( وضرب الله مثلا رجلين : أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير . هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم )
والمثل الثاني يصور الرجل الأبكم الضعيف البليد الذي لا يدري شيئا ولا يعود بخير . والرجل القوي المتكلم الآمر بالعدل ، العامل المستقيم على طريق الخير . . ولا يسوي عاقل بين هذا وذاك . فكيف تمكن التسوية بين ضم أو حجر ، وبين الله سبحانه وهو القادر العليم الآمر بالمعروف ، الهادي إلى الصراط المستقيم ؟
وبهذين المثلين يختم الشوط الذي بدأ بأمر الله للناس ألا يتخذوا إلهين اثنين ، وختم بالتعجيب من أمر قوم يتخذون إلهين اثنين !
قوله تعالى : " وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم " ، هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن ، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء ، هو : الوثن ، والذي يأمر بالعدل ، هو : الله تعالى ، قاله قتادة وغيره . وقال ابن عباس : الأبكم : عبد كان لعثمان رضي الله عنه ، وكان يعرض عليه الإسلام فيأبى ، ويأمر بالعدل عثمان . وعنه أيضا : أنه مثل لأبي بكر الصديق ومولى له كافر . وقيل : الأبكم : أبو جهل ، والذي يأمر بالعدل : عمار بن ياسر العنسي ، وعنس " بالنون " : حي من مذحج ، وكان حليفا لبني مخزوم رهط أبي جهل ، وكان أبو جهل يعذبه على الإسلام ويعذب أمه سمية ، وكانت مولاة لأبي جهل ، وقال لها ذات يوم : إنما آمنت بمحمد ؛ لأنك تحبينه لجماله ، ثم طعنها بالرمح في قبلها فماتت ، فهي أول شهيد مات في الإسلام ، رحمها الله . من كتاب النقاش وغيره . وسيأتي هذا في آية الإكراه مبينا{[9985]} إن شاء الله تعالى . وقال عطاء : الأبكم : أبي بن خلف ، كان لا ينطق بخير . " وهو كل على مولاه " ، أي : قومه ؛ لأنه كان يؤذيهم ، ويؤذي عثمان بن مظعون . وقال مقاتل : نزلت في هشام بن عمرو بن الحارث ، كان كافرا قليل الخير ، يعادي النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : إن الأبكم : الكافر ، والذي يأمر بالعدل : المؤمن جملة بجملة ، روى عن ابن عباس وهو حسن ؛ لأنه يعم . والأبكم : الذي لا نطق له . وقيل : الذي لا يعقل . وقيل : الذي لا يسمع ولا يبصر . وفي التفسير : إن الأبكم ها هنا الوثن . بين أنه لا قدرة له ولا أمر ، وأن غيره ينقله وينحته ، فهو كل عليه . والله الآمر بالعدل ، الغالب على كل شيء . " وهو كل على مولاه " ، أي : ثقل على وليه وقرابته ، ووبال على صاحبه وابن عمه . وقد يسمى اليتيم كلا ؛ لثقله على من يكفله ، ومنه قول الشاعر :
أَكُولٌ لمال الكَلِّ قبل شَبَابِه *** إذا كان عظم الكَلِّ غيرَ شَدِيدِ
والكل أيضا : الذي لا ولد له ولا والد . والكل : العيال ، والجمع الكلول ، يقال منه : كَلَّ السكين يَكِلُّ كَلاًّ ، أي : غلظت شفرته فلم يقطع . " أينما يوجه لا يأت بخير " قرأ الجمهور : " يوجهه " ، وهو خط المصحف ، أي : أينما يرسله صاحبه لا يأت بخير ؛ لأنه لا يعرف ولا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه . وقرأ يحيى بن وثاب : " أينما يوجه " ، على الفعل المجهول . وروي{[9986]} عن ابن مسعود أيضا : " توجه " ، على الخطاب . " هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم " ، أي : هل يستوي هذا الأبكم ، ومن يأمر بالعدل وهو على الصراط المستقيم .
ولما انقضى هذا المثل كافياً في المراد ، ملزماً لهم ؛ لاعترافهم بأن الأصنام عبيد الله ، في قولهم : " لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك " ، وكان ربما كابر مكابر فقال : إنهم ليسوا ملكاً له ، أتبعه مثلاً آخر لا تمكن المكابرة فيه ، فقال تعالى : { وضرب الله } ، أي : الذي له الإحاطة الكاملة أيضاً ، { مثلاً } ثم أبدل منه : { رجلين } ، ثم استأنف البيان لما أجمل فقال تعالى : { أحدهما أبكم } ، أي : ولد أخرس ؛ ثم ترجم بكمته التي أريد بها أنه لا يَفهم ولا يُفهِم ، بقوله : { لا يقدر على شيء } ، أي : أصلاً ، { وهو كل } ، أي : ثقل وعيال ، والأصل فيه الغلظ الذي يمنع من النفوذ ، كلت السكين ، كلولاً : إذا غلظت شفرتها فلم تقطع ، وكل لسانه : إذا لم ينبعث في القول ، لغلظه وذهاب حده - قاله الرماني ، { على مولاه } ، الذي يلي أمره ؛ ثم بين ذلك بقوله تعالى : { أينما يوجهه } ، أي : يرسله ويصرفه ذلك المولى ، { لا يأت بخير } ، وهذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على عبدتهم .
ولما انكشف ضلالهم في تسويتهم الأنداد ، -الذين لا قدرة لهم على شيء ما- ، بالله الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلماً ، حسن كل الحسن توبيخهم والإنكار عليهم ، بقوله تعالى : { هل يستوي هو } ، أي : هذا المذكور ، { ومن } ، أي : ورجل آخر على ضد صفته ، فهو : عالم ، فطن ، قوي ، خبير ، مبارك الأمر ، ميمون النقيبة ، { يأمر } بما له من العلم والقدرة ، { بالعدل } ، أي : ببذل النصيحة لغيره ، { وهو } ، في نفسه ظاهراً وباطناً ، { على صراط } ، أي : طريق واضح واسع ، { مستقيم } ، أي : عامل بما يأمر به ، وهذا مثال للمعبود بالحق الذي يكفي عابده جميع المؤن ، وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.