سورة الأنبياء مكية وآياتها اثنتا عشرة ومائة
هذه السورة ، مكية تعالج الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السور المكية . . موضوع العقيدة . . تعالجه في ميادينه الكبيرة : ميادين التوحيد ، والرسالة والبعث .
وسياق السورة يعالج ذلك الموضوع بعرض النواميس الكونية الكبرى وربط العقيدة بها . فالعقيدة جزء من بناء هذا الكون ، يسير على نواميسه الكبرى ؛ وهي تقوم على الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض ، وعلى الجد الذي تدبر به السموات والأرض ، وليست لعبا ولا باطلا ، كما أن هذا الكون لم يخلق لعبا ، ولم يشب خلقه باطل : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) . .
ومن ثم يجول بالناس . . بقلوبهم وأبصارهم وأفكارهم . . بين مجالي الكون الكبرى : السماء والأرض . الرواسي والفجاج . الليل والنهار . الشمس والقمر . . . موجها أنظارهم إلى وحدة النواميس التي تحكمها وتصرفها ، وإلى دلالة هذه الوحدة على وحدة الخالق المدبر ، والمالك الذي لا شريك له في الملك ، كما أنه لا شريك له في الخلق . . ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) . .
ثم يوجه مداركهم إلى وحدة النواميس التي تحكم الحياة في هذه الأرض ، وإلى وحدة مصدر الحياة : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي )وإلى وحدة النهاية التي ينتهي إليها الأحياء : ( كل نفس ذائقة الموت ) . . وإلى وحدة المصير الذي إليه ينتهون : ( وإلينا ترجعون ) . .
والعقيدة وثيقة الارتباط بتلك النواميس الكونية الكبرى . فهي واحدة كذلك وإن تعدد الرسل على مدار الزمان : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) . . وقد اقتضت مشيئة الله أن يكون الرسل كلهم من البشر : ( وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) . .
وكما أن العقيدة وثيقة الارتباط بنواميس الكون الكبرى ، فكذلك ملابسات هذه العقيدة في الأرض . فالسنة التي لا تتخلف أن يغلب الحق في النهاية وأن يزهق الباطل ، لأن الحق قاعدة كونية وغلبته سنة إلهية : ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) . . وأن يحل الهلاك بالظالمين المكذبين ، وينجي الله الرسل والمؤمنين : ( ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين ) . . وأن يرث الأرض عباد الله الصالحون : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) . .
ومن ثم يستعرض السياق أمة الرسل الواحدة في سلسلة طويلة استعراضا سريعا . يطول بعض الشيء عند عرض حلقة من قصة إبراهيم - عليه السلام - وعند الإشارة إلى داود وسليمان . ويقصر عند الإشارة إلى قصص نوح ، وموسى ، وهارون ، ولوط ، وإسماعيل ، وإدريس ، وذي الكفل ، وذي النون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى عليهم السلام .
وفي هذا الاستعراض تتجلى المعاني التي سبقت في سياق السورة . تتجلى . في صورة وقائع في حياة الرسل والدعوات ، بعدما تجلت في صورة قواعد عامة ونواميس .
كذلك يتضمن سياق السورة بعض مشاهد القيامة ؛ وتتمثل فيها تلك المعاني نفسها في صورة واقع يوم القيامة .
وهكذا تتجمع الإيقاعات المنوعة في السورة على هدف واحد ، هو استجاشة القلب البشري لإدراك الحق الأصيل في العقيدة التي جاء بها خاتم الرسل [ ص ] فلا يتلقاها الناس غافلين معرضين لاهين كما يصفهم في مطلع السورة : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون . ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون . لاهية قلوبهم . . . ) .
إن هذه الرسالة حق وجد . كما أن هذا الكون حق وجد . فلا مجال للهو في استقبال الرسالة ؛ ولا مجال لطلب الآيات الخارقة ؛ وآيات الله في الكون وسنن الكون كله . توحي بأنه الخالق القادر الواحد ، والرسالة من لدن ذلك الخالق القادر الواحد .
نظم هذه السورة من ناحية بنائه اللفظي وإيقاعه الموسيقي هو نظم التقرير ، الذي يتناسق مع موضوعها ، ومع جو السياق في عرض هذا الموضوع . . يبدو هذا واضحا بموازنته بنظم سورتي مريم وطه مثلا . فهناك الإيقاع الرخي الذي يناسب جوهما . وهنا الإيقاع المستقر الذي يناسب موضوع السورة وجوها . .
ويزيد هذا وضوحا بموازنة نظم قصة إبراهيم - عليه السلام - في مريم ونظمها هنا . وكذلك بالتأمل في الحلقة التي أخذت منها هنا الحلقة التي أخذت منها هناك . ففي سورة مريم أخذت حلقة الحوار الرخي بين إبراهيم وأبيه . أما هنا فجاءت حلقة تحطيم الأصنام ، وإلقاء إبراهيم في النار . ليتم التناسق في الموضوع والجو والنظم والإيقاع .
والسياق في هذه السورة يمضي في أشواط أربعة :
الأول : ويبدأ بمطلع قوي الضربات ، يهز القلوب هزا ، وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق ، وهي عنه غافلة لاهية : اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون . . . الخ .
ثم يهزها هزة أخرى بمشهد من مصارع الغابرين ، الذين كانوا عن آيات ربهم غافلين ، فعاشوا سادرين في الغي ظالمين : ( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين . فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون . لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون . قالوا : يا ويلنا ! إنا كنا ظالمين . فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين ) . .
ثم يربط بين الحق والجد في الدعوة ، والحق والجد في نظام الكون . وبين عقيدة التوحيد ونواميس الوجود . وبين وحدة الخالق المدبر ووحدة الرسالة والعقيدة . ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها على النحو الذي أسلفناه .
فأما الشوط الثاني فيرجع بالحديث إلى الكفار الذين يواجهون الرسول [ ص ] بالسخرية والاستهزاء ، بينما الأمر جد وحق ، وكل ما حولهم يوحي باليقظة والاهتمام . وهم يستعجلون العذاب والعذاب منهم قريب . . وهنا يعرض مشهدا من مشاهد القيامة . ويلفتهم إلى ما أصاب المستهزئين بالرسل قبلهم . ويقرر أن ليس لهم من الله من عاصم . ويوجه قلوبهم إلى تأمل يد القدرة وهي تنقص الأرض من أطرافها ، وتزوي رقعتها وتطويها ، فلعل هذا أن يوقظهم من غفلتهم التي جاءتهم من طول النعمة وامتداد الرخاء . .
وينتهي هذا الشوط بتوجيه الرسول [ ص ] إلى بيان وظيفته : ( قل : إنما أنذركم بالوحي ) وإلى الخطر الذي يتهددهم في غفلتهم : ( ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون )حتى تنصب الموازين القسط وهم في غفلتهم سادرون .
ويتضمن الشوط الثالث استعراض أمة النبيين ، وفيها تتجلى وحدة الرسالة والعقيدة . كما تتجلى رحمة الله بعباده الصالحين وإيحاؤه لهم وأخذ المكذبين .
أما الشوط الرابع والأخير فيعرض النهاية والمصير ، في مشهد من مشاهد القيامة المثيرة : ويتضمن ختام السورة بمثل ما بدأت : إيقاعا قويا ، وإنذارا صريحا ، وتخلية بينهم وبين مصيرهم المحتوم . .
والآن نأخذ في دراسة الشوط الأول بالتفصيل . .
( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون . ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون . لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا . هل هذا إلا بشر مثلكم . أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ? قال : ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم . بل قالوا : أضغاث أحلام ، بل افتراه ، بل هو شاعر ، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون . ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها . . أفهم يؤمنون ? وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ، وما كانوا خالدين . ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين ) . .
مطلع قوي يهز الغافلين هزا . والحساب يقترب وهم في غفلة . والآيات تعرض وهم معرضون عن الهدى . والموقف جد وهم لا يشعرون بالموقف وخطورته .
سورة الأنبياء سورة مكية بالاتفاق وآياتها ( 112 ) آية وقد نزلت قبيل الهجرة إلى المدينة أي : حوالي السنة الثانية عشرة من البعثة وسميت بسورة الأنبياء ؛ لأنه اجتمع فيها على قصرها كثير من قصص الأنبياء ؛ فسميت السورة باسمهم .
هي سورة مكية نزلت في آخر العهد المكي أي : في ذروة تجبر أهل مكة وعنتهم وانصرافهم عن الإسلام فنزلت تنذر هؤلاء الكفار باقتراب العذاب ففي بدايتها : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَُّعْرِضُونَ . ( الأنبياء : 1 ) .
ثم ساقت السورة الأدلة على الألوهية والتوحيد والرسالة والبعث . وهي الموضوعات التي عنيت بها السور المكية ؛ من أجل تقرير العقيدة والدفاع عنها .
ونلحظ هنا أن السورة قد عالجت هذه الموضوعات بعرض النواميس الكونية الكبرى ، وربط العقيدة بها .
فالعقيدة في سورة الأنبياء جزء من بناء هذا الكون يسير على نواميسها الكبرى .
وهذه العقيدة تقوم على الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض ، وليست لعبا ولا باطلا ، كما أن هذا الكون لم يخلق عبثا ، ولن يترك سدى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ . ( الأنبياء : 16 ) .
ويلفت السياق أنظار الناس إلى مظاهر الكون الكبرى في السماء والأرض ، والرواسي والفجاج ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، موجها الأنظار إلى وحدة النواميس التي تحكمها وتصرفها ، وإلى دلالة هذه الوحدة على وحدة الخالق المدبر والمالك الذي لا شريك له في الملك ، كما أنه لا شريك له في الخلق . لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا . . . ( الأنبياء : 22 ) .
ثم تتحدث السورة عن وحدة النواميس التي تحكم الحياة في هذه الأرض ، وعن وحدة مصدر الحياة :
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . . . ( الأنبياء : 30 ) .
وعن وحدة النهاية التي ينتهي إليها الأحياء : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ . . . ( الأنبياء : 35 ) .
والعقيدة وثيقة الارتباط بتلك النواميس الكونية ، فهي واحدة كذلك وإن تعدد الرسل على مدار الزمان . وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ . ( الأنبياء : 25 ) .
وكما أن العقيدة وثيقة الارتباط بنواميس الكون الكبرى ، فذلك ملابسات هذه العقيدة في الأرض .
فالسنة التي لا تتخلف أن يغلب الحق في النهاية وأن يزهق الباطل ؛ لأن الحق قاعدة كونية وغلبته سنة إلهية . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق . . . ( الأنبياء : 18 ) .
وأن يحل الهلاك بالظالمين المكذبين وينجي الله الرسل والمؤمنين : ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ . ( الأنبياء : 9 ) .
وأن يرث الأرض عباد الله الصالحون : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . ( الأنبياء : 105 ) .
ومن ثم يستعرض السياق أمة الرسل الواحدة في سلسلة طويلة استعراضا سريعا ، يطول بعض الشيء عند عرض حلقة من قصة إبراهيم عليه السلام وعند الإشارة إلى داود وسليمان عليهما السلام .
ويقصر عند الإشارة إلى قصص : نوح ، وموسى ، وهارون ، ولوط ، وإسماعيل ، وإدريس ، وذى الكفل ، وذى النون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى عليهم السلام .
وفي هذا الاستعراض تتجلى المعاني التي سبقت في سياق السورة – تتجلى في صورة وقائع في حياة الرسل والدعوات ، بعد ما تجلت في صورة قواعد عامة ونواميس .
كذلك يتضمن سياق السورة بعض مشاهد القيامة ، وتتمثل فيها تلك المعاني نفسها في صورة واقع يوم القيامة .
وهكذا تتجمع الأساليب المنوعة في السورة على هدف واحد هو استجاشة القلب البشري لإدراك الحق الأصيل في العقيدة التي جاء بها خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتلقاها الناس غافلين معرضين لاهين . كما تصفهم السورة في مطلعها .
إن هذه الرسالة حق كما أن هذا الكون حق وجد . فلا مجال للهو في استقبال الرسالة ، ولا مجال لطلب الآيات الخارقة ، وإن آيات الله في الكون وسنن الكون كله توحي بأنه الخالق القادر الواحد ، والرسالة من لدن ذلك الخالق القادر الواحد .
النظم في سورة الأنبياء يختلف عن النظم في سورة مريم وسورة طه . هناك كان النظم سهلا والختام رخيا يختم في الغالب بالألف اللينة .
أما في سورة الأنبياء فالنظم هنا نظم التقرير الذي يتناسق مع موضوعها ، ومع جو السياق في عرض هذا الموضوع ، ولذلك ختمت آياتها بالميم أو بالنون .
وإذا نظرنا إلى الجانب الذي عرض من قصة إبراهيم في سورة مريم ، وجدنا أن الحلقة التي عرضت هناك حلقة الحوار الرخي بين إبراهيم وأبيه . وقد ختمت آيات الحوار هناك بالألف اللينة مثل : نبيا ، صفيا ، عليا .
وأما هنا فجاءت حلقة تحطيم الأصنام ، وإلقاء إبراهيم في النار ، وليتم التناسق في الموضوع والجو والنظم والإيقاع فقد ختمت قصة إبراهيم هنا بالنون أو الميم التي تفيد : التقرير والتأكيد ، أو ما يشبه أحكام القضاء بعد تفكر وتأمل وترتيب .
يمكن أن تقسم سورة الأنبياء إلى أربعة أقسام ، يمضي السياق خلالها من قسم إلى آخر ، ويمهد كل شوط للذي يليه .
يبدأ الشوط الأول : بمطلع قوى الضربات ، يهز القلوب هزا وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق ، وهي عنه غافلة لاهية : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَُّعْرِضُونَ . ( الأنبياء : 1 ) .
ثم يهزها هزة أخرى بمشهد من مصارع الغابرين الذين كانوا عن آيات ربهم غافلين : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ . ( الأنبياء : 11 ) .
ثم يربط بين الحق والجد في الدعوة والحق والجد في نظام الكون ، وبين عقيدة التوحيد ونواميس الوجود ، وبين وحدة الخالق المدبر ووحدة الرسالة والعقيدة ، ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها على النحو الذي أسلفناه ، ويستغرق هذا الشوط من أول السورة إلى الآية : 35 .
أما الشوط الثاني : فيرجع بالحديث إلى الكفار الذين يواجهون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالسخرية والاستهزاء ، بينما الأمر جد وحق ، وكل ما حولهم يوحي باليقظة والاهتمام . وهم يستعجلون العذاب ، والعذاب منهم قريب . . وهنا يعرض مشهدا من مشاهد القيامة ، ويلفتهم إلى ما أصاب المستهزئين بالرسل قبلهم ، ويقرر :
أن ليس لهم من الله من عاصم ويوجه قلوبهم إلى تأمل يد القدرة وهي تنقص الأرض من أطرافها ، وتزوى رقعتها وتطويها فلعل هذا أن يوقظهم من غفلتهم التي جاءتهم من طول النعمة وامتداد الرخاء .
وينتهي هذا الشوط بتوجيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيان : وظيفته : قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ . وإلى الخطر الذي يتهددهم في غفلتهم : وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ . ( الأنبياء : 45 ) . حتى تنصب الموازين القسط وهم في غفلتهم سادرون . ويستغرق هذا الشوط من الآية : 36 إلى الآية : 47 .
ويتضمن الشوط الثالث : استعراض أمة النبيين وجهاد الرسل وبلائهم في سبيل الحق ويبدأ الشوط بموسى وهارون وقد أنعم الله عليهما بالفرقان وهو التوراة ؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل ، ثم ذكر : إبراهيم وقد أعطاه الله الرشد والهداية فأنكر على قومه عبادة الأصنام ثم حطمها ، فألقي في النار فجعلها الله بردا وسلاما عليه . ثم نجاة لوط من قومه المعتدين ، ونجاة نوح وأتباعه من الطوفان ، ثم ذكر : حكم داود وفهم سليمان ، وتسخير الشياطين والجن ؛ لتعمل بين يديه بإذن ربه ، ثم تضرع أيوب ، ودعاء يونس ، وسؤال زكريا ، وصلاح مريم ، ويعقب الشوط بأن هناك وحدة بين هذه الرسالات في العقيدة والإيمان والهدف والقيم والسلوك : إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ . ( الأنباء : 92 ) .
وتتجلى في رسالة الأنبياء عناية الله بهم ، ورعايته لأهل رسالته وتوليهم بالعناية والرعاية وأخذ المكذبين والظالمين أخذ عزيز مقتدر ، ويستغرق هذا الشوط من الآية 48 إلى الآية 95 .
أما الشوط الرابع والأخير : فيعرض النهاية والمصير ، في مشهد من مشاهد القيامة المثيرة . حين يفتح سد يأجوج ومأجوج ويعرض ذل الكفار في عذاب جهنم ونعيم المؤمنين في الجنة ثم طي السماوات في ساعة القيامة ، ثم توجه السياق إلى الرسول بالخطاب فذكر : أن الله أرسله بالرحمة والإحسان لتبليغ رسالة الله إلى الناس . ثم ختمت السورة بمثل ما بدأت : إيقاعا قويا ، وإنذارا صريحا ، وتخلية بينهم وبين مصيرهم المحتوم ويستغرق هذا الشوط من الآية 96 إلى 112 .
وفي آخر آية للسورة رنين يتحدى الكفار ويتوعدهم بحكم الله العادل : قَلَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ . ( الأنبياء : 112 ) .
{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ( 1 ) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لَاهِيَةًً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ( 3 ) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 4 ) بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ( 5 ) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ( 6 ) } .
1- اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ .
اقترب : اقترب وقرب بمعنى واحد ، والمراد من اقتراب الحساب : اقتراب زمانه ، وهو مجيء الساعة .
مطلع قوى يهز القلوب هزا ، ويثير الفزع عند كل غافل أو مستهتر ، أو معرض عن البعث والحساب والجزاء ، فالدنيا قصيرة الأمد ، واليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل ، والموت يأتي بغتة ، فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَآخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ . ( النحل : 61 ) .
دنا وقت الحساب والجزاء ، والناس غافلون عن حسابهم ، ساهون لا يفكرون في عاقبتهم ، مع أن قضية العقل تقضي بجزاء المحسن والمسيء ، ومن شأن كفار مكة أنهم إذا تلى عليهم الوحي ، ونبهوا من غفلتهم ، بما يتلى عليهم من الآيات والنذر ، أعرضوا ، وسدوا آذانهم عن سماع الوحي ، وعن التنبيه لأمور الآخرة .
{ 1 - 4 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }
هذا تعجب من حالة الناس ، وأنه لا ينجع فيهم تذكير ، ولا يرعون إلى نذير ، وأنهم قد قرب حسابهم ، ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة ، والحال أنهم في غفلة معرضون ، أي : غفلة عما خلقوا له ، وإعراض عما زجروا به . كأنهم للدنيا خلقوا ، وللتمتع بها ولدوا ، وأن الله تعالى لا يزال يجدد لهم التذكير والوعظ ، ولا يزالون في غفلتهم وإعراضهم ، ولهذا قال : { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } .