في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا} (101)

95

ويخلص لنا منها مدى عمق عنصر الجهاد وأصالته في العقيدة الإسلامية ، وفي النظام الإسلامي ، وفي المقتضيات الواقعية لهذا المنهج الرباني . . وقد عدته الشيعة ركنا من أركان الإسلام - ولهم من قوة النصوص ومن قوة الواقع ما يفسر اتجاههم هذا . لولا ما ورد في حديث : " بني الإسلام على خمس . . . " ولكن قوة التكليف بالجهاد ؛ وأصالة هذا العنصر في خطر الحياة الإسلامية ؛ وبروز ضرورته في كل وقت وفي كل أرض - الضرورة التي تستند إلى مقتضيات فطرية لا ملابسات زمنية - كلها تؤيد هذا الشعور العميق بجدية هذا العنصر وأصالته .

ويخلص لنا كذلك أن النفس البشرية هي النفس البشرية ؛ وأنها قد تحجم أمام الصعاب ، أو تخاف أمام المخاطر ، وتكسل أمام العقبات ، في خير الأزمنة وخير المجتمعات . وأن منهج العلاج في هذه الحالة ، ليس هو اليأس من هذه النفوس . ولكن استجاشتها ، وتشجيعها ، وتحذيرها ، وطمأنتها في آن واحد . وفق هذا المنهج القرآني الرباني الحكيم .

وأخيرا يخلص لنا كيف كان هذا القرآن يواجه واقع الحياة ؛ ويقود المجتمع المسلم ؛ ويخوض المعركة - في كل ميادينها - وأول هذه الميادين هو ميدان النفس البشرية ؛ وطبائعها الفطرية ، ورواسبها كذلك من الجاهلية . وكيف ينبغي أن نقرأ القرآن ، ونتعامل معه ونحن نواجه واقع الحياة والنفس بالدعوة إلى الله .

بعد ذلك يستطرد الى رخصة ، يبيحها الله للمهاجرين ، أو الضاربين في الأرض للجهاد أو للتجارة . في حالة خوفهم أن يأخذهم الذين كفروا أسارى . فيفتنوهم عن دينهم . وهي رخصة القصر من الصلاة - وهو غير القصر المرخص به للمسافر إطلاقا سواء خاف فتنة الذين كفروا أو لم يخف - فهذا قصر خاص .

( وإذا ضربتم في الأرض ، فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة - إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا - إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينًا ) . .

إن الضارب في الأرض في حاجة ماسة إلى الصلة الدائمة بربه ، تعينه على ما هو فيه ، وتكمل عدته وسلاحه فيما هو مقدم عليه ، وما هو مرصود له في الطريق . . والصلاة أقرب الصلات إلى الله . وهي العدة التي يدعى المسلمون للاستعانة بها في الشدائد والملمات . فكلما كان هناك خوف أو مشقة قال لهم : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) . .

ومن ثم يجيء ذكرها هنا في إبانها المناسب ، وفي وقت الحاجة إليها والاضطرار . فما أحوج الخائف في الطريق إلى أن يطمئن قلبه بذكر الله . وما أحوج المهاجر من أرضه إلى أن يلتجى ء إلى حمى الله . . غير أن الصلاة الكاملة - وما فيها من قيام وركوع وسجود - قد تعوق الضارب في الأرض عن الإفلات من كمين قريب . أو قد تلفت إليه أنظار عدوه فيعرفوه . أو قد تمكن لهم منه وهو راكع أو ساجد فيأخذوه . . ومن ثم هذه الرخصة للضارب في الأرض أن يقصر في الصلاة عند مخافة الفتنة .

والمعنى الذي نختاره في القصر هنا هو المعنى الذي اختاره الإمام الجصاص . وهو أنه ليس القصر في عدد الركعات بجعلها اثنتين في الصلاة الرباعية . فهذا مرخص به للمسافر إطلاقا ، بلا تخصيص حالة الخوف من الفتنة . بل هذا هو المختار في الصلاة للمسافر - كفعل رسول الله [ ص ] في كل سفر - بحيث لا يجوز إكمال الصلاة في السفر في أرجح الأقوال .

وإذن فهذه الرخصة الجديدة - في حالة خوف الفتنة - تعني معنى جديدا غير مجرد القصر المرخص به لكل مسافر . إنما هو قصر في صفة الصلاة ذاتها . كالقيام بلا حركة ولا ركوع ولا سجود ولا قعود للتشهد . حيث يصلي الضارب في الأرض قائما وسائرا وراكبا ، ويومى ء للركوع والسجود .

وكذلك لا يترك صلته بالله في حالة الخوف من الفتنه ، ولا يدع سلاحه الأول في المعركة ، ويأخذ حذره من عدوه :

إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينًا .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا} (101)

{ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا } الآية نزلت في إباحة قصر الصلاة في السفر وظاهر القرآن يدل على أن القصر يستباح بالسفر والخوف لقوله { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } أي يقتلكم والإجماع منعقد على أن القصر يجوز في السفر من غير خوف وثبتت السنة بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ذكر الخوف في الآية على حال غالب أسفارهم في ذلك الوقت

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا} (101)

ولما أوجب السفر للجهاد والهجرة ، و{[22468]}كان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء ؛ ذكر تخفيف الصلاة بالقصر بقوله سبحانه وتعالى : { وإذا ضربتم } أي بالسفر { في الأرض } أيّ سفر كان لغير معصية . ولما كان القصر رخصة غير عزيمة ، بينه بقوله : { فليس عليكم جناح } أي إثم وميل{[22469]} في { أن تقصروا } ولما كان القصر خاصاً ببعض الصلوات ، أتى بالجار لذلك{[22470]} ولإفادة{[22471]} أنه في {[22472]}الكم لا في{[22473]} الكيف فقال : { من الصلاة } أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم ، وبينت السنة أعيان الصلوات المقصورات ، وكم يقصر منها من ركعة ، وأن{[22474]} القصر من الكمية {[22475]}لا من الكيفية{[22476]} بالإيماء{[22477]} مثلاً في صلاة الخوف بقول عمر رضي الله تعالى عنه ليعلى بن أمية - حين قال له : كيف تقصر وقد أمنا - : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك{[22478]} - ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته " وهذا هو حقيقة القصر والذي دلت عليه " من " ، وأما الإيماء{[22479]} ونحوه من كيفيات صلاة الخوف فإبدال لا قصر ، والسياق كام ترى مشير إلى شدة الاهتمام بشأنها ، وأنه لا يسقطها عن{[22480]} المكلف شيء ، وقاض بأن المخاطرة بالنفس والمال لا تسقط الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف والخطر مبنى أمرهما ومحط قصدهما ، فهذا سر قوله : { وإن خفتم أن يفتنكم } أي يخالطم مخالطة مزعجة { الذين كفروا } لا{[22481]} أنه شرط في القصر ، كما بينت{[22482]} نفي شرطيته السنة ، والحاصل أن هذا الشرط ذكر لهذا المقصد{[22483]} ، لا لمخالفة المفهوم للمنطوق{[22484]} بشهادة السنة ؛ وقد كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين{[22485]} ركعتين ، فأتمت بعد الهجرة إشارة{[22486]} إلى أن المدينة دار الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة ؛ روى الشيخان وأحمد - وهذا لفظه - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :

" فرضت الصلاة{[22487]} ركعتين ركعتين ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة{[22488]} أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر{[22489]} " .

ولما ذكر الخوف منهم ، علله مشيراً بالإظهار موضع الإضمار ، وباسم الفاعل إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما ، أعرق فيه ، أو إلى {[22490]}أن المجبول{[22491]} على العداوة المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته عليه فقال{[22492]} : { إن الكافرين } أي الراسخين منهم في الكفر { كانوا } أي جبلة وطبعاً . ولعله اشار إلى أنهم مغلوبون بقوله : { لكم } دون عليكم { عدواً } ولما كان العدو مما يستوي فيه الواحد والجمع قال : { مبيناً } أي ظاهر العداوة ، يعدون عليكم لقصد الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلاً ، فربما وجدوا الفرصة في ذلك عند طول الصلاة فلذلك قصرتها ، ولولا أنها لا رخصة{[22493]} فيها بوجه لوضعتها عنكم في مثل هذه الحالة ، أو جعلت التخفيف في الوقت فأمرت بالتأخير ، ولكنه لا زكاء للنفوس بدون فعلها على ما حددت{[22494]} من الوقت وغيره .


[22468]:سقطت الواو من ظ.
[22469]:من ظ ومد، وفي الأصل: مثل.
[22470]:في ظ: كذلك.
[22471]:من مد، وفي الأصل: الإفادة، وفي ظ: لا فائدة ـ كذا.
[22472]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22473]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22474]:زيد بعده في ظ: كان.
[22475]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22476]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22477]:من ظ ومد، وفي الأصل: للإيماء.
[22478]:زيد من الصحيح لمسلم ـ المسافرين.
[22479]:من ظ ومد، وفي الأصل: الإيمان.
[22480]:في ظ: على.
[22481]:في ظ: إلا.
[22482]:من ظ ومد، وفي الأصل: بين.
[22483]:في ظ: القصد.
[22484]:في ظ: المنطوق.
[22485]:زيد من ظ ومد.
[22486]:في ظ: بإشارة.
[22487]:زيد بعده في ظ: قبل الهجرة.
[22488]:ما بين الرقمين لفظ الشيخين في صحيحهما، ولفظ أحمد في مسنده 6/241: زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنها وتر النهار وصلاة الفجر لطول قراءتهما، قال: وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى.
[22489]:ما بين الرقمين لفظ الشيخين في صحيحهما، ولفظ أحمد في مسنده 6/241: زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنها وتر النهار وصلاة الفجر لطول قراءتهما، قال: وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى.
[22490]:في ظ: المحبول.
[22491]:في ظ: المحبول.
[22492]:في ظ: قال.
[22493]:في ظ: خطة.
[22494]:في ظ: جددت.