وهنا كذلك يقع ما لا يمكن وقوعه إلا في مثل هذه الأوساط . ويكشف السياق عن مشهد من صنع تلك المرأة الجريئة ، التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكر كمكرهن وكيد من كيدهن :
( فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن ، وأعتدت لهن متكأ ، وآتت كل واحدة منهن سكينا ، وقالت : اخرج عليهن . فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ، وقلن : حاش لله ! ما هذا بشرا . إن هذا إلا ملك كريم . قالت : فذلكن الذي لمتنني فيه . ولقد راودته عن نفسه فاستعصم . ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ) . .
لقد أقامت لهن مأدبة في قصرها . وندرك من هذا أنهن كن من نساء الطبقة الراقية . فهن اللواتي يدعين إلى المآدب في القصور . وهن اللواتي يؤخذن بهذه الوسائل الناعمة المظهر . ويبدو أنهن كن يأكلن وهن متكئات على الوسائد والحشايا على عادة الشرق في ذلك الزمان . فأعدت لهن هذا المتكأ . وآتت كل واحدة منهن سكينا تستعملها في الطعام - ويؤخذ من هذا أن الحضارة المادية في مصر كانت قد بلغت شأوا بعيدا ، وأن الترف في القصور كان عظيما . فإن استعمال السكاكين في الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف والحضارة المادية . وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة ، فاجأتهن بيوسف :
وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة .
وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا عن الدهشة بصنع الله . .
( ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ) .
وهذه التعبيرات دليل - كما قلنا في تقديم السورة - على تسرب شيء من ديانات التوحيد في ذلك الزمان .
فلما سمعت بمكرهن : أي : باغتيابهن ، وإنما سماه : مكرا ؛ لأنهن أخفينه كما يخفي الماكر مكره .
وأعتدت لهن متكئا : أي : أعدت لهن ما يتكئن عليه من الوسائد ، يقال : أعتد الشيء ، أي : أعده ، وهو من العتاد ، أي : الأداة .
أكبرنه : عظمنه ، وهبن حسنه ، من أكبر الشيء أي : رآه كبيرا .
و قطعن أيديهن : أي : جرحن أيديهن من فرط الدهش .
حاش لله : تنزيها له عن صفات العجز والنقص ، والمراد : التعجب من حسن يوسف .
إن هذا إلا ملك : أي : ما هذا إلا ملك .
31 { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وأعدت لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا . . . } الآية .
تفيد هذه الآية : قدرة امرأة العزيز على مقابلة كيد النسوة ، وحديثهن عنها ، وتجريحهن لها ، وانتقاصهن لضلالها ، وفتنتها بغلام مملوك لها قابلت كل ذلك بمكر مثله ، وأبرع منه ؛ فقد عملت وليمة ودعت إليها نساء الطبقة الراقية ، قيل : إنها دعت أربعين امرأة . منهن خمس من المتكلمات عليها : ( امرأة الساقي ، وامرأة الخباز ، وامرأة الحاجب ، وامرأة صاحب الدواب ، و امرأة صاحب السجن ) ، وأعدت حشايا وأرائك مريحة يجلسن فيها ويسترخين ، وصنعت لهن طعاما فيه اللحوم والفاكهة ، وغير ذلك مما يحتاج إلى سكين ؛ للتقطيع أو التقشير ، ووزعت على كل امرأة سكينا لتقطيع الطعام .
{ وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } .
أمرت زليخا يوسف أن يخرج على النسوة وهو لا يدري بما دبرته و بيّتته ، فلما شاهدنه ؛ بهرهن جماله ، وحسنه الرائق الفائق ، وعظمنه وتهيبن حسنه الرائع ، وجرحن أيديهن بما معهن من السكاكين ؛ لفرط دهشتهن ، وخروج الأمر عن إرادتهن ، حتى لم يشعرن بما فعلن .
{ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } .
أي : قالت النسوة ؛ تنزيها لله تعالى عن العجز عن خلق هذا الجمال المثالي : { حاش لله } . أي : تنزه الله عن صفات العجز ، وتعالت عظمته في قدرته على خلق مثله . والمقصود : التعجب والتعبير عن الدهشة ، والإعجاب بهذا الجمال الباهر ، وبصنع الله القادر .
{ ما هذا بشرا } . أي : ما هذا الذي نراه بشرا ؛ فما مثله في الناس أحدا .
{ إن هذا إلا ملك كريم } . أي : ما هذا إلا ملك من الملائكة ؛ فإن هذا الجمال الباهر ، والحسن الرائع ، مما لا يكاد يوجد بين البشر ، يردن وصفه بأقصى مراتب الحسن ، والجمال والكمال .
وهكذا جرت العادة في تشبيه كل متناه في الحسن بالملك ، كما جرت في تشبيه كل متناه في القبح بالشيطان .
وهنا تحكى السورة الكريمة كيف قابلت تلك المرأة الداهية الجريئة ، مكر بنات جنسها وطبقتها بمكر أشد من مكرهن بها فقال - تعالى - :
{ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } أى : فاغتيابهن لها . وسوء مقالتهن فيها ، وسمى ذلك مكرا لشبهه به في الإِخفاء والخداع .
أو قصدن بما قلنه - كما سبق أن أشرنا - إثارتها ، لكى تطلعهن على فتاها الذي راودته عن نفسه ، ليعرفن السر في هذه المراودة ، وعلى هذا يكون المكر على حقيقته . ومثل هذا المكر ليس غريبا على النساء في مثل هذه الأحوال .
وقوله : { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ . . } الخ بيان لما فعلته معهن .
أى : أرسلت إلى النسوة اللائى وصفنها بأنها في ضلال مبين ، ودعتهن إلى الحضور إليها في دراها لتناول الطعام .
{ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً } أى : وهيأت لهن في مجلس طعامها ، ما يتكئن عليه من الوسائد والنمارق وما يشبه ذلك .
فالمتكأ : اسم مفعول من الإتكاء ، وهو الميل إلى أحد الجانبين في الجلوس كما جرت بذلك عادة المترفين عند تناول الطعام ، وعندما يريدون إطالة المكث مع انتصاب قليل في النصف الأعلى من الجسم والاستراحة بعد الأكل .
أخرج ابن شيبة عن جابر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله ، وأن يأكل متكئا .
{ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً } أى : وأعطت كل واحدة من هؤلاء النسوة سكينا ليقطعن به ما يأكلن من لحم وفاكهة .
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الحضارة المادية في مصر في ذلك الوقت كانت قد بلغت شأوا بعيدا ، وأن الترف في القصور كان عظيما ، فإن استعمال السكاكين في الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف والحضارة المادية .
وهنا نجد المرأة الجريئة الماكرة ، تقول ليوسف - عليه السلام - كما حكى القرآن عنها : { اخرج عَلَيْهِنَّ } أى ابرز لهن ، وادخل عليهن ، وهن على تلك الحالة من الأكل والاتكاء وتقطيع ما يحتاج إلى تقطيع الطعام . .
وهى ترمى من وراء خروجه عليهن إلى إطلاعهن عليه حتى يعذرنها في حبها له وقد كان لهذه المفاجأة من يوسف لهن وهن مشغولات بما يقطعنه ويأكلنه ، أثرها الشديد في نفوسهن ، وهذا ما حكاه القرآن الكريم في قوله : { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَراً إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } .
والجملة الكريمة معطوفة على كلام محذوف دل عليه السياق ، والتقدير : قالت امرأة العزيز ليوسف اخرج عليهن ، فخرج عليهن وهن على تلك الحالة فلما رأينه أكبرنه ، أى : أعظمنه ، ودهشن لهيئته ، وجمال طلعته وحسن شمائله .
{ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } أى : جرحن أيديهن وخدشنها بالسكاكين التي في أيديهن دون أن يشعرن بذلك ، لشدة دهشتهن المفاجئة بهيئة يوسف . .
{ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَراً } وحاش فعل ماض ، واللام في " لله " للتعليل ، والمراد بهذه الجملة الكريمة التعبير عن عجيب صنع الله في خلقه أى : وقلن عندما فوجئن بخروج يوسف عليهن : تنزه الله - تعالى - تنزيها كبيرا عن صفات العجز ، ونتعجب تعجبا شديدا من قدرته - سبحانه - على خلق هذا الجمال البديع ، وما هذا الذي نراه أمامنا بشرا كسائر البشر ، لتفرقه في الحسن عنهم ، وإنما هو ملك كريم من الملائكة المقربين تمثل في هذه الصورة البديعة التي تخلب الألباب .
ووصفوه بذلك بناء على ما ركز في الطباع من تشبيه ما هو مفرط في الجمال والعفة بالملك وتشبيه ما هو شديد القبح والسوء بالشيطان .