ثم يختم تلك الجولة الضخمة الهائلة اللطيفة العميقة بتقرير قضية البعث والقيامة التي يغفل عنها الغافلون :
( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده - وهو أهون عليه - وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم ) . .
وقد سبق في السورة تقرير البدء والإعادة ، وهو يعاد هنا بعد تلك الجولة العريضة ويضاف إليه جديد : ( وهو أهون عليه ) . . وليس شيء أهون على الله ولا أصعب . ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن . فيكون )ولكنه إنما يخاطب الناس بحسب إدراكهم ، ففي تقدير الناس أن بدء الخلق أصعب من إعادته ، فما بالهم يرون الإعادة عسيرة على الله . وهي في طبيعتها أهون وأيسر ? !
( وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ) . . فهو سبحانه ينفرد في السماوات والأرض بصفاته لا يشاركه فيها أحد ، وليس كمثله شيء ، إنما هو الفرد الصمد .
( وهو العزيز الحكيم ) . . العزيز القاهر الذي يفعل ما يريد . الحكيم الذي يدبر الخلق بإحكام وتقدير .
{ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } .
الله تعالى بدأ خلق الكون كله قال تعالى : { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } . ( غافر : 57 ) .
والله تعالى يعيد هذا الكون بالبعث بعد الموت والإعادة أهون من البدء بالنسبة للمخاطبين وإلا فالله تعالى ليس عليه هين أهون ، فجميع الأمور في قبضته وتحت قدرته .
قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } . ( يس : 82-83 ) .
والمقصود من الآية التقريب بالنسبة لعقول المنكرين للبعث والإعادة ، فإن إعادة شيء من مادته الأولى أهون على الناس من إيجاده ابتداء .
إنه أهون عليه بالإضافة إلى أعمالكم ، وبالقياس إلى أقداركم وذهب بعض المفسرين إلى أن " أفعل التفضيل " على غير بابها فيكون معنى : { وهو أهون عليه } . وهو هين عليه .
{ وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } .
وله الوصف الأعلى الذي ليس لغيره ما يدانيه فيهما ، كالقدرة العامة والحكمة التامة ، فكل شيء بدءا وإعادة وإيجادا وإعداما عنده على حد سواء ، ولا مثل له ولا ند فهو منزه عن النظير والمثيل . { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } . ( الشورى : 11 ) .
{ وهو العزيز } . الغالب الذي لا يغلب ولا يغالب .
{ الحكيم } . في تدبير خلقه وتصريف شؤونه فيما أراد وفق الحكمة والسداد .
قوله تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } يخلقهم أولاً ثم يعيدهم بعد الموت للبعث ، { وهو أهون عليه } قال الربيع بن خثيم ، وقتادة والكلبي : أي : هو هين عليه وما شيء عليه بعزيز ، وهو رواية العوفي عن ابن عباس . وقد يجيء أفعل بمعنى الفاعل كقول الفرزدق .
إن الذي سمك السماء بنى لنا *** بيتاً دعائمه أعز وأطول
أي : عزيزة طويلة . وقال مجاهد وعكرمة : وهو أهون عليه : أي : أيسر ، ووجهه أنه على طريق ضرب المثل ، أي : هو أهون عليه على ما يقع في عقولكم ، فإن الذي يقع في عقول الناس أن الإعادة تكون أهون من الإنشاء ، أي : الابتداء . وقيل : هو أهون عليه عندكم . وقيل : وهو أهون عليه ، أي : على الخلق ، يقومون بصيحة واحدة ، فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفاً ، ثم علقاً ثم مضغاً إلى أن يصيروا رجالاً ونساءً ، وهذا معنى رواية ابن حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . { وله المثل الأعلى } أي : الصفة العليا { في السموات والأرض } قال ابن عباس : هي أنه ليس كمثله شيء . وقال قتادة : هي أنه لا إله إلا هو ، { وهو العزيز } في ملكه ، { الحكيم } في خلقه .
قوله تعالى : " وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده " أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته ، وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث ، فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفى من إعادته ، استدلالا بالشاهد على الغائب ، ثم أكد ذلك بقوله " وهو أهون عليه " وقرأ ابن مسعود وابن عمر : " يبدئ الخلق " من أبدأ يبدئ ، دليله قوله تعالى : " إنه هو يبدئ ويعيد " {[12470]} [ البروج : 13 ] . ودليل قراءة العامة قوله سبحانه : " كما بدأكم تعودون " {[12471]} [ الأعراف : 29 ] . و " أهون " بمعنى هين ، أي الإعادة هين عليه ، قاله الربيع بن خثيم والحسن . فأهون بمعنى هين ؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء . قال أبو عبيدة : ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله تعالى : " وكان ذلك على الله يسيرا " [ النساء :30 ] وبقوله : " ولا يؤوده حفظهما " [ البقرة : 255 ] .
والعرب تحمل أفعل على فاعل ، ومنه قول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا *** بيتا دعائمُه أعزُّ وأطْوَلُ
أي دعائمه عزيزة طويلة . وقال آخر{[12472]} :
لعمرك ما أدري وإني لأوجل *** على أينا تعدو المنية أوَّلُ
أراد : إني لوجل . وأنشد أبو عبيدة أيضا :
إني لأمنحك الصدود وإنني *** قَسَمًا إليك مع الصدود لأَمْيَلُ{[12473]}
أراد لمائل . وأنشد أحمد بن يحيى :
تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وإن أُمُتْ *** فتلك سبيلٌ لستُ فيهَا بأَوْحَدِ
لعمركَ إن الزِّبْرِقَانَ لباذل *** لمعروفه عند السنينَ وأفضل
أي وفاضل . ومنه قولهم : الله أكبر ، إنما معناه الله الكبير . وروى معمر عن قتادة قال : في قراءة عبد الله بن مسعود " وهو عليه هين " . وقال مجاهد وعكرمة والضحاك : إن المعنى أن الإعادة أهون عليه - أي على الله - من البداية ، أي أيسر ، وإن كان جميعه على الله تعالى هينا ، وقاله ابن عباس . ووجهه أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده ، يقول : إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه ، فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم ، وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء . وقيل : الضمير في " عليه " للمخلوقين ، أي وهو أهون عليه ، أي على الخلق ، يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ويقال لهم : كونوا فيكونون ، فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أجنة ثم أطفالا ثم غلمانا ثم شبانا ثم رجالا أو نساء . وقاله ابن عباس وقطرب . وقيل أهون أسهل ، قال :
وهان على أسماء أن شَطَّتْ النَّوَى *** يحن إليها والهٌ ويتُوقُ
أي سهل عليها ، وقال الربيع بن خثيم في قوله تعالى : " وهو أهون عليه " قال : ما شيء على الله بعزيز . عكرمة : تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية . " وله المثل الأعلى " أي ما أراده جل وعز كان . وقال الخليل : المثل الصفة ، أي وله الوصف الأعلى " في السموات والأرض " كما قال : " مثل الجنة التي وعد المتقون " [ الرعد : 35 ] أي صفتها . وقد مضى الكلام في ذلك{[12474]} . وعن مجاهد : " المثل الأعلى " قول لا إله إلا الله ، ومعناه : أي الذي له الوصف الأعلى ، أي الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية . وكذا قال قتادة : إن المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله ، ويعضده قوله تعالى : " ضرب لكم مثلا من أنفسكم " على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى . وقال الزجاج : " وله المثل الأعلى في السموات والأرض " أي قوله : " وهو أهون عليه " قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ويسهل ، يريد التفسير الأول . وقال ابن عباس : أي ليس كمثله شيء " وهو العزيز الحكيم " {[12475]} تقدم .