ولو أراد الله سبحانه - أن يتخذ لهوا لاتخذه من لدنه . لهوا ذاتيا لا يتعلق بشيء من مخلوقاته الحادثة الفانية .
وهو مجرد فرض جدلي : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ) . . ولو - كما يقول النحاة - حرف امتناع لامتناع . تفيد امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط . فالله سبحانه لم يرد أن يتخذ لهوا فلم يكن هناك لهو . لا من لدنه ولا من شيء خارج عنه .
ولن يكون لأن الله - سبحانه - لم يرده ابتداء ولم يوجه إليه إرادته أصلا : إن كنا فاعلين . . وإن حرف نفي بمعنى ما ، والصيغة لنفي إرادة الفعل ابتداء .
إنما هو فرض جدلي لتقرير حقيقة مجردة . . هي أن كل ما يتعلق بذات الله - سبحانه - قديم لا حادث ، وباق غير فان . فلو أراد - سبحانه - أن يتخذ لهوا لما كان هذا اللهو حادثا ، ولا كان متعلقا بحادث كالسماء والأرض وما بينهما فكلها حوادث . . إنما كان يكون ذاتيا من لدنه سبحانه . فيكون أزليا باقيا ، لأنه يتعلق بالذات الأزلية الباقية .
17 - لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ .
اللهو : الفعل يعمل ترويحا عن النفس ، ومن ثم تسمى المرأة والولد : لهوا ؛ لأنه يتروح بكل منهما ، ويقال لامرأة الرجل وولده : ريحانتاه .
أي : لو أردنا – على سبيل الفرض والتقدير – أن نتخذ ما نتلهى به ؛ لاتخذناه من عندنا ومن جهتنا ، دون أن يمنعنا أحد مما نريده ، ولكنا لم نرد ذلك ؛ لأنه مستحيل علينا استحالة ذاتية ، فيستحيل علينا أن نريده ، فالآية الكريمة من باب تعليق المحال على المحال ؛ لأن كلا الأمرين يتنافى مع حكمة الله ومع ذاته الجليلة .
إن هنا بمعنى ( ما ) أي : ما كنا فاعلين ، والفقرة هذه تذييل لتأكيد امتناع إرادة اللهو عليه سبحانه ؛ لأن اتخاذ اللهو يستحيل عليه .
ونقل ابن كثير في معنى الآية ما يأتي :
قال الحسن وقتادة وغيرهما : لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا . اللهو : المرأة بلسان أهل اليمن .
وقال إبراهيم النخعي : لاتخذناه من الحور العين .
وقال عكرمة والسدي : المراد باللهو هنا : الولد وهذا والذي قبله متلازمان ، وهو كقوله تعالى : لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار . ( الزمر : 4 ) . فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقا ، ولا سيما عما يقولون من الإفك والباطل ، من اتخاذ عيسى أو العزير1 أو الملائكة ؛ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . ( الإسراء : 43 ) .
لو أراد الله أن يتخذ لهوا كما يتخذ العباد ؛ لاتخذه من العوالم المجردة كالملائكة ، لكنه سبحانه منزه عن اللهو ، فقد خلق الكون لحكمة عليا ، وخلق الإنسان وزوده بالسمع والبصر ، وأرسل له الرسل وأخبره بالحساب والجزاء ، فالجد ظاهر في خلق الكون ، واللهو واللعب من شأن العبيد المخلوقين ، لا من شأن رب العالمين .
وقريب من ذلك قوله تعالى : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ . ( الزخرف : 81 ، 82 ) .
{ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ْ } على الفرض والتقدير المحال { لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ْ } أي : من عندنا { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ْ } ولم نطلعكم على ما فيه عبث ولهو ، لأن ذلك نقص ومثل سوء ، لا نحب أن نريه إياكم ، فالسماوات والأرض اللذان بمرأى منكم على الدوام ، لا يمكن أن يكون القصد منهما العبث واللهو ، كل هذا تنزل مع العقول الصغيرة وإقناعها بجميع الوجوه المقنعة ، فسبحان الحليم الرحيم ، الحكيم في تنزيله الأشياء منازلها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.