في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

1

بعد ذلك يجيء الحديث عن الأمثال التي يضربها الله في القرآن :

( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ، بعوضة فما فوقها ، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ، وأما الذين كفروا فيقولون : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ، وما يضل به إلا الفاسقين . الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، ويفسدون في الأرض . . أولئك هم الخاسرون ) . .

وهذه الآيات تشي بأن المنافقين الذين ضرب الله لهم مثل الذي استوقد نارا ومثل الصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق - وربما كان اليهود كذلك والمشركون - قد اتخذوا من ورود هذه الأمثال في هذه المناسبة ، ومن وجود أمثال أخرى في القرآن المكي الذي سبق نزوله وكان يتلى في المدينة ، كالذي ضربه الله مثلا للذين كفروا بربهم ( كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) . . وكالذي ضربه الله مثلا لعجز آلهتهم المدعاة عن خلق الذباب : ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه . ضعف الطالب والمطلوب ) . .

نقول : إن هذه الآيات تشي بأن المنافقين - وربما كان اليهود والمشركون - قد وجدوا في هذه المناسبة منفذا للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن ، بحجة أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا تصدر عن الله ، وأن الله لا يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه ! . . وكان هذا طرفا من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة ، كما كان يقوم بها المشركون في مكة .

فجاءت هذه الآيات دفعا لهذا الدس ، وبيانا لحكمة الله في ضرب الأمثال ، وتحذيرا لغير المؤمنين من عاقبة الاستدراج بها ، وتطمينا للمؤمنين أن ستزيدهم إيمانا .

( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ، بعوضة فما فوقها ) . .

فالله رب الصغير والكبير ، وخالق البعوضة والفيل ، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل . إنها معجزة الحياة . معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله . . على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل ، إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير . وليس في ضرب الأمثال ما يعاب وما من شأنه الاستحياء من ذكره . والله - جلت حكمته - يريد بها اختبار القلوب ، وامتحان النفوس :

( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) . .

ذلك أن إيمانهم بالله يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بما يليق بجلاله ؛ وبما يعرفون من حكمته . وقد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم ، وحساسية في أرواحهم ، وتفتحا في مداركهم ، واتصالا بالحكمة الإلهية في كل أمر وفي كل قول يجيئهم من عند الله .

( وأما الذين كفروا فيقولون : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ ) . .

وهو سؤال المحجوب عن نور الله وحكمته ، المقطوع الصلة بسنة الله وتدبيره . ثم هو سؤال من لا يرجو لله وقارا ، ولا يتأدب معه الأدب اللائق بالعبد أمام تصرفات الرب . يقولونها في جهل وقصور في صيغة الاعتراض والاستنكار ، أو في صورة التشكيك في صدور مثل هذا القول عن الله !

هنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير :

( يضل به كثيرا ، ويهدي به كثيرا ، وما يضل به إلا الفاسقين ) . .

والله - سبحانه - يطلق الابتلاءات والامتحانات تمضي في طريقها ، ويتلقاها عباده ، كل وفق طبيعته واستعداده ، وكل حسب طريقه ومنهجه الذي اتخذه لنفسه . والابتلاء واحد . . ولكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج والطريق . . الشدة تسلط على شتى النفوس ، فأما المؤمن الواثق بالله وحكمته ورحمته فتزيده الشدة التجاء إلى الله وتضرعا وخشية . وأما الفاسق أو المنافق فتزلزله وتزيده من الله بعدا ، وتخرجه من الصف إخراجا . والرخاء يسلط على شتى النفوس ، فأما المؤمن التقي فيزيد الرخاء يقظة وحساسية وشكرا . وأما الفاسق أو المنافق فتبطره النعمة ويتلفه الرخاء ويضله الابتلاء . . وهكذا المثل الذي يضربه الله للناس . . ( يضل به كثيرا ) . . ممن لا يحسنون استقبال ما يجيئهم من الله ، ( ويهدي به كثيرا )ممن يدركون حكمة الله . ( وما يضل به إلا الفاسقين ) . . الذين فسقت قلوبهم من قبل وخرجت عن الهدى والحق ، فجزاؤهم زيادتهم مما هم فيه !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

قوله تعالى : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " قال ابن عباس في رواية أبي صالح : لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين : يعني " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا " [ البقرة : 17 ] وقوله : " أو كصيب من السماء " [ البقرة : 19 ] قالوا : الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية . وفي رواية عطاء عن ابن عباس قال : لما ذكر الله آلهة المشركين فقال : " وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه{[375]} " [ الحج : 73 ] وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت ، قالوا : أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد ، أي شيء يصنع ؟ فأنزل الله الآية . وقال الحسن وقتادة : لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ، ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله ، فأنزل الله الآية .

و " يستحيي " أصله يستحيِيُ ، عينه ولامه حرفا علة ، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت . واسم الفاعل في هذا : مستحيٍ ، والجمع مستحيون ومستحيين . وقرأ ابن محيصن " يستحي " بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة ، وروى عن ابن كثير ، وهي لغة تميم وبكر ابن وائل ، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت ، فحذفت إحداهما للالتقاء ، واسم الفاعل مستح ، والجمع مستحون ومستحين . قاله الجوهري . واختلف المتأولون في معنى " يستحيي " في هذه الآية فقيل : لا يخشى ، ورجحه الطبري ، وفي التنزيل : " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه{[376]} " [ الأحزاب : 37 ] بمعنى تستحي . وقال غيره : لا يترك . وقيل : لا يمتنع . وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح ، وهذا محال على الله تعالى . وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحيي من الحق . المعنى لا يأمر بالحياء فيه ، ولا يمتنع من ذكره .

قوله تعالى : " أن يضرب مثلا ما " " يضرب " معناه يبين ، و " أن " مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف من . " مثلا " منصوب بيضرب " بعوضة " في نصبها أربعة أوجه :

الأول : تكون " ما " زائدة ، و " بعوضة " بدلا من " مثلا " .

الثاني : تكون " ما " نكرة في موضع نصب على البدل من قوله : " مثلا " . و " بعوضة " نعت لما ، فوصفت " ما " بالجنس المنكر لإبهامها لأنها بمعنى قليل ، قاله الفراء والزجاج وثعلب .

الثالث : نصبت على تقدير إسقاط الجار ، المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة ، فحذفت " بين " وأعربت بعوضة بإعرابها ، والفاء بمعنى إلى ، أي إلى ما فوقها . وهذا قول الكسائي والفراء أيضا ، وأنشد أبو العباس :

يا أحسن الناس ما قَرْناً إلى قدم *** ولا حبالَ مُحِبٍّ واصلٍ تصل

أراد ما بين قرن ، فلما أسقط " بين " نصب .

الرابع : أن يكون " يضرب " بمعنى يجعل ، فتكون " بعوضة " المفعول الثاني . وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج " بعوضة " بالرفع ، وهي لغة تميم . قال أبو الفتح : ووجه ذلك أن " ما " اسم بمنزلة الذي ، و " بعوضة " رفع على إضمار المبتدأ ، التقدير : لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا ، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ . ومثله قراءة بعضهم : " تماما على الذي أحسن " أي على الذي هو أحسن . وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا ، أي هو قائل . قال النحاس : والحذف في " ما " أقبح منه في " الذي " ، لأن " الذي " إنما له وجه واحد والاسم معه أطول . ويقال : إن معنى ضربت له مثلا ، مثلت له مثلا . وهذه الأبنية على ضرب واحد ، وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع . والبعوضة : فعولة من بَعَض إذا قطع اللحم ، يقال : بضع وبعض بمعنى ، وقد بعضته تبعيضا ، أي جزأته فتبعض . والبعوض : البق{[377]} ، الواحدة بعوضة ، سميت بذلك لصغرها . قاله الجوهري وغيره .

قوله تعالى : " فما فوقها " قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى ، ومن جعل " ما " الأولى صلة زائدة ف " ما " الثانية عطف عليها . وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما : معنى " فما فوقها " - والله أعلم - ما دونها ، أي إنها فوقها في الصغر . قال الكسائي : وهذا كقولك في الكلام : أتراه قصيرا ؟ فيقول القائل : أو فوق ذلك ، أي هو أقصر مما ترى . وقال قتادة وابن جريج : المعنى في الكبر .

قوله تعالى : " فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم " الضمير في " أنه " عائد على المثل أي أن المثل حق . والحق خلاف الباطل . والحق : واحد الحقوق . والحقة ( بفتح الحاء ) أخص منه ، يقال : هذه حقتي ، أي حقي . " وأما الذين كفروا " لغة بني تميم وبني عامر في " أما " أيما ، يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف ، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة :

رأت رجلا أيْمَا إذا الشمس عارضت *** فيضحَى وأيْمَا بالعشي فيَخْصَرُ{[378]}

قوله تعالى : " فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا " اختلف النحويون في " ماذا " ، فقيل : هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شيء أراد الله ، فيكون في موضع نصب ب " أراد " . قال ابن كيسان : وهو الجيد . وقيل : " ما " اسم تام في موضع رفع بالابتداء ، و " ذا " بمعنى الذي وهو خبر الابتداء ، ويكون التقدير : ما الذي أراده الله بهذا مثلا ، ومعنى كلامهم هذا : الإنكار بلفظ الاستفهام . و " مثلا " منصوب على القطع ، التقدير : أراد مثلا ، قاله ثعلب . وقال ابن كيسان : هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال .

قوله تعالى : " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " قيل : هو من قول الكافرين ، أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى . وقيل : بل هو خبر من الله عز وجل ، وهو أشبه ، لأنهم يقرون بالهدى أنه من عنده ، فالمعنى : قل يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا ، أي يوفق ويخذل ، وعليه فيكون فيه رد على من تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم : إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى . قالوا : ومعنى " يضل به كثيرا " التسمية هنا ، أي يسميه ضالا ، كما يقال : فسقت فلانا ، يعني سميته فاسقا ؛ لأن الله تعالى لا يضل أحدا . هذا طريقهم في الإضلال ، وهو خلاف أقاويل المفسرين ، وهو غير محتمل في اللغة ، لأنه يقال : ضلله إذا سماه ضالا ، ولا يقال : أضله إذا سماه ضالا ، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم .

" وما يضل به إلا الفاسقين " ولا خلاف أن قوله : " وما يضل به إلا الفاسقين " أنه من قول الله تعالى . و " الفاسقين " نصب بوقوع الفعل عليهم ، والتقدير : وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم . ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام . وقال نوف البكالي : قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل : إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء . قال فقيل : يا عزير اعرض عن هذا ! لتعرضن{[379]} عن هذا أو لأمحونك من النبوة ، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون . والضلال أصله الهلاك ، يقال منه : ضل الماء في اللبن إذا استهلك ، ومنه قوله تعالى : " أإذا ضللنا في الأرض{[380]} " [ السجدة :10 ] وقد تقدم في الفاتحة{[381]} . والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشيء ، يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ، والفأرة من جحرها . والفويسقة : الفأرة ، وفي الحديث : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيَّا ) . روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أخرجه مسلم . وفي رواية ( العقرب ) مكان ( الحية ) . فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها اسم الفسق لأذيتها ، على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى . وفسق الرجل يفسق ويفسق أيضا - فسقا وفسوقا ، أي فجر . فأما قوله تعالى : " ففسق عن أمر ربه " فمعناه خرج . وزعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم{[382]} فاسق . قال : وهذا عجب ، وهو كلام عربي حكاه عنه ابن فارس والجوهري .

قلت : قد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب " الزاهر " له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر :

يذهبن في نجد وغَوْراًوغورا{[383]} غائرا *** فواسقا عن قصدها جوائرا

والفِسّيق : الدائم الفسق . ويقال في النداء : يا فسق ويا خبث ، يريد : يا أيها الفاسق ، ويا أيها الخبيث . والفسق في عرف الاستعمال الشرعي : الخروج من طاعة الله عز وجل ، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان .


[375]:راجع ج 12 ص 97.
[376]:راجع ج 14 ص 190.
[377]:قال الدميري: "هو وهم". وذكر البعوض بأوصافها. ويدل على أن البعوض غير البق ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله بعوضة.." الحديث.
[378]:الخصر (بالتحريك): البرد.
[379]:في نسخة من الأصل: أعرض عن هذا، وإلا محوتك من النبوة.
[380]:راجع ج 14 ص 91.
[381]:راجع ص 150
[382]:أي بمعنى الخارج من طاعة الله، وهو بهذا المعنى حقيقة شرعية.
[383]:غورا، منصوب بفعل محذوف؛ أي: ويسلكن. (راجع كتاب سيبويه ج 1 ص 49 طبع بولاق).
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

{ لا يستحي } تأول قوم : أن معناه لا يترك لأنهم زعموا أن الحياء مستحيل على الله لأنه عندهم انكسار يمنع من الوقوع في أمر ، وليس كذلك وإنما هو كرم وفضيلة تمنع من الوقوع فيما يعاب ، ويرد عليهم قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله حي كريم يستحي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا " .

{ أن يضرب } سبب الآية أنه لما ذكر في القرآن الذباب والنمل والعنكبوت عاب الكفار على ذلك ، وقيل : المثلين المتقدمين في المنافقين تكلموا في ذلك فنزلت الآية ردا عليهم .

{ مثلا ما بعوضة } إعراب بعوضة مفعول ب { يضرب } ، و{ مثلا } حال ، أو { مثلا } مفعول ، و{ بعوضة } بدل منه أو عطف بيان ، أو هما مفعولان ب { يضرب } لأنها على هذا المعنى تتعدى إلى مفعولين ، و{ ما } صفة للنكرة أو زائدة .

{ فما فوقها } في الكبر ، وقيل : في الصغر ، والأول أصح .

{ فيعلمون أنه الحق } لأنه لا يستحيل على الله أن يذكر ما شاء ولأن ذكر تلك الأشياء فيه حكمة ؛ وضرب أمثال ، وبيان للناس ، ولأن الصادق جاء بها من عند الله .

{ ماذا أراد الله } لفظة الاستفهام ، ومعناه الاستبعاد والاستهزاء والتكذيب .

وفي إعراب ماذا وجهان :

أن تكون " ما " مبتدأ و " ذا " خبره وهي موصولة ، وأن تكون كلمة مركبة في موضع نصب على المفعول ب " أراد " و " مثلا " منصوب على الحال أو التمييز .

{ يضل به } من كلام الله جوابا للذين قالوا :{ ماذا أراد الله بهذا مثلا } ، وهو أيضا تفسير لما أراد الله بضرب المثل من الهدى والضلال .