ثم يستأنف نداء الذين آمنوا لينهاهم عن استحلال حرمات الله :
( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله . ولا الشهر الحرام . ولا الهدي . ولا القلائد . ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . وإذا حللتم فاصطادوا )
وأقرب ما يتجه إليه الذهن في معنى ( شعائر الله ) في هذا المقام أنها شعائر الحج والعمرة وما تتضمنه من محرمات على المحرم للحج او العمرة حتى ينتهي حجه بنحر الهدي الذي ساقه إلى البيت الحرام ؛ فلا يستحلها المحرم في فترة إحرامه ؛ لأن استحلالها فيه استهانة بحرمة الله الذي شرع هذه الشعائر . وقد نسبها السي القرآني إلى الله تعظيما لها ، وتحذيرا من استحلالها .
والشهر الحرام يعني الأشهر الحرم ؛ وهي رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة والمحرم . وقد حرم الله فيها القتال - وكانت العرب قبل الإسلام تحرمها - ولكنها تتلاعب فيها وفق الأهواء ؛ فينسئونها - أي يؤجلونها - بفتوى بعض الكهان ، أو بعض زعماء القبائل القوية ! من عام إلى عام . فلما جاء الإسلام شرع الله حرمتها ، وأقام هذه الحرمة على أمر الله ، يوم خلق الله السماوات والأرض كما قال في آية التوبة : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم . ذلك الدين القيم . . ) وقرر أن النسيء زيادة في الكفر . واستقام الأمر فيها على أمر الله . . ما لم يقع الاعتداء فيها على المسلمين ، فإن لهم حينئذ ان يردوا الاعتداء ؛ وألا يدعوا المعتدين يحتمون بالأشهر الحرم - وهم لا يرعون حرمتها - ويتترسون خلفها للنيل من المسلمين ، ثم يذهبون ناجين ! وبين الله حكم القتال في الأشهر الحرم كما مر بنا في سورة البقرة .
والهدي وهو الذبيحة التي يسوقها الحاج أو المعتمر ؛ وينحرها في آخر أيام الحج أو العمرة ، فينهي بها شعائر حجه أو عمرته . وهي نافة أو بقرة أو شاة . . وعدم حلها معناه ألا ينحرها لأي غرض آخر غير ما سيقت له ؛ ولا ينحرها إلا يوم النحر في الحج وعند انتهاء العمرة في العمرة . ولا ينتفع من لحومها وجلودها وأشعارها وأوبارها بشيء ؛ بل يجعلها كلها للفقراء .
والقلائد . وهي الأنعام المقلدة التي يقلدها أصحابها - أي يضعون في رقبتها قلادة - علامة على نذرها لله ؛ ويطلقونها ترعى حتى تنحر في موعد النذر ومكانه - ومنها الهدي الذي يشعر : أي يعلم بعلامة الهدي ويطلق إلى موعد النحر - فهذه القلائد يحرم احلالها بعد تقليدها ؛ فلا تنحر إلا لما جعلت له . . وكذلك قيل : إن القلائد هي ما كان يتقلد به من يريدون الأمان من ثأر أو عدو أو غيره ؛ فيتخذون من شجر الحرم ما يتقلدون به ، وينطلقون في الأرض لا يبسط أحد يده إليهم بعدوان - وأصحاب هذا القول قالوا : إن ذلك قد نسخ بقول الله فيما بعد : ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) . . وقوله : ( فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) . . والأظهر القول الأول ؛ وهو أن القلائد هي الأنعام المقلدة للنذور لله ؛ وقد جاء ذكرها بعد ذكر الهدي المقلد للنحر للحج أو العمرة ، للمناسبة بين هذا وذاك .
كذلك حرم الله آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . . وهم الذين يقصدون البيت الحرام للتجارة الحلال وطلب الرضوان من الله . . حجاجا أو غير حجاج . . وأعطاهم الأمان في حرمة بيته الحرام .
ثم أحل الصيد متى انتهت فترة الإحرام ، في غير البيت الحرام ، فلا صيد في البيت الحرام : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) . .
إنها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام ؛ كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرم . . منطقة يأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى . وأن يروعها العدوان . . إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت ؛ استجابة لدعوة إبراهيم - أبي هذه الأمة الكريم - ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة في العام - في ظل الإسلام - وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته وأمنه ؛ ليحرص عليه - بشروطه - وليحفظ عقد الله وميثاقه ، وليحاول أن يطبقه في الحياة كلها على مدار العام ، وفي كل مكان . .
وفي جو الحرمات وفي منطقة الأمان ، يدعو الله الذين آمنوا به ، وتعاقدوا معه ، أن يفوا بعقدهم ؛ وأن يرتفعوا إلى مستوى الدور الذي ناطه بهم . . دور القوامة على البشرية ؛ بلا تأثر بالمشاعر الشخصية ، والعواطفالذاتية ، والملابسات العارضة في الحياة . . يدعوهم ألا يعتدوا حتى على الذين صدوهم عن المسجد الحرام في عام الحديبية ؛ وقبله كذلك ؛ وتركوا في نفوس المسلمين جروحا وندوبا من هذا الصد ؛ وخلفوا في قلوبهم الكره والبغض ، فهذا كله شيء ؛ وواجب الأمة المسلمة شيء آخر . شيء يناسب دورها العظيم :
( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله ، إن الله شديد العقاب ) . .
إنها قمة في ضبط النفس ؛ وفي سماحة القلب . . ولكنها هي القمة التي لا بد أن ترقى إليها الأمة المكلفة من ربها أن تقوم على البشرية لتهديها وترتفع بها إلى هذا الأفق الكريم الوضيء .
إنها تبعة القيادة والقوامة والشهادة على الناس . . التبعة التي لا بد أن ينسى فيها المؤمنون ما يقع على أشخاصهم من الأذى ليقدموا للناس نموذجا من السلوك الذي يحققه الإسلام ، ومن التسامي الذي يصنعه الإسلام . وبهذا يؤدون للإسلام شهادة طيبة ؛ تجذب الناس إليه وتحببهم فيه .
وهو تكليف ضخم ؛ ولكنه - في صورته هذه - لا يعنت النفس البشرية ، ولا يحملها فوق طاقتها . فهو يعترف لها بأن من حقها أن تغضب ، ومن حقها أن تكره . ولكن ليس من حقها أن تعتدي في فوره الغضب ودفعة الشنآن . . ثم يجعل تعاون الأمة المؤمنة في البر والتقوى ؛ لا في الإثم والعدوان ؛ ويخوفها عقاب الله ، ويأمرها بتقواه ، لتستعين بهذه المشاعر على الكبت والضبط ، وعلى التسامي والتسامح ، تقوى لله ، وطلبا لرضاه .
ولقد استطاعت التربية الإسلامية ، بالمنهج الرباني ، أن تروض نفوس العرب على الانقياد لهذه المشاعر القوية ، والاعتياد لهذا السلوك الكريم . . وكانت أبعد ما تكون عن هذا المستوى وعن هذا الاتجاه . . كان المنهج العربي المسلوك والمبدأ العربي المشهور : " أنصر أخاك ظالما أو مظلومًا " . . كانت حمية الجاهلية ، ونعرة العصبية . كان التعاون على الإثم والعدوان أقرب وأرجح من التعاون على البر والتقوى ؛ وكان الحلف على النصرة ، في الباطل قبل الحق . وندر أن قام في الجاهلية حلف للحق . وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله ؛ ولا تستمد تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزان الله . . يمثل ذلك كله ذلك المبدأ الجاهلي المشهور : " انصر أخاك ظالما أو مظلومًا " . . وهو المبدأ الذي يعبر عنه الشاعر الجاهلي في صورة أخرى ، وهو يقول :
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت ، وإن ترشد غزية أرشد !
ثم جاء الإسلام . . جاء المنهج الرباني للتربية . . جاء ليقول للذين آمنوا :
( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله ، إن الله شديد العقاب ) . .
جاء ليربط القلوب بالله ؛ وليربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله . جاء ليخرج العرب - ويخرج البشرية كلها - من حمية الجاهلية ، ونعرة العصبية ، وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية والعائلية والعشائرية في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء . .
وولد " الإنسان " من جديد في الجزيرة العربية . . ولد الإنسان الذي يتخلق بأخلاق الله . . وكان هذا هو المولد الجديد للعرب ؛ كما كان هو المولد الجديد للإنسان في سائر الأرض . . ولم يكن قبل الإسلام في الجزيرة إلا الجاهلية المتعصبة العمياء : " انصر أخاك ظالما أو مظومًا " . كذلك لم يكن في الأرض كلها إلا هذه الجاهلية المتعصبة العمياء !
والمسافة الشاسعة بين درك الجاهلية ، وأفق الإسلام ؛ هي المسافة بين قول الجاهلية المأثور : " انصر أخاك ظالما أو مظلومًا " . وقول الله العظيم : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) .
{ أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } يعني الهدايا المعلمة للذبح بمكة نزلت هذه الآية في الحطم بن ضبيعة أغار على سرح المدينة فذهب به إلى اليمامة فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام القضية سمع تلبية حجاج اليمامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحطم فدونكم وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة فلما توجهوا في طلبه أنزل الله تعالى { لا تحلوا شعائر الله } يريد ما أشعر لله أي أعلم { ولا الشهر الحرام } بالقتال فيه { ولا الهدي } وهي كل ما أهدي إلى بيت الله من ناقة وبقرة وشاة { ولا القلائد } يعني الهدايا المقلدة من لحاء شجر الحرم { ولا آمين البيت الحرام } قاصديه من المشركين قال المفسرون كانت الحرب في الجاهلية قائمة بين العرب إلا في الأشهر الحرم فمن وجد في غيرها أصيب منه إلا أن يكون مشعرا بدنه أو سائقا هدايا أو مقلدا نفسه أو بعيره من لحاء شجر الحرم أو محرما فلا يتعرض لهؤلاء فأمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بإقرار هذه الأمنة على ما كانت لضرب من المصلحة إلى أن نسخها بقوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله { يبتغون فضلا من ربهم } أي ربحا بالتجارة { ورضوانا } بالحج على زعمهم { وإذا حللتم } من الإحرام { فاصطادوا } أمر إباحة { ولا يجرمنكم } ولا يحملنكم { شنآن قوم } بغض قوم يعني أهل مكة { أن صدوكم عن المسجد الحرام } يعني عام الحديبية { أن تعتدوا } على حجاج اليمامة فتستحلوا منهم محرما { وتعاونوا } ليعن بعضكم بعضا { على البر } وهو ما أمرت به { والتقوى } ترك ما نهيت عنه { ولا تعاونوا على الإثم } يعني معاصي الله { والعدوان } التعدي في حدوده ثم حذرهم فقال { واتقوا الله } فلا تستحلوا محرما { أن الله شديد العقاب }
الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله " خطاب للمؤمنين حقا ؛ أي لا تتعدوا حدود الله في أمر من الأمور . والشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة . وقال ابن فارس : ويقال للواحدة شعارة ، وهو أحسن . والشعيرة البدنة تهدى ، وإشعارها أن يجز سنامها حتى يسيل منه الدم فيعلم أنها هدي . والإشعار الإعلام من طريق الإحساس ، يقال : أشعر هديه أي جعل له علامة ليعرف أنه هدي ، ومنه المشاعر المعالم ، واحدها مشعر وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات . ومنه الشعر ؛ لأنه يكون بحيث يقع الشعور ، ومنه الشاعر ؛ لأنه يشعر بفطنته لما لا يفطن له غيره ، ومنه الشعير لشعرته التي في رأسه ، فالشعائر على قول ما أشعر من الحيوانات لتهدى إلى بيت الله ، وعلى قول جميع مناسك الحج . قاله ابن عباس . وقال مجاهد : الصفا والمروة والهدي والبدن كل ذلك من الشعائر . وقال الشاعر{[5217]} :
نُقَتِّلُهُمْ جِيلاً فجيلاً تراهُمُ *** شعائرَ قربانٍ بها يُتَقَرَّبُ
وكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ، فأنزل الله تعالى : " لا تحلوا شعائر الله " . وقال عطاء بن أبي رباح : شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه . وقال الحسن : دين الله كله . كقوله : " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب " {[5218]} [ الحج : 32 ] أي دين الله .
قلت : وهذا القول هو الراجح الذي يقدم على غيره لعمومه . وقد اختلف العلماء في إشعار الهدي وهي :
الثانية : فأجازه الجمهور ؛ ثم اختلفوا في أي جهة يشعر . فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور : يكون في الجانب الأيمن ، وروي عن ابن عمر . وثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن . أخرجه مسلم وغيره وهو الصحيح . وروي أنه أشعر بدنه من الجانب الأيسر . قال أبو عمر بن عبدالبر : هذا عندي حديث منكر من حديث ابن عباس . والصحيح حديث مسلم عن ابن عباس ، قال : ولا يصح عنه غيره . وصفحة السنام جانبه ، والسنام أعلى الظهر . وقالت طائفة : يكون في الجانب الأيسر ، وهو قول مالك ، وقال : لا بأس به في الجانب الأيمن . وقال مجاهد : من أي الجانبين شاء . وبه قال أحمد في أحد قوليه . ومنع من هذا كله أبو حنيفة وقال : إنه تعذيب للحيوان ، والحديث يرد عليه ، وأيضا فذلك يجري مجرى الوسم الذي يعرف به الملك كما تقدم ، وقد أوغل ابن العربي على أبي حنيفة في الرد والإنكار حين لم ير الإشعار فقال : كأنه لم يسمع بهذه الشعيرة في الشريعة ! لهي أشهر منه في العلماء .
قلت : والذي رأيته منصوصا في كتب علماء الحنفية الإشعار مكروه من قول أبي حنيفة ، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمكروه ولا سنة بل هو مباح ؛ لأن الإشعار لما كان إعلاما كان سنة بمنزلة التقليد ، ومن حيث أنه جرح ومثلة كان حراما ، فكان مشتملا على السنة والبدعة فجعل مباحا . ولأبي حنيفة أن الإشعار مثلة وأنه حرام من حيث إنه تعذيب الحيوان فكان مكروها ، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في أول الابتداء حين كانت العرب تنتهب كل مال إلا ما جعل هديا ، وكانوا لا يعرفون الهدي إلا بالإشعار ثم زال لزوال العذر ، هكذا روي عن ابن عباس . وحكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى أنه قال : يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه ، وهو المبالغة في البضع على وجه يخاف منه السراية{[5219]} ، أما ما لم يجاوز الحد فعل كما كان يفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حسن ، وهكذا ذكر أبو جعفر الطحاوي . فهذا اعتذار علماء الحنفية لأبي حنيفة عن الحديث الذي ورد في الإشعار ، فقد سمعوه ووصل إليهم وعلموه . قالوا : وعلى القول بأنه مكروه لا يصير به أحد محرما ؛ لأن مباشرة المكروه لا تعد من المناسك .
الثالثة : قوله تعالى : " ولا الشهر الحرام " اسم مفرد يدل على الجنس في جميع الأشهر الحرم وهي أربعة : واحد فرد وثلاثة سرد{[5220]} ، يأتي بيانها في " براءة " {[5221]} ؛ والمعنى : لا تستحلوها للقتال ولا للغارة ولا تبدلوها ، فإن استبدالها استحلال ، وذلك ما كانوا يفعلونه من النسيء ، وكذلك قوله : " ولا الهدي ولا القلائد " أي لا تستحلوه ، وهو على حذف مضاف أي ولا ذوات القلائد جمع قلادة . فنهى سبحانه عن استحلال الهدي جملة ، ثم ذكر المقلد منه تأكيدا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد .
الرابعة : قوله تعالى : " ولا الهدي ولا القلائد " الهدي ما أهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة . الواحدة هدية وهدية وهدي . فمن قال : أراد بالشعائر المناسك قال : ذكر الهدي تنبيها على تخصيصها . ومن قال : الشعائر الهدي قال : إن الشعائر ما كان مشعرا أي معلما بإسالة الدم من سنامه ، والهدي ما لم يشعر ، اكتفى فيه بالتقليد . وقيل : الفرق أن الشعائر هي البدن من الأنعام . والهدي البقر والغنم والثياب وكل ما يهدى . وقال الجمهور : الهدي عاما في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) إلى أن قال : ( كالهدي بيضة ) فسماها هديا ، وتسمية البيضة هديا لا محمل له إلا أنه أراد به الصدقة ، وكذلك قال العلماء : إذا قال جعلت ثوبي هديا فعليه أن يتصدق به ، إلا أن الإطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم ، وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه ، وهذا إنما تلقي من عرف الشرع في قوله تعالى : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي{[5222]} " [ البقرة : 196 ] وأراد به الشاة ، وقال تعالى : " يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة{[5223]} " [ المائدة : 95 ] وقال تعالى : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " [ البقرة : 196 ] وأقله شاة عند الفقهاء . وقال مالك : إذا قال ثوبي هدي يجعل ثمنه في هدي . " والقلائد " ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم ، فهو على حذف مضاف ، أي ولا أصحاب القلائد ثم نسخ . قال ابن عباس : آيتان نسختا من " المائدة " آية القلائد وقوله : " فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " [ المائدة : 42 ] فأما القلائد فنسخها الأمر بقتل المشركين حيث كانوا وفي أي شهر كانوا . وأما الأخرى فنسخها قوله تعالى : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " [ المائدة : 49 ] على ما يأتي . وقيل : أراد بالقلائد نفس القلائد ، فهو نهي عن أخذ لحاء{[5224]} شجر الحرم حتى يتقلد به طلبا للأمن . قاله مجاهد وعطاء ومطرف بن الشخير . والله أعلم .
وحقيقة الهدي كل معطى لم يذكر معه عوض . وأتفق الفقهاء على أن من قال : لله علي هدي أنه يبعث بثمنه إلى مكة . وأما القلائد فهي كل ما علق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة أنه لله سبحانه ، من نعل أو غيره ، وهي سنة إبراهيمية بقيت في الجاهلية وأقرها الإسلام ، وهي سنة البقر والغنم . قالت عائشة رضي الله عنها : أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها . أخرجه البخاري ومسلم ، وإلى هذا صار جماعة من العلماء : الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب ، وأنكره مالك وأصحاب الرأي وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم ، أو بلغ لكنهم ردوه لانفراد الأسود به عن عائشة رضي الله عنها ، فالقول به أولى . والله أعلم .
وأما البقر فإن كانت لها أسنمة أشعرت كالبدن . قاله ابن عمر ، وبه قال مالك . وقال الشافعي : تقلد وتشعر مطلقا ولم يفرقوا . وقال سعيد بن جبير : تقلد ولا تشعر ، وهذا القول أصح إذ ليس لها سنام ، وهي أشبه بالغنم منها بالإبل . والله أعلم .
الخامسة : واتفقوا فيمن قلد بدنة على نية الإحرام وساقها أنه يصير محرما . قال الله تعالى : " لا تحلوا شعائر الله " إلى أن قال : " فاصطادوا " ولم يذكر الإحرام لكن لما ذكر التقليد عرف أنه بمنزلة الإحرام .
السادسة : فإن بعث بالهدي ولم يسق بنفسه لم يكن محرما ؛ لحديث عائشة قالت : أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ، ثم قلدها بيديه ، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي . أخرجه البخاري ، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء . وروي عن ابن عباس أنه قال : يصير محرما . قال ابن عباس : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي . رواه البخاري ؛ وهذا مذهب ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير ، وحكاه الخطابي عن أصحاب الرأي ، واحتجوا بحديث جابر بن عبدالله قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فقد قميصه من جيبه ثم أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا وكذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي ) وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة . في إسناده عبدالرحمن بن عطاء بن أبي{[5225]} لبيبة وهو ضعيف . فإن قلد شاة وتوجه معها فقال الكوفيون : لا يصير محرما ؛ لأن تقليد الشاة ليس بمسنون ولا من الشعائر ؛ لأنه يخاف عليها الذئب فلا تصل إلى الحرم بخلاف البدن ، فإنها تترك حتى ترد الماء وترعى الشجر وتصل إلى الحرم . وفي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين قالت : فتلت قلائدها من عهن كان عندي .
العهن الصوف المصبوغ ؛ ومنه قوله تعالى : " وتكون الجبال كالعهن المنفوش{[5226]} " [ القارعة : 5 ] .
السابعة : ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قلد أو أشعر ؛ لأنه قد وجب ، وإن مات موجبه لم يورث عنه ونفذ لوجهه ، بخلاف الأضحية فإنها لا تجب إلا بالذبح خاصة عند مالك إلا أن يوجبها بالقول ، فإن أوجبها بالقول قبل الذبح فقال : جعلت هذه الشاة أضحية تعينت ، وعليه إن تلفت ثم وجدها أيام الذبح أو بعدها ذبحها ولم يجز له بيعها ، فإن كان اشترى أضحية غيرها ذبحهما جميعا في قول أحمد وإسحاق . وقال الشافعي : لا بدل عليه إذا ضلت أو سرقت ، إنما الإبدال في الواجب . وروي عن ابن عباس أنه قال : إذا ضلت فقد أجزأت . ومن مات يوم النحر قبل أن يضحي كانت ضحيته موروثة عنه كسائر ماله بخلاف الهدي . وقال أحمد وأبو ثور : تذبح بكل حال . وقال الأوزاعي : تذبح إلا أن يكون عليه دين لا وفاء له إلا من تلك الأضحية فتباع في دينه . ولو مات بعد ذبحها لم يرثها عنه ورثته ، وصنعوا بها من الأكل والصدقة ما كان له أن يصنع بها ، ولا يقتسمون لحمها على سبيل الميراث . وما أصاب الأضحية قبل الذبح من العيوب كان على صاحبها بدلها بخلاف الهدي ، هذا تحصيل مذهب مالك . وقد قيل في الهدي على صاحبه البدل ، والأول أصوب . والله أعلم . قال أبو الليث السمرقندي : وقوله تعالى : " ولا الشهر الحرام " منسوخ بقوله : " وقاتلوا المشركين كافة " [ التوبة : 36 ] وقوله : " ولا الهدي ولا القلائد " محكم لم ينسخ ؛ فكل من قلد الهدي ونوى الإحرام صار محرما لا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية ؛ فهذه الأحكام معطوف بعضها على بعض ، بعضها منسوخ وبعضها غير منسوخ .
الثامنة : قوله تعالى : " ولا آمين البيت الحرام " يعني القاصدين له ، من قولهم أممت كذا أي قصدته . وقرأ الأعمش : " ولا آمي البيت الحرام " بالإضافة كقوله : " غير محلي الصيد " والمعنى : لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة التعبد والقربة ، وعليه فقيل : ما في هذه الآيات من نهي عن مشرك ، أو مراعاة حرمة له بقلادة ، أو أم البيت فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله : " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم{[5227]} " [ التوبة : 5 ] وقوله : " فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " [ التوبة : 28 ] فلا يمكن المشرك من الحج ، ولا يؤمن في الأشهر الحرم وإن أهدى وقلد وحج . روي عن ابن عباس وقاله ابن زيد على ما يأتي ذكره . وقال قوم : الآية محكمة لم تنسخ وهي في المسلمين ، وقد نهى الله عن إخافة من يقصد بيته من المسلمين . والنهي عام في الشهر الحرام وغيره ، ولكنه خص الشهر الحرام بالذكر تعظيما وتفضيلا ، وهذا يتمشى على قول عطاء ؛ فإن المعنى لا تحلوا معالم الله ، وهي أمره ونهيه وما أعلمه الناس فلا تحلوه ؛ ولذلك قال أبو ميسرة : هي محكمة . وقال مجاهد : لم ينسخ منها إلا " القلائد " وكان الرجل يتقلد بشيء من لحاء الحرم{[5228]} فلا يقرب فنسبخ ذلك . وقال ابن جريج : هذه الآية نهي عن الحجاج أن تقطع سبلهم . وقال ابن زيد : نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، جاء أناس من المشركين يحجون ويعتمرون فقال المسلمون : يا رسول الله إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم ، فنزل القرآن " ولا آمين البيت الحرام " . وقيل : كان هذا لأمر شريح بن ضبيعة البكري{[5229]} - ويلقب بالحطم - أخذته جند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في عمرته فنزلت هذه الآية ، ثم نسخ هذا الحكم كما . ذكرنا . وأدرك الحطم هذا ردة اليمامة فقتل مرتدا وقد روي من خبره أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وخلف خيله خارج المدينة فقال : إلام تدعو الناس ؟ فقال : ( إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) فقال : حسن ، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ) ثم خرج من عنده فقال عليه الصلاة والسلام : ( لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم ) . فمر بسرح{[5230]} المدينة فاستاقه ، فطلبوه فعجزوا عنه ، فانطلق وهو يقول :
قد لفها الليل بسَوَّاقٍ حُطَمْ{[5231]} *** ليس براعي إبل ولا غَنَمْ
ولا بجزَّارٍ على ظهر وَضَمْ{[5232]} *** باتوا نياما وابن هند لم يَنَمْ
بات يقاسيها غلام كالزُّلَمْ{[5233]} *** خَدَلَّج{[5234]} الساقين خفَّاقَ القَدَمْ{[5235]}
فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام القضية{[5236]} سمع تلبية حجاج اليمامة فقال : ( هذا الحطم وأصحابه ) . وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى مكة{[5237]} ، فتوجهوا في طلبه ، فنزلت الآية ، أي لا تحلوا ما أشعر لله وإن كانوا مشركين ، ذكره ابن عباس .
التاسعة : وعلى أن الآية محكمة قوله تعالى : " لا تحلوا شعائر الله " يوجب إتمام أمور المناسك ؛ ولهذا قال العلماء : إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج ، ولا يجوز أن يترك شيئا منها وإن فسد حجه ؛ ثم عليه القضاء في السنة الثانية .
قال أبو الليث السمرقندي : وقوله تعالى : { ولا الشهر الحرام } منسوخ بقوله : { وقاتلوا المشركين كافة }{[5238]} وقوله : { ولا الهدي ولا القلائد } محكم لم ينسخ ، فكل من قلد الهدي ونوى الإحرام صار محرما لا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية ، فهذه الأحكام معطوف بعضها على بعض ، بعضها منسوخ وبعضها غير منسوخ .
العاشرة : قوله تعالى : " يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " قال فيه جمهور المفسرين : معناه يبتغون الفضل والأرباح في التجارة ، ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم . وقيل : كان منهم من يبتغي التجارة ، ومنهم من يطلب بالحج رضوان الله وإن كان لا يناله ، وكان من العرب من يعتقد جزاء بعد الموت ، وأنه يبعث ، ولا يبعد أن يحصل له نوع تخفيف في النار . قال ابن عطية : هذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب ولطف بهم ؛ لتنبسط النفوس ، وتتداخل الناس ، ويردون الموسم فيستمعون القرآن ، ويدخل الإيمان في قلوبهم وتقوم عندهم الحجة كالذي كان . وهذه الآية نزلت عام الفتح فنسخ الله ذلك كله بعد عام سنة تسع ؛ إذ حج أبو بكر ونودي الناس بسورة " براءة " .
الحادية عشرة : قوله تعالى : " وإذا حللتم فاصطادوا " أمر إباحة - بإجماع الناس - رفع ما كان محظورا بالإحرام ، حكاه كثير من العلماء وليس بصحيح ، بل صيغة " أفعل " الواردة بعد الحظر على أصلها من الوجوب ؛ وهو مذهب القاضي أبي الطيب وغيره ؛ لأن المقتضي للوجوب قائم وتقدم الحظر لا يصلح مانعا ؛ دليله قوله تعالى : " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين{[5239]} " [ التوبة : 5 ] فهذه " أفعل " على الوجوب ؛ لأن المراد بها الجهاد ، وإنما فهمت الإباحة هناك وما كان مثله من قوله : " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا{[5240]} " [ الجمعة : 10 ] " فإذا تطهرن فأتوهن{[5241]} " من النظر إلى المعنى والإجماع ، لا من صيغة الأمر . والله أعلم .
الثانية عشرة : قوله تعالى : " ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام " أي لا يحملنكم ؛ عن ابن عباس وقتادة ، وهو قول الكسائي وأبي العباس . وهو يتعدى إلى مفعولين ، يقال : جرمني كذا على بغضك أي حملني عليه ؛ قال الشاعر{[5242]} :
ولقد طعنتُ أبا عيينة طعنةً *** جَرَمَتْ فَزَارَةَ بعدها أن يَغْضَبُوا
وقال الأخفش : أي ولا يحقنكم . وقال أبو عبيدة والفراء : معنى " لا يجرمنكم " أي لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل ، والعدل إلى الظلم ، قال عليه السلام : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) وقد مضى القول في هذا . ونظير هذه الآية " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " [ البقرة : 194 ] وقد تقدم مستوفى{[5243]} . ويقال : فلان جريمة أهله أي كاسبهم ، فالجريمة والجارم بمعنى الكاسب وأجرم فلان أي أكتسب الإثم . ومنه قول الشاعر{[5244]} :
جريمة ناهض في رأس نِيقٍ *** ترى لعظام ما جمعت صليبَا
معناه كاسب قوت ، والصليب الودك{[5245]} ، وهذا هو الأصل في بناء ج ر م . قال ابن فارس : يقال جرم وأجرم ، ولا جرم بمنزلة قولك : لا بد ولا محالة ، وأصلها من جرم أي اكتسب ، قال :
جَرَمَتْ فَزَارَةُ بعدها أن يَغْضَبُوا
يا أيها المشتكي عُكْلاً{[5246]} وما جَرَمتْ *** إلى القبائل من قَتْلٍ وإبَاسِ ويقال : جرم يجرم جرما إذا قطع . قال الرماني علي بن عيسى : وهو الأصل ، فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره ، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب ، وجرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه . وقال الخليل : " لا جرم أن لهم النار{[5247]} " [ النحل : 62 ] لقد حق أن لهم العذاب . وقال الكسائي : جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد ، أي أكتسب . وقرأ ابن مسعود " يجرمنكم " بضم الياء ، والمعنى أيضا لا يكسبنكم ، ولا يعرف البصريون الضم ، وإنما يقولون : جرم لا غير . والشنآن البغض . وقرئ بفتح النون وإسكانها ؛ يقال : شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنانا وشنانا بجزم النون ، كل ذلك إذا أبغضته ، أي لا يكسبنكم بغض قوم بصدهم إياكم أن تعتدوا ، والمراد بغضكم قوما ، فأضاف المصدر إلى المفعول . قال ابن زيد : لما صد المسلمون عن البيت عام الحديبية مر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة ، فقال المسلمون : نصدهم كما صدنا أصحابهم ، فنزلت هذه الآية ؛ أي لا تعتدوا على هؤلاء ، ولا تصدوهم " أن صدوكم " أصحابهم ، بفتح الهمزة مفعول من أجله ؛ أي لأن صدوكم . وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة " إن صدوكم " وهو اختيار أبي عبيد . وروي عن الأعمش " إن يصدوكم " . قال ابن عطية : فإن للجزاء ، أي إن وقع مثل هذا الفعل في المستقبل . والقراءة الأولى أمكن في المعنى . وقال النحاس : وأما " إن صدوكم " بكسر " إن " فالعلماء الجلة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء : منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان ، وكان المشركون صدوا المسلمين عام الحديبية سنة ست ، فالصد كان قبل الآية ؛ وإذا قرئ بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده ؛ كما تقول : لا تعط فلانا شيئا إن قاتلك ، فهذا لا يكون إلا للمستقبل ، وإن فتحت كان للماضي ، فوجب على هذا ألا يجوز إلا " أن صدوكم " . وأيضا فلو لم يصح هذا الحديث لكان الفتح واجبا ؛ لأن قوله : " لا تحلوا شعائر الله " إلى آخر الآية يدل على أن مكة كانت في أيديهم ، وأنهم لا ينهون عن هذا إلا وهم قادرون على الصد عن البيت الحرام ، فوجب من هذا فتح " أن " لأنه لما مضى .
قوله تعالى : " أن تعتدوا في موضع نصب ؛ لأنه مفعول به ، أي لا يجرمنكم شنآن قوم الاعتداء .
وأنكر أبو حاتم وأبو عبيد " شنآن " بإسكان النون ؛ لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة ، وخالفهما غيرهما وقال : ليس هذا مصدرا ولكنه اسم الفاعل على وزن كسلان وغضبان .
الثالثة عشرة : قوله تعالى : " وتعاونوا على البر والتقوى " قال الأخفش : هو مقطوع من أول الكلام ، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى ، أي ليعن بعضكم بعضا ، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به ، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه ، وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الدال على الخير كفاعله ) . وقد قيل : الدال على الشر كصانعه . ثم قيل : البر والتقوى لفظان بمعنى واحد ، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة ، إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر . قال ابن عطية : وفي هذا تسامح ما ، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه ، والتقوى رعاية الواجب ، فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز . وقال الماوردي : ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له ؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى ، وفي البر رضا الناس ، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته . وقال ابن خويز منداد في أحكامه : والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه ، فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم{[5248]} ، ويعينهم الغني بماله ، والشجاع بشجاعته في سبيل الله ، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ) . ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه . ثم نهى فقال : " ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " وهو الحكم اللاحق عن الجرائم{[5249]} ، وعن " العدوان " وهو ظلم الناس . ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا فقال : " واتقوا الله إن الله شديد العقاب " .