روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ} (28)

{ قَالَ } استئناف بياني { ياقوم أَرَءيْتُمْ } أي أخبروني ، وفيه إيماء إلى ركاكة رأيهم المذكور { إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ } حجة ظاهرة { مّن رَّبّى } وشاهد يشهد لي بصحة دعواي { وَءاتَانِى رَحْمَةً مّنْ عِندِهِ } هي النبوة على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وجوز أن تكون هي البينة نفسها جيء بها إيذاناً بأنها مع كونها بينة من الله تعالى رحمة ونعمة عظيمة منه سبحانه ، ووجه إفراد الضمير في قوله تعالى : { فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } أي أخفيت على هذا ظاهر ، وإن أريد بها النبوة . وبالبينة البرهان الدال على صحتها فالافراد لإرادة كل واحدة منهما ، أو لكون الضمير للبينة والاكتفاء بذلك لاستلزام خفاء البينة خفاء المدعى ، وجملة { قَالَ ياقوم } على هذا معترضة أو لكونه للرحمة ، وفي الكلام مقدر أي أخفيت الرحمة بعد إخفاء البينة وما يدل عليها وحذف للاختصار . وقيل : إنه معتبر في المعنى دون تقدير ، أو لتقدير عميت غير المذكر بعد لفظ البينة وحذف اختصاراً ، وفيه تقدير جملة قبل الدليل .

وقرأ أكثر السبعة { فَعُمّيَتْ } بفتح العين وتخفيف الميم مبنياً للفاعل ، وهو من العمى ضد البصر ، والمراد به هنا الخفاء مجازاً يقال : حجة عمياء كما يقال : مبصرة للواضحة ، وفي الكلام استعارة تبعية من حيث أنه شبه خفاء الدليل بالعمى في أن كلا منهما يمنع الوصول إلى المقاصد ، ثم فعل ما لا يخفى عليك ، وجوز أن يكون هناك استعارة تمثيلية بأن شبه الذي لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه بمن سلك مفازة لا يعرف طرقها واتبع دليلاً أعمى فيها ، وقيل : الكلام على القلب ، والأصل فعميتم عنها كما تقول العرب : ادخلت القلنسوة في رأسي ، ومنه قول الشاعر

: ترى الثور فيها يدخل الظل رأسه *** وقوله سبحانه : { فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } [ إبراهيم : 47 ] وتعقبه أبو حيان بأن القلب عند أصحابنا مطلقاً لا يجوز إلا في الضرورة ، وقول الشاعر ليس منه بل من باب الاتساع في الظرف ، وكذا الآية ليست منه أيضاً لأن أخلف يتعدى إلى مفعولين ، والوصف منه كذلك ولك أن تضيفه إلى أيهما شئت على أنه لو كان ما ذكر من القلب لكان التعدي بعن دون على ، ألا ترى أنك تقول : عميت عن كذا ولا تقول : عميت على كذا .

وروي الأعمش عن وثاب وعميت بالواو الخفيفة ، وقرأ أبيّ . والسلمي . والحسن . وغيرهم فعماها عليكم على أن الفعل لله تعالى ، وقرىء بالتصريح به وظاهر ذلك مع أهل السنة القائلين بأن الحسن والقبيح منه تعالى ، ولذا أوله الزمخشري خفظاً لعقيدته { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أي أنكرهكم على الاهتداء بها وهو جواب أرأيتم وساد مسد جواب الشرط .

وفي البحر أنه في موضع المفعول الثاني له ومفعوله الأول البينة مقدراً وجواب الشرط محذوف دل عليه { أَرَءيْتُمْ } أي { إِن كُنتَ } الخ فأخبروني وحيث احتمع ضميران منصوبان وقد قدم أعرفهما وهو ضمير المخاطب الاعرف من ضمير الغائب جاز في الثاني الوصل والفصل فيجوز في غير القرآن أنلزمكم إياها وهو الذي ذهب إليه ابن مالك في التسهيل ووافقه عليه بعضهم ، وقال ابن أبي الربيع : يجب الوصل في مثل ذلك ويشهد له قول سيبويه في الكتاب : فإذا كان المفعولان اللذان تعدي إليهما فعل الفاعل مخاطباً وغائباً فبدأت بالمخاطب قبل الغائب فإن علامة الغائب العلامة التي لا يقع موقعها إياه وذلك نحو أعطيتكه وقد أعطاكه ، قال الله تعالى : { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } فهذا كهذا إذ بدأتبالمخاطب قبل الغائب انتهى ، ولو قدم الغائب وجب الانفصال على الصحيح فيقال : أنلزمها إياكم .

وأجاز بعضهم الاتصال ، واستشهد بقول عثمان رضي الله تعالى عنه : أراهمني ، ولم يقل : أراهم إياي ، وتمام الكلام على ذلك في محله ، وجيء بالواو تتمة لميم الجمع . وحكى عن أبي عمرو إسكان الميم الأولى تخفيفاً ، ويجوز مثل ذلك عند الفراء ، وقال الزجاج : أجمع النحويون البصريون على أنه لا يجوز إسكان حركة الإعراب إلا في ضرورة الشعر كقوله

: فاليوم أشرب غير مستحقب *** إثما من الله ولا واغل

وقوله

: وناع يخبرنا بمهلك سيد *** تقطع من وجد عليه الأنامل

وأما ما روي عن أبي عمرو من الإسكان فلم يضبطه عنه الراوي ، وقد روي عنه سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها وهذا هو الحق ، وذكر نحو ذلك الزمخشري ، وقال : إن الإسكان الصريح لحن عند الخليل . وسيبويه . وحذاق البصريين ، وفي قرأة أبيّ { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } من شطر أنفسنا ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ من شطر قلوبنا أي من تلقائها وجهتها ، وفي البحر أن ذلك على جهة التفسير لا على أنه قرآن لمخالفته سواد المصحف { وَأَنتُمْ لَهَا كارهون } أي لا تختارونها ولا تتأملون فيها ، والجملة في موضع الحال قال السمين : إما من الفاعل . أو من أحد المفعولين ، واختير أنها في موضع الحال من ضمير المخاطبين ، وقدم الجار رعاية للفواصل ، ومحصول الجواب أخبروين إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة دعواي إلا أنها خافية عليكم غير مسلمة لديكم أيمكننا أن نكرهكم على قبولها وأنتم معرضون عنها غير متدبرين فيها أي لا يكون ذلك كذا قرره سيخ الإسلام ثم قال : وظاهره مشعر بصدوره عنه عليه السلام بطريق إظهار اليأس عن إلزامهم والقعود عن محاجتهم كقوله : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } [ هود : 34 ] الخ لكنه محمول على أن مراده عليه السلام ردهم عن الاعراض عنها وحثهم على التدبر فيها بصرف الإنكار المستفاد من الهمزة إلى الإلزام حال كراهتهم لا إلى الإلزام مطلقاً ، وقال مولانا سعدى جلبي : إن المراد من الإلزام هنا الجبر بالقتل ونحوه لا الإيجاب لأنه واقع فليفهم .

وجوز أن يراد بالبينة دليل العقل الذي هو ملاك الفضل وبحسبه يمتاز أفراد البشر بعضها عن بعض وبه تناط الكرامة عند الله عز وجل والاجتباء للرسالة وبالكون عليها التمسك به والثبات عليه وبخفائها على الكفرة على أن يكون الضمير للبينة عدم إدراكهم لكونهم عليه السلام عليها وبالرحمة النبوة التي أنكروا اختصاصه عليه السلام بها بين ظهرانيهم ويكون المعنى إنكم زعمتم أن عهد النبوة لا يناله إلا من له فضلة على سائر الناس مستتبعة لاختصاصه به دونهم أخبروني إن امتزت عليكم بزيادة مزية وحيازة فضيلة من ربي وآتاني بحسبها نبوة من عنده فخفيت عليكم تلك البنة ولم تصيبوها ولم تناولها ولم تعلموا حيازتي لها وكوني عليها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلكم وهي متحققة في نفسها أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها والحال أنكم كارهون لذلك ، ثم قيل : فيكون الاستفهام للحمل على الإقرار وهو الأنسب بمقام المحاجة ، وحينئذٍ يكون كلامه عليه السلام جواباً عن شبهتهم التي أدرجوها في خلال مقالهم من كونه عليه السلام بشراً قصارى أمره أن يكون مثلهم من غير فضل له عليهم وقطعاً لشأفة آرائهم الركيكة انتهى ، وفيه أن كون معنى أنلزمكموها أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها غير ظاهر على أن في أمر التبعية نظراً كما لا يخفى ، ولعل الإتيان بما أتى به من الشرط من باب المجاراة وإسناد الإلزام لضمير الجماعة إما للتعظيم أو لاعتبار متبعيه عليه السلام معه في ذلك .

( ومن باب الإشارة ) : { قَالَ يَا قَوْمٌ * أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } يجب عليكم الإذعان بها { قَالَ ياقوم } هداية خاصة كشفية متعالية عن درجة البرهان { مّنْ عِندِهِ } فوق طور عقولكم من العلوم اللدنية ومقام النبوة { فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن وبالخليقة عن الحقيقة { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } ونجبركم عليها { وَأَنتُمْ لَهَا كارهون } [ هود : 28 ] لا تلتفتون إليها كأنه عليه السلام أراد أنه لا يكون إلزام ذلك مع الكراهة لكن إن شئتم تلقيه فزكوا أنفسكم واتركوا إنكاركم حتى يظهر عليكم أثر نور الإرادة فتقبلوا ذلك ، وفيه إشارة إلى أن المنكر لا يمكن له الاستفاضة من أهل الله تعالى ولا يكاد ينتفع بهم ما دام منكراً ومن لم يعتقد لم ينتفع