ويخلص لنا منها مدى عمق عنصر الجهاد وأصالته في العقيدة الإسلامية ، وفي النظام الإسلامي ، وفي المقتضيات الواقعية لهذا المنهج الرباني . . وقد عدته الشيعة ركنا من أركان الإسلام - ولهم من قوة النصوص ومن قوة الواقع ما يفسر اتجاههم هذا . لولا ما ورد في حديث : " بني الإسلام على خمس . . . " ولكن قوة التكليف بالجهاد ؛ وأصالة هذا العنصر في خطر الحياة الإسلامية ؛ وبروز ضرورته في كل وقت وفي كل أرض - الضرورة التي تستند إلى مقتضيات فطرية لا ملابسات زمنية - كلها تؤيد هذا الشعور العميق بجدية هذا العنصر وأصالته .
ويخلص لنا كذلك أن النفس البشرية هي النفس البشرية ؛ وأنها قد تحجم أمام الصعاب ، أو تخاف أمام المخاطر ، وتكسل أمام العقبات ، في خير الأزمنة وخير المجتمعات . وأن منهج العلاج في هذه الحالة ، ليس هو اليأس من هذه النفوس . ولكن استجاشتها ، وتشجيعها ، وتحذيرها ، وطمأنتها في آن واحد . وفق هذا المنهج القرآني الرباني الحكيم .
وأخيرا يخلص لنا كيف كان هذا القرآن يواجه واقع الحياة ؛ ويقود المجتمع المسلم ؛ ويخوض المعركة - في كل ميادينها - وأول هذه الميادين هو ميدان النفس البشرية ؛ وطبائعها الفطرية ، ورواسبها كذلك من الجاهلية . وكيف ينبغي أن نقرأ القرآن ، ونتعامل معه ونحن نواجه واقع الحياة والنفس بالدعوة إلى الله .
بعد ذلك يستطرد الى رخصة ، يبيحها الله للمهاجرين ، أو الضاربين في الأرض للجهاد أو للتجارة . في حالة خوفهم أن يأخذهم الذين كفروا أسارى . فيفتنوهم عن دينهم . وهي رخصة القصر من الصلاة - وهو غير القصر المرخص به للمسافر إطلاقا سواء خاف فتنة الذين كفروا أو لم يخف - فهذا قصر خاص .
( وإذا ضربتم في الأرض ، فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة - إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا - إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينًا ) . .
إن الضارب في الأرض في حاجة ماسة إلى الصلة الدائمة بربه ، تعينه على ما هو فيه ، وتكمل عدته وسلاحه فيما هو مقدم عليه ، وما هو مرصود له في الطريق . . والصلاة أقرب الصلات إلى الله . وهي العدة التي يدعى المسلمون للاستعانة بها في الشدائد والملمات . فكلما كان هناك خوف أو مشقة قال لهم : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) . .
ومن ثم يجيء ذكرها هنا في إبانها المناسب ، وفي وقت الحاجة إليها والاضطرار . فما أحوج الخائف في الطريق إلى أن يطمئن قلبه بذكر الله . وما أحوج المهاجر من أرضه إلى أن يلتجى ء إلى حمى الله . . غير أن الصلاة الكاملة - وما فيها من قيام وركوع وسجود - قد تعوق الضارب في الأرض عن الإفلات من كمين قريب . أو قد تلفت إليه أنظار عدوه فيعرفوه . أو قد تمكن لهم منه وهو راكع أو ساجد فيأخذوه . . ومن ثم هذه الرخصة للضارب في الأرض أن يقصر في الصلاة عند مخافة الفتنة .
والمعنى الذي نختاره في القصر هنا هو المعنى الذي اختاره الإمام الجصاص . وهو أنه ليس القصر في عدد الركعات بجعلها اثنتين في الصلاة الرباعية . فهذا مرخص به للمسافر إطلاقا ، بلا تخصيص حالة الخوف من الفتنة . بل هذا هو المختار في الصلاة للمسافر - كفعل رسول الله [ ص ] في كل سفر - بحيث لا يجوز إكمال الصلاة في السفر في أرجح الأقوال .
وإذن فهذه الرخصة الجديدة - في حالة خوف الفتنة - تعني معنى جديدا غير مجرد القصر المرخص به لكل مسافر . إنما هو قصر في صفة الصلاة ذاتها . كالقيام بلا حركة ولا ركوع ولا سجود ولا قعود للتشهد . حيث يصلي الضارب في الأرض قائما وسائرا وراكبا ، ويومى ء للركوع والسجود .
وكذلك لا يترك صلته بالله في حالة الخوف من الفتنه ، ولا يدع سلاحه الأول في المعركة ، ويأخذ حذره من عدوه :
أن تقصروا من الصلاة : أن تخففوها من رباعية إلى ثنائية .
يفتنكم : يتعرض لكم بما تكرهون من الإغارة عليكم أثناء الصلاة .
101- وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ . . . الآية
بعد أن رغبت الآية السابقة في الهجرة- وهي مبينة على السفر والخوف من العدو- جاءت هذه الآية تبين كيفية الصلاة في السفر ، وفي حال الخوف من العدو : من جواز قصرها ، وتفضيلا من الله على عباده .
والكلام عن الصلاة في هذا الموطن ؛ للدلالة على أنها وسائل الأمن عند الخوف ، وعلى عظم شأنها ، وبيان أنها لا تسقط بحال من الأحوال .
والمعنى : إذا سافرتم في الأرض- أيها المسلمون : -
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ : جرج وإثم .
أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ : فتصلوا الرباعية-وهي الظهر والعصر والعشاء- ركعتين . . أما الصبح فلا تقبل القصر ؛ لأنها قصيرة بطبيعتها ، وكذلك المغرب لا تقبل القصر ؛ لأنها وتر النهار .
وظاهر الآية : إباحة القصر لمطلق السفر ، طال أم قصر . . ولكن الفقهاء اختلفوا في تحديد مسافة القصر ومدته ، كما اشترط بعضهم أن يكون سفرا مباحا . . . وتفصيل ذلك في موضعه من كتب الفقه .
إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ . اشترط الخوف في السفر في جواز القصر . ولكن السنة النبوية بينت أنه يجوز القصر في السفر مع الأمن ، كما يجوز فيه عند الخوف .
و في ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ جوابا لمن سأله عن القصر حالة الأمن : ''صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته'' {[82]} . وقد بين الله سبب الترخيص- في القصر في السفر- عند الخوف من العدو بقوله :
إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا : أي : كانوا لكم أعداء ظاهري العداوة ، مجاهرين بها . فتبينوا لعدواتهم واحذروها ، وكونوا متيقظين لهم في الصلاة وغيرها .
{ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } اختلف العلماء في تأوليها على خمسة أقوال :
أولها : أنها في قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر ، ولذلك لا يجوز إلا في حال الخوف على ظاهر الآية ، وهو قول عائشة وعثمان رضي الله عنهما .
الثاني : أن الآية تقتضي ذلك ولكن يؤخذ القصر في السفر دون الخوف من السنة ، ويؤيد هذا حديث ليعلي بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب إن الله يقول : { إن خفتم } وقد أمن الناس فقال : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في السفر وهو آمن .
الثالث : أن قوله :{ إن خفتم } راجع إلى قوله :{ وإذا كنت فيهم } الآية التي بعد ذلك والواو زائدة وهذا بعيد .
الرابع : أنها في صلاة الخوف على قول من يرى أن تصلي كل طائفة ركعة خاصة ، قال ابن عباس : فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة .
الخامس أنها في صلاة المسايفة ، فالقصر على هذا هو من هيئة الصلاة كقوله : { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا }[ البقرة :239 ] وإذا قلنا إنها في القصر في السفر ، فظاهرها أن القصر رخصة ، والإتمام أفضل وهو مذهب الشافعي ، وقال مالك : القصر أفضل ، وقيل : إنهما سواء ، وأوجب أبو حنيفة القصر ، وليس في لفظ الآية ما يدل على مقدار المسافة التي تقصر فيها الصلاة ؛ لأن قوله : { إذا ضربتم في الأرض } معناه : السفر مطلقا ، ولذلك أجازت الظاهرية القصر في كل سفر طويل أو قصير ، ومذهب مالك والشافعي أن مسافة القصر ثمانية وأربعون ميلا ؛ واحتجوا بآثار عن عمر وابن عباس ، وكذلك ليس في الآية ما يدل على تخصيص القصر بسفر القربة أو السفر المباح دون سفر المعصية ، فإن لفظها مطلق في السفر ولذلك أجاز أبو حنيفة القصر في سفر القربة وفي المباح وفي سفر المعصية ومنعه مالك في سفر المعصية ، ومنعه ابن حنبل في المعصية ، وفي المباح . وللقصر أحكام لا تتعلق بالآية فاضربنا عن ذكرها ، والمراد بالفتنة في هذه الآية القتال أو التعرض بما يكره .