في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ} (28)

25

ويتلقى نوح - عليه السلام - الاتهام والإعراض والاستكبار ، في سماحة النبي وفي استعلائه وفي ثقته بالحق الذي جاء به ، واطمئنانه إلى ربه الذي أرسله ؛ وفي وضوح طريقه أمامه واستقامة منهجه في شعوره . فلا يشتم كما شتموا ، ولا يتهم كما اتهموا ، ولا يدعي كما ادعوا ، ولا يحاول أن يخلع على نفسه مظهرا غير حقيقته ولا على رسالته شيئا غير طبيعتها . .

( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم . أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله ، وما أن بطارد الذين آمنوا ، إنهم ملاقو ربهم ، ولكني أراكم قوما تجهلون . ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ؟ ولا أقول لكم : عندي خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول : إني ملك ، ولاأقول للذين تزدري أعينكم : لن يؤتيهم الله خيرا . الله أعلم بما في أنفسهم ، إني إذن لمن الظالمين ) . .

( يا قوم ) . . في سماحة ومودة بندائهم ونسبتهم إليه ، ونسبة نفسه إليهم . إنكم تعترضون فتقولون : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) . . فما يكون رأيكم إن كنت على اتصال بربي ، بين في نفسي مستيقن في شعوري . وهي خاصية لم توهبوها . وإن كان الله آتاني رحمة من عنده باختياري للرسالة ، أو آتاني من الخصائص ما أستحق به حمل الرسالة - وهذه رحمة ولا شك عظيمة - مارأيكم رأيكم إن كانت هذه وتلك فخفيت عليكم خفاء عماية ، لأنكم غير متهيئين لإدراكها ، وغير مفتوحي البصائر لرؤيتها . ( أنلزمكموها ؟ )إنه ما كان لي وما أنا بمستطيع أن ألزمكم الإذعان لها والإيمان بها ( وأنتم لها كارهون ) !

وهكذا يتلطف نوح في توجيه أنظارهم ولمس وجدانهم وإثارة حساسيتهم لإدراك القيم الخفية عليهم ، والخصائص التي يغفلون عنها في أمر الرسالة والاختيار لها : ويبصرهم بأن الأمر ليس موكولا إلى الظواهرالسطحية التي يقيسون بها . وفي الوقت ذاته يقرر لهم المبدأ العظيم القويم . مبدأ الاختيار في العقيدة ، والاقتناع بالنظر والتدبر ، لا بالقهر والسلطان والاستعلاء !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ} (28)

{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ 28 وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ 29 وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ 30 وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ 31 } .

المفردات :

أرأيتم : أي : أخبروني .

على بينة : البينة : ما يتبين به الحق .

فعميت : أخفيت .

التفسير :

28 { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ . . . } الآية .

تلطف نوح في مناقشة قومه ؛ ليعالج إعراضهم ، ويقاوم صدودهم ، فذكرهم بأنه واحد منهم اصطفاه الله بالرسالة ، واختاره من بين قومه ، فأنزل عليه الوحي .

والمعنى : يا أهلي ويا عشيرتي ، أخبروني : ماذا ترون ، وماذا تقولون إذا كنت على بصيرة ، وهداية ، وحجة واضحة من ربي ؟ بها يتبين الحق من الباطل .

{ وآتاني رحمة من عنده } . وتفضل علي بالنبوة والرسالة بإحسانه وفضله ورحمته .

{ فعميت عليكم } . فحجبت عنكم أنوار الرسالة ، وخفيت عليكم هداية الوحي ، وعميت عيونكم عن رؤية نور النبوة ؛ لجهلكم وغروركم بالمال والجاه ، واستحباب العمى على الهدى .

{ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } . أي : أنكرهكم على قبول الرسالة والإيمان والهدى ، قسرا وإجبارا ؟ وأنتم معرضون عنها زاهدون فيها ؟

وهذه الآية دليل واضح على أنه لا إكراه في الدين ، وأن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل ، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } . ( البقرة : 256 ) .

ويقول سبحانه : { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } . ( يونس : 99 ) .

ويقول تعالى : { فذكر إنما مذكر * لست عليهم بمصيطر } . ( الغاشية : 21 ، 22 ) .

وتجد أن كلمة : { أنلزمكموها } قد دمجت فيها ضمائر بعض المخاطبين مع ضمير الغائب . وشد بعضها إلى بعض ، كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون ويشدون إليه وهم نافرون . وكذا تصور الكلمة جو الإكراه ؛ بإدماج كل هذه الضمائر في النطق ؛ فترسم صورة كاملة للتناسق الفني بين الألفاظ .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ} (28)

ولما كان ختام جوابهم أشده ، بدأ في جوابه برده مبيناً لضلالاتهم{[39147]} مغضياً عن شناعاتهم شفقة عليهم ومحبة لنجاتهم ، فقال تعالى حكاية عنه : { قال يا قوم } وشرع يكرر هذه اللفظة كل قليل تذكيراً لهم أنه منهم لتعطفهم الأرحام وتردهم القرابات عن حسد أو اتهامه إلى قبول ما يلقي إليهم من الكلام ، وأشار بأداة البعد - مع قربهم - إلى مباعدتهم فيما يقتضي غاية القرب { أرأيتم } أي أخبروني { إن كنت } على سبيل الفرض منكم والتقدير { على بينة } أي برهان ساطع ، وزاد ترغيباً فيه بقوله : { من ربي } أي الذي أوجدني وأحسن إليّ بالرسالة وغيرها يشهد بصحة دعواي{[39148]} شهادة{[39149]} لا يتطرق إليها عند المنصف شبهة فكيف بالظن ! { وآتاني } فضلاً منه عليّ لا لمعنى فيّ أزيد عليكم به ، بل { رحمة } أي إكراماً بالرسالة بعد النبوة ، وعظمها بقوله : { من عنده } فيها فضل عظيم النور واضح الظهور .

ولما كانت{[39150]} البينة من الرحمة ، وحد الضمير فقال : { فعميت } أي فتسبب عن تخصيصي بها أن أظلمت ، ووقع ظلامها { عليكم } أي فعميتم أنتم عنها لضعف عقولكم ولم يقع عليكم شيء من نورها ، وذلك أن الدليل إذا كان{[39151]} أعمى عاد ضرره على التابع بالحيرة والضلال ، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالبناء للمفعول مشددة { أنلزمكموها } وقوله : { وأنتم لها كارهون } مع تسميته لها بينة - إشارة إلى أنها لم تعم ولا خفيت عليهم لقوة نورها وشدة ظهورها ، وإنما هم معاندون في نفيهم لفضله وفضل من تبعه ، والتعبير عن ذلك بالجملة الاسمية واسم الفاعل إشارة إلى أن أفعالهم أفعال من كراهته لها ثابتة مستحكمة ، وكأنه لم يكن مأموراً بالقتال كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم في أول الأمر ، والآية ناظرة إلى قوله تعالى :{ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين }{[39152]}[ يونس : 99 ] ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنهم معاندون مع قطع النظر عن الجهاد وغيره فإن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بالمجادلة للمعاندين إلى أن يلزموهم الحجة ، وهي لا تفيد إلا الإلزام في الظاهر مع الإنكار والكراهة في الباطن ، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة للكاملين ، وبالموعظة والخطابة للمنافقين الذين لا يعاندون ويحسنون الظن في الداعي ، فيكون{[39153]} المعنى أن البينة لم تنفعكم{[39154]} لشكاسة واعوجاج في طباعكم ، فلم يبق إلا الموعظة وهي لا تفيد إلا{[39155]} مع حسن الظن ، وأما مع الكراهة فلا ينفعكم النصح ، فلا فائدة في المجادلة إلا الإلزام ، وهو مع الكراهة غير نافع لكم .


[39147]:في ظ: لضلالتهم.
[39148]:من ظ، وفي الأصل: دعوى.
[39149]:زيد من ظ.
[39150]:زيد بعده في ظ: الرحمة.
[39151]:سقط من ظ.
[39152]:سورة 10 آية 99.
[39153]:في ظ: فتكون.
[39154]:من ظ، وفي الأصل: لم ينفعكم.
[39155]:زيد من ظ.