تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الحج قيل : مكية ، وقيل : مدنية

{ 1 - 2 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ }

يخاطب الله الناس كافة ، بأن يتقوا ربهم ، الذي رباهم بالنعم الظاهرة والباطنة ، فحقيق بهم أن يتقوه ، بترك الشرك والفسوق والعصيان ، ويمتثلوا أوامره ، مهما استطاعوا .

ثم ذكر ما يعينهم على التقوى ، ويحذرهم من تركها ، وهو الإخبار بأهوال القيامة ، فقال :

{ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } لا يقدر قدره ، ولا يبلغ كنهه ، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة ، رجفت الأرض وارتجت ، وزلزلت زلزالها ، وتصدعت الجبال ، واندكت ، وكانت كثيبا مهيلا ، ثم كانت هباء منبثا ، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج .

فهناك تنفطر السماء ، وتكور الشمس والقمر ، وتنتثر النجوم ، ويكون من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب ، وتجل منه الأفئدة ، وتشيب منه الولدان ، وتذوب له الصم الصلاب ، ولهذا قال : { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ} (1)

قال : { يا أيها الناس } أي الذين تقدم أول تلك أنه اقترب لهم حسابهم { اتقوا ربكم } أي احذروا عقاب المحسن إليكم بأنواع الإحسان بأن تجعلوا بينكم وبينه وقاية الطاعات .

وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما افتتحت سورة الأنبياء بقوله تعالى : { اقترب للناس حسابهم } وكان وارداً في معرض التهديد ، وتكرر في مواضع منها كقوله تعالى :{ إلينا ترجعون }[ الأنبياء : 35 ]

{ سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هذا الوعد }[ الأنبياء : 37 ] { لو يعلم الذين كفروا حين يكفون عن وجوههم النار }[ الأنبياء : 39 ] { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك }[ الأنبياء : 46 ] { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة }[ الأنبياء : 47 ] { وهم من الساعة مشفقون }[ الأنبياء : 49 ] { كل إلينا راجعون }[ الأنبياء : 93 ] { واقترب الوعد الحق }[ الأنبياء : 97 ] { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم }[ الأنبياء : 98 ] { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب }[ الأنبياء : 104 ] إلى ما تخلل هذه الآي من التهديد ، وشديد الوعيد ، حتى لا تكاد تجد أمثال هذه الآي في الوعيد والإنذار بما في الساعة وما بعدها وما بين يديها في نظائر هذه السورة ، وقد ختمت من ذلك بمثل ما به ابتدئت ، اتصل بذلك ما يناسبه من الإعلام بهول الساعة وعظيم أمرها ، فقال تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم } - إلى قوله : { ولكن عذاب الله شديد } ثم اتبع هذا ببسط الدلالات على البعث الأخير وإقامة البرهان { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } الآيات ، ثم قال { ذلك بأن الله هو الحق } أي اطرد هذا الحكم العجيب ووضح من تقلبكم من حالة إلى حالة في الأرحام وبعد خروجكم إلى الدنيا وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم ، وتشاهدون الأرض على صفة من الهمود والموت إلى حين نزول الماء فنحيي ونخرج أنواع النبات وضروب الثمرات { يسقى بماء واحد ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى } كما أحياكم أولاً وأخرجكم من العدم إلى الوجود وأحيا الأرض بعد موتها وهمودها ، كذلك تأتي الساعة من غير ريب ولا شك ، ويبعثكم لما وعدكم من حسابكم وجزائكم { فريق في الجنة وفريق في السعير } انتهى .

ولما أمرهم بالتقوى : علل ذلك مرهباً لهم بقوله : { إن زلزلة الساعة } أي التي تقدم التحذير منها في الأنبياء بدأ وختماً وما بين ذلك ، أي شدة اضطرابها وتحركها العنيف المزيل للأشياء عن مقارها إزالة عظيمة ، بما يحصل فيها من الأصوات المختلفة ، والحركات المزعجة المتصلة ، من النفخ في الصور ، وبعثرة القبور ، وما يتسبب عن ذلك من عجائب المقدور ، وقت القيام ، واشتداد الزحام ، وذلك لأن " زلزل " مضاعف زل - إذا زال عن مقره بسرعة ، ضوعف لفظه لتضاعف معناه ؛ قال البغوي : الزلزلة والزلزال : شدة الحركة على الحال الهائلة - انتهى . وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول فيه { شيء عظيم* } أي لا تحتمل العقول وصفه ؛ قال ابن كثير : أي أمر كبير ، وخطب جليل وطارق مفظع ، وحادث هائل ، وكائن عجيب - انتهى .

وهذا للزلزلة نفسها ، فكيف بجميع ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا بد لكم من الحشر فيه إلى الله ليجازيكم على ما كان منكم ، لا ينسى منه نقير ولا قطمير ، ولا يخفى قليل ولا كثير ، مما تطير له القلوب ، ولا تثبت له النفوس ، فاعتدوا وجاهدوا أعداءكم من الأهواء والشياطين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

اختلفت العلماء في كون هذه السورة مكية أو مدنية . فقد قيل : إنها مكية إلا ثلاث آيات . وقيل : بل مدنية باستثناء أربع آيات . والصحيح أن السورة مختلطة منها مكي ومنها مدني ؛ لاقتضاء الآيات ذلك .

وكيفما يكن ذلك فإن سورة الحج عظيمة في معانيها وأخبارها وما تضمنته من الأدلة والأحكام والعظات . ومن جملة ذلك : التركيز على الإيمان بيوم القيامة والتنديد بالمعاندين الجاحدين الذين يركبون الهوى والضلال ويتبعون الغاوين والشياطين والمضلين .

وفي السورة تعظيم للحج وشعائره ، وذكر لمنافعه الدنيوية والأخروية . ثم الإذن من الله للمسلمين بقتال الكافرين بعد اصطبارهم الشديد على أذاهم وعدوانهم . إلى غير ذلك مما تضمنته هذه السورة من أهوال القيامة ، وما يجده الظالمون والمجرمون يومئذ من النكال الشديد . ويأتي في طليعة ذلك كله ما ابتدأت به السورة من الإخبار عن الحدث الداهم الجلل وهو قيام الساعة وما فيها من عصيب البلايا وشديد القواصم .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ( 1 ) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ( 2 ) } .

يدعو الله عباده أن يخافوه ويحذروا عقابه وانتقامه فيأتمروا بأوامره وينتهوا زواجره . وعلّل ذلك بأن ( زلزلة الساعة شيء عظيم ) والزلزلة هي شدة حركة الشيء . وقال الزمخشري في الكشاف : هي شدة التحريك والإزعاج . والزلازل بمعنى الشدائد{[3067]} .

واختلف المفسرون في وقت هذه الزلزلة ؛ فقد قيل : إنها كائنة يوم القيامة . وقيل : عند طلوع الشمس من مغربها ؛ فهي شرط من أشراط الساعة ، وهي بذلك كائنة قبل يوم القيامة .

وأيا كانت وقت هذه الزلزلة فإن المقصود هولها وفظاعتها التي تضطرب منها الدنيا وتميد بها الأرض بمن عليها من أناس ؛ لتأتي على البشرية حينئذ غاشية من الرعب والحيرة والذهول مما لا يعلم شدته ومداه إلا الله . ومثل هذه المعاني المجلجلة الجسام تكشف عنها كلمات الكتاب الحكيم في هذا الصدد ليجد القارئ المتدبر في ذلك صورة مثيرة ومرعبة عن حقيقة الساعة ودواهيها العظام . وذلك ؛ لأن ( زلزلة الساعة شيء عظيم ) أي أمر هائل وجلل ومَخُوف .


[3067]:- مختار الصحاح ص 274.