في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

136

وبعد موقف الإشهاد ورفض ما يقررونه من المحرمات ، يلقي إليهم بالمقررات الإلهية التي تتضمن ما حرمه الله حقاً . . وسنجد إلى جانب ما حرمه بعض التكاليف الإيجابية التي لها مقابل محرم . وهذه المحرمات تبدأ بالمحرم الأول . . وهو الشرك بالله . . لأن هذه هي القاعدة الأولى التي يجب أن تتقرر ، لتقوم عليها المحرمات والنواهي ، لمن استسلم لها وأسلم :

( قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم : ألا تشركوا به شيئاً . وبالوالدين إحسانا ، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ، نحن نرزقكم وإياهم . ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن . ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . . ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . . ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، حتى يبلغ أشده ، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا إلا وسعها - وإذا قلتم فاعدلوا - ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا . . ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون . وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . . ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) . . .

وننظر في هذه الوصايا - التي ترد في السياق بمناسبة الحديث عن تشريعات الأنعام والثمار وأوهام الجاهلية وتصوراتها وتصرفاتها - فإذا هي قوام هذا الدين كله . . إنها قوام حياة الضمير بالتوحيد ، وقوام حياة الأسرة بأجيالها المتتابعة ، وقوام حياة المجتمع بالتكافل والطهارة فيما يجري فيه من معاملات ، وقوام حياة الإنسانية وما يحوط الحقوق فيها من ضمانات ، مرتبطة بعهد الله ، كما أنها بدئت بتوحيد الله . .

وننظر في ختام هذه الوصايا ، فإذا الله - سبحانه وتعالى - يقرر أن هذا صراطه المستقيم ؛ وكل ما عداه سبل تتفرق بالناس عن سبيله الواصل . . الوحيد . .

إنه أمر هائل هذا الذي تتضمنه الآيات الثلاث . . أمر هائل يجيء في أعقاب قضية تبدو كأنها لمحة جانبية من الجاهلية ؛ ولكنها في الحقيقة هي قضية هذا الدين الأساسية ؛ بدلالة ربطها بهذه الوصايا الهائلة الكلية . .

( قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) . .

قل : تعالوا أقص عليكم ما حرمه عليكم ربكم - لا ما تدعون أنتم أنه حرمه بزعمكم - ! لقد حرمه عليكم ( ربكم ) الذي له وحده حق الربوبية - وهي القوامة والتربية والتوجيه والحاكمية - وإذن فهو اختصاصه ، وموضع سلطانه . فالذي يحرم هو " الرب " والله هو وحده الذي يجب أن يكون ربا . .

( ألا تشركوا به شيئاً ) . .

القاعدة التي يقوم عليها بناء العقيدة ؛ وترجع إليها التكاليف والفرائض ، وتستمد منها الحقوق والواجبات . . القاعدة التي يجب أن تقوم أولاً قبل الدخول في الأوامر والنواهي ؛ وقبل الدخول في التكاليف والفرائض ، وقبل الدخول في النظام والأوضاع ؛ وقبل الدخول في الشرائع والأحكام . . يجب ابتداء أن يعترف الناس بربوبية الله وحده لهم في حياتهم كما يعترفون بألوهيته وحده في عقيدتهم ؛ لا يشركون معه أحداً في ألوهيته ، ولا يشركون معه أحداً في ربوبيته كذلك . يعترفون له وحده بأنه المتصرف في شؤون هذا الكون في عالم الأسباب والأقدار ؛ ويعترفون له وحده بأنه المتصرف في حسابهم وجزائهم يوم الدين ؛ ويعترفون له وحده بأنه هو المتصرف في شؤون العباد في عالم الحكم والشريعة كلها سواء . .

إنها تنقية الضمير من أوشاب الشرك ، وتنقية العقل من أوشاب الخرافة ، وتنقية المجتمع من تقاليد الجاهلية ، وتنقية الحياة من عبودية العباد للعباد . .

إن الشرك - في كل صوره - هو المحرم الأول لأنه يجر إلى كل محرم . وهو المنكر الأول الذي يجب حشدالإنكار كله له ؛ حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا الله ، ولا رب لهم إلا الله ، ولا حاكم لهم إلا الله ، ولا مشرع لهم إلا الله . كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر لغير الله . .

وإن التوحيد - على إطلاقه - لهو القاعدة الأولى التي لا يغني غناءها شيء آخر ، من عبادة أو خلق أو عمل . .

من أجل ذلك تبدأ الوصايا كلها بهذه القاعدة :

( ألا تشركوا به شيئاً . . )

وينبغي أن نلتفت إلى ما قبل هذه الوصايا ، لنعلم ماذا يراد بالشرك الذي ينهى عنه في مقدمة الوصايا - لقد كان السياق كله بصدد قضية معينة - قضية التشريع ومزاولة حق الحاكمية في إصداره - وقبل آية واحدة كان موقف الإشهاد الذي يحسن أن نعيد نصه :

( قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا . فإن شهدوا فلا تشهد معهم . ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ، والذين لا يؤمنون بالآخرة ، وهم بربهم يعدلون ) . .

يجب أن نذكر هذه الآية ، وما قلناه عنها في الصفحات السابقة لندرك ماذا يعني السياق القرآني هنا بالشرك الذي ينهى عنه ابتداءً . . إنه الشرك في الاعتقاد ، كما أنه الشرك في الحاكمية . فالسياق حاضر ، والمناسبة فيه حاضرة . .

ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر ، لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية ، قد آتت ثمارها - مع الأسف - فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة ، وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي ! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام ، يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية ؛ أولاستنكار انحلال أخلاقي ؛ أو لمخالفة من المخالفات القانونية . ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية ، وموقعها من العقيدة الإسلامية ! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية ، ولا يستنكرون المنكر الأكبر ؛ وهو قيام الحياة في غير التوحيد ؛ أي على غير إفراد الله - سبحانه - بالحاكمية . .

إن الله قبل أن يوصي الناس أي وصية ، أوصاهم ألا يشركوا به شيئا . في موضع من السياق القرآني يحدد المعنيّ بالشرك الذي تبدأ بالنهي عنه جميع الوصايا !

إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بالله على بصيرة ، وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه في كافة الروابط ؛ وبالقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية . . فلا تظل نهباً لريح الشهوات والنزوات ، واصطلاحات البشر التي تتراوح مع الشهوات والنزوات . .

( وبالوالدين إحسانا . ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ) . .

إنها رابطة الأسرة بأجيالها المتلاحقة - تقوم بعد الرابطة في الله ووحدة الاتجاه - ولقد علم الله - سبحانه - أنه أرحم بالناس من الآباء والأبناء . فأوصى الأبناء بالآباء ، وأوصى الآباء بالأبناء ؛ وربط الوصية بمعرفة ألوهيته الواحدة ، والارتباط بربوبيته المتفردة . وقال لهم : إنه هو الذي يكفل لهم الرزق ، فلا يضيقوا بالتبعات تجاه الوالدين في كبرتهما ؛ ولا تجاه الأولاد في ضعفهم ، ولا يخافوا الفقر والحاجة فالله يرزقهم جميعاً . .

( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) . .

ولما وصاهم الله بالأسرة ، وصاهم بالقاعدة التي تقوم عليها - كما يقوم عليها المجتمع كله - وهي قاعدةالنظافة والطهارة والعفة . فنهاهم عن الفواحش ظاهرها وخافيها . . فهو نهي مرتبط تماماً بالوصية السابقة عليها . . وبالوصية الأولى التي تقوم عليها كافة الوصايا .

إنه لا يمكن قيام أسرة ، ولا استقامة مجتمع ، في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن . . إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع . والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع .

والفواحش : كل ما أفحش - أي تجاوز الحد - وإن كانت أحيانا تخص بنوع منها هو فاحشة الزنا . ويغلب على الظن أن يكون هذا هو المعنى المراد في هذا الموضع . لأن المجال مجال تعديد محرمات بذاتها ، فتكون هذه واحدة منها بعينها . وإلا فقتل النفس فاحشة ، وأكل مال اليتيم فاحشة ، والشرك بالله فاحشة الفواحش . فتخصيص( الفواحش )هنا بفواحش الزنا أولى بطبيعة السياق . وصيغة الجمع ، لأن هذه الجريمة ذات مقدمات وملابسات كلها فاحشة مثلها . فالتبرج ، والتهتك ، والاختلاط المثير ، والكلمات والإشارات والحركات والضحكات الفاجرة ، والإغراء والتزيين والاستثارة . . . كلها فواحش تحيط بالفاحشة الأخيرة . وكلها فواحش منها الظاهر ومنها الباطن . منها المستسر في الضمير ومنها البادي في الجوارح . منها المخبوء المستور ومنها المعلن المكشوف ! وكلها مما يحطم قوام الأسرة ، وينخر في جسم الجماعة ، فوق ما يلطخ ضمائر الأفراد ، ويحقر من اهتماماتهم ، ومن ثم جاءت بعد الحديث عن الوالدين والأولاد .

ولأن هذه الفواحش ذات إغراء وجاذبية ، كان التعبير : ولا تقربوا . . للنهي عن مجرد الاقتراب ، سداً للذرائع ، واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة . . لذلك حرمت النظرة الثانية - بعد الأولى غير المتعمدة - ولذلك كان الاختلاط ضرورة تتاح بقدر الضرورة . ولذلك كان التبرج - حتى بالتعطر في الطريق - حراماً ، وكانت الحركات المثيرة ، والضحكات المثيرة ، والإشارت المثيرة ، ممنوعة في الحياة الإسلامية النظيفة . . فهذا الدين لا يريد أن يعرض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتا في المقاومة ! فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود ، ويوقع العقوبات . وهو دين حماية للضمائر والمشاعر والحواس والجوارح . وربك أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير

وكذلك نعلم ما الذي يريده بهذا الدين ، وبحياة المجتمع كله وبحياة الأسرة ، من يزينون للناس الشهوات ، ومن يطلقون الغرائر من عقالها بالكلمة والصورة والقصة والفيلم وبالمعسكر المختلط وبسائر أدوات التوجيه والإعلام !

( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) . .

ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعة : الشرك ، والزنا ، وقتل النفس . . ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة ! الجريمة الأولى جريمة قتل للفطرة ؛ والثانية جريمة قتل للجماعة ، والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة . . إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة . والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة ، منتهية حتماً إلى الدمار . والحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الفارسية . شواهد من التاريخ . ومقدمات الدمار والانهيار في الحضارة الغربية تنبىء بالمصير المرتقب لأمم ينخرفيها كل هذا الفساد . والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات ، مجتمع مهدد بالدمار . ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات ، لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار .

ولقد سبق النهي عن قتل الأولاد من إملاق . فالآن ينهى عن قتل( النفس )عامة . فيوحي بأن كل قتل فردي إنما يقع على جنس( النفس )في عمومه . تؤيد هذا الفهم آية : ( . . . أنه من قتل نفساً ، بغير نفس أو فساد في الأرض ، فكأنما قتل الناس جميعاً ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ) . . فالاعتداء إنما يقع على حق الحياة ذاتها ، وعلى النفس البشرية في عمومها . وعلى هذه القاعدة كفل الله حرمة النفس ابتداء . وهناك طمأنينة الجماعة المسلمة في دار الإسلام وأمنها ، وانطلاق كل فرد فيها ليعمل وينتج آمناً على حياته ، لا يُؤذى فيها إلا بالحق . والحق الذي تؤخذ به النفس بينه الله في شريعته ، ولم يتركه للتقدير والتأويل . ولكنه لم يبينه ليصبح شريعة إلا بعد أن قامت الدولة المسلمة ، وأصبح لها من السلطان ما يكفل لها تنفيذ الشريعة !

وهذه اللفتة لها قيمتها في تعريفنا بطبيعة منهج هذا الدين في النشأة والحركة . فحتى هذه القواعد الأساسية في حياة المجتمع ، لم يفصلها القرآن إلا في مناسبتها العملية .

وقبل أن يمضي السياق في بيان المحرمات والتكاليف ، يفصل بين هذا القسم والذي يليه بإبراز وصية الله وأمره وتوجيهه :

( ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) .

وهذا التعقيب يجيء وفق المنهج القرآني في ربط كل أمر وكل نهي بالله . تقريرا لوحدة السلطة التي تأمر وتنهى في الناس ، وربطاً للأوامر والنواهي بهذه السلطة التي تجعل للأمر والنهي وزنه في ضمائر الناس !

كذلك تجيء فيه الإشارة إلى التعقل . فالعقل يقتضي أن تكون هذه السلطة وحدها هي التي تعبد الناس لشرعها . وقد سبق أنها سلطة الخالق الرازق المتصرف في حياة الناس !

وهذا وذلك فوق ما في الطائفة الأولى من التجانس . وما بين الطائفة الثانية كذلك من التجانس . فجعل هذه في آية ، وتلك في آية ، وبينهما هذا الإيقاع .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

المفردات :

تعالوا : أقبلوا وأحضروا .

أتل : أقرأ .

إملاق : فقر وفاقة .

الفواحش : ما عظم قبحه من المعاصي .

وصاكم به : أمركم وألزمكم به .

التفسير :

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . . . الآية .

تأتي هذه الآية في أعقاب توجيه المشركين ومناقشتهم ، حتى إذا استبان لهم الطريق ووضحت الحجة ، أمر الله رسوله أن يدعوهم ؛ ليوضح لهم المحرمات ، ويرشدهم إلى الواجبات .

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . .

أي : قل لهم يا محمد : أقبلوا ، وأحضروا إلي ؛ لأقرأ لكم الآيات المشتملة على ما حرم الله عليكم وما أوجبه .

ألا تشركوا به شيئا .

أوصيكم ألا تشركوا مع الله في عبادتكم آلهة أخرى ، بل خصوه وحده بالعبادة والخضوع والطاعة ، فإنه هو الخالق لكل شيء .

والنهي عن الإشراك يقتضي الأمر بالإخلاص وصدق النية والبعد عن الرياء ، وقد ساق القرآن مئات الآيات التي تدعو إلى الإيمان ، وتنفر من الشرك ، وتقيم الأدلة الساطعة والبراهين الدامغة على وحدانية الله عز وجل .

قال تعالى :

قل هو الله أحد . . . ( الإخلاص : 1 ) .

وقال سبحانه :

أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون . ( النمل : 61 ) .

وقال عز شأنه : لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا . . . ( الأنبياء : 22 ) .

وقال تعالى : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والأرض فرشناها فنعم الماهدون * ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين . ( الذاريات : 47 – 51 ) .

وقال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . . . ( النساء : 116 ) .

وبالوالدين إحسانا . . . ( الإسراء : 23 ) .

أي : أحسنوا إليهما إحسانا وذلك بالبر بهما ، وامتثال أمرهما ونهيهما ، وفيه نهى عن عقوقهما .

وقد جاءت الوصية بالوالدين بعد النهي عن الشرك ؛ تنبيها على أهمية بر الوالدين ، وتحذيرا من عقوق الوالدين خصوصا في حالة الكبر والضعف ، حيث يكون الأب أو الأم في أمس الحاجة إلى الرعاية النفسية .

أو المادية ، وهو نوع من تكافل الأجيال ورد الجميل ، ولا يوفق لإكرام والديه إلا من يرد له الجميل من ذريته وفي الحديث الشريف : ( عفوا ؛ تعف نساؤكم ، وبروا آباءكم ؛ تبركم أبناءكم ) ( 13 ) .

وفي الربيع الثاني من سورة الإسراء قدم القرآن26 ‌وصية وأدبا بدأها بالدعوة إلى التوحيد وعدم الشرك وثناها بالدعوة إلى بر الوالدين . حيث قال تعالى :

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .

( الإسراء : 23 ، 24 )

ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم .

الإملاق : الفقر .

وكانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكور والإناث ، خشية الإملاق وتفعله بالإناث ؛ خشية العار ، فبين الله أنه هو الرزاق للوالد والولد وكل الكائنات الحية قال تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . ( هود : 6 ) .

والمعنى : لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكلفنا برزقكم ورزقهم .

وفي سورة الإسراء قال تعالى : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا . ( الإسراء : 31‍ )

وفي سورة الإسراء قدم رزق الأولاد على الآباء ؛ للإشارة إلى أن الولد الضعيف يرزق أصلا والأب يرزق تبعا .

فالله يرزق الأب تابعا لرزق الابن .

وقد ورد في هدى السنة أن رجلا اشتكى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنه يعمل ويكدح ويطعم أخاه الذي لا يعمل ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لعلك به ترزق ) ( 14 ) .

ولا تقربوا الفواحش .

وكل قول أو فعل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب البعد عنها ، كالسرقة والزنى ، والنميمة وشهادة الزور .

ما ظهر منها وما بطن .

قال أبو السعود : أي : ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أرذالهم ، وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم .

ونجد القرآن ينهى عن الاقتراب من الفواحش ؛ لأن من حام حول الحما يوشك أن يقع فيه ، ولأنه إذا حصل النهي عن الاقتراب من الشيء ، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى .

وقريب ذلك من قوله تعالى :

ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا . ( الإسراء : 32 )

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق .

أي : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها ، بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد ، إلا إذا فعلت ما يوجب قتلها كالقصاص أو الردة أو الزنى بعد الزواج .

روى الشيخان عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ( 15 ) .

قال الشوكاني : ومن الحق قتلها قصاصا ، وقتلها بسبب زنى المحصن ، وقتلها بسبب الردة ، وهذه هي الأسباب التي ورد الشرع بها .

ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون .

أي : ذلكم الذي ذكرناه لكم من وصايا جليلة ، وتكاليف حكيمة ، وصاكم الله به ، وطلبه منكم ، لعلكم تستعملون عقولكم في أداء هذه الحقوق الثابتة ، المتجاوبة مع الفطرة ، وهذه الحقوق الخمسة المذكورة في الآية الكريمة وهي :

توحيد الله .

الإحسان إلى الوالدين .

عدم قتل الأولاد .

الابتعاد عن الفواحش .

عدم قتل النفس إلا بالحق .

وأداء هذه الوصايا يتفق مع العقل والفطرة السليمة .