتكون من الشمس ، يدور حولها تسعة كواكب سيارة هي : عطارد ، والزُّهرة ، والأرض ، والمريخ ، والمشتري ، وزحَل ، وأورانوس ، ونبتون ، وبلوتون ، وعدد من الأقمار يدور حول كل من هذه الكواكب .

ويدخل ضمن هذه الأسرة عدد من الأجسام الصغيرة تقع بين مداري المريخ والمشتري ، وتدور حول الشمس كسربٍ من الطير ، ومن بينهما المذنّبات ، والشُهُب التي نرى الكثير منها يتهاوى في الليل نحو الأرض ، ويتمزّق عند احتكاكه بالغلاف الجوي المحيط بها .

أما بقية الأجرام التي نراها في السماء ليلاً تزين سطح القبة السماوية فهي النجوم ، وهي شموس لا حصر لها ، والكثيرُ منها يَكْبُرُ شمسَنا . وهي بعيدة جدا لا نستطيع الوصول إليها بكل ما لدينا من وسائل حديثة ، والبحث فيها يطول .

ولعلماء الفلك نظريات عديدة في كيفية انفصال هذه الأجرام عن بعضها البعض ، لكن هذا الموضع ليس موضع بحثه . والقرآن الكريم كتاب يهدي الإنسان إلى سعادته في دنياه وآخرته وليس كتاب نظريات في الفلسفة والعلم والفلك وغيره ، وان كان ما يرِدُ فيه

لا يخالف أحدث نظريات العلم والفلك ، واكبر دليل على ذلك هذه الآية العظيمة .

الثاني : { وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } : وخلقنا من الماء كلَّ ما في هذا العالَم من حياة ، فالماء مصدر الحياة لكل نامٍ ، إنساناً كان أو حيواناً أو نباتا ، فهل بعد كل هذا يعرضون ، فلا يؤمنون بأنه لا اله إلا الله !

وتقرر هذه الآية حقيقةً علمية ثابتة ، وهي أن الماء هو المكوِّن الهام في تركيب مادة الخلية ، وهي وَحْدة البناء في كل كائن حيّ . ولقد أثبت علم الكيمياء الحيوية أن الماء لازم لحدوث التفاعلات والتحولات التي تتم داخل أجسام الأحياء .

وأثبت علم وظائف الأعضاء أن الماء ضروري لقيام كل عضو بوظائفه التي بدونها

لا تتوافر له مظاهر الحياة ومقوماتها .