تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (142)

{ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }

قد اشتملت الآية الأولى على معجزة ، وتسلية ، وتطمين قلوب المؤمنين ، واعتراض وجوابه ، من ثلاثة أوجه ، وصفة المعترض ، وصفة المسلم لحكم الله دينه .

فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس ، وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم ، بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن ، وهم اليهود والنصارى ، ومن أشبههم من المعترضين على أحكام الله وشرائعه ، وذلك أن المسلمين كانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس ، مدة مقامهم بمكة ، ثم بعد الهجرة إلى المدينة ، نحو سنة ونصف - لما لله تعالى في ذلك من الحكم التي سيشير إلى بعضها ، وكانت حكمته تقتضي أمرهم باستقبال الكعبة ، فأخبرهم أنه لا بد أن يقول السفهاء من الناس : { مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } وهي استقبال بيت المقدس ، أي : أيُّ شيء صرفهم عنه ؟ وفي ذلك الاعتراض على حكم الله وشرعه ، وفضله وإحسانه ، فسلاهم ، وأخبر بوقوعه ، وأنه إنما يقع ممن اتصف بالسفه ، قليل العقل ، والحلم ، والديانة ، فلا تبالوا بهم ، إذ قد علم مصدر هذا الكلام ، فالعاقل لا يبالي باعتراض السفيه ، ولا يلقي له ذهنه . ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله ، إلا سفيه جاهل معاند ، وأما الرشيد المؤمن العاقل ، فيتلقى أحكام ربه بالقبول ، والانقياد ، والتسليم كما قال تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } الآية ، { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } وقد كان في قوله { السفهاء } ما يغني عن رد قولهم ، وعدم المبالاة به .

ولكنه تعالى مع هذا لم يترك هذه الشبهة ، حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض ، فقال تعالى : { قُلْ } لهم مجيبا : { لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي : فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله ، ليس جهة من الجهات خارجة عن ملكه ، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم ، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله ، لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له ؟ فهذا يوجب التسليم لأمره ، بمجرد ذلك ، فكيف وهو من فضل الله عليكم ، وهدايته وإحسانه ، أن هداكم لذلك فالمعترض عليكم ، معترض على فضل الله ، حسدا لكم وبغيا .

ولما كان قوله : { يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } والمطلق يحمل على المقيد ، فإن الهداية والضلال ، لهما أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله ، وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية ، التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى كما قال تعالى : { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ } ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية ، ومنة الله عليها فقال :

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (142)

{ سيقول } ظاهره الإعلام بقولهم قبل وقوعه ، إلا أن ابن عباس قال نزلت بعد قولهم .

{ السفهاء } هنا اليهود أو المشركون أو المنافقون .

{ ما ولاهم } أي : ما ولى المسلمين .

{ عن قبلتهم } الأولى وهي بيت المقدس إلى الكعبة .

{ لله المشرق والمغرب } الآية : ردا عليهم لأن الله يحكم ما يريد ، ويولي عباده حيث شاء ، لأن الجهات كلها له .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (142)

ولما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض{[5300]} دعواهم أن الجنة خاصة بهم مع كونه فضولاً لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم جواز النسخ وكان إبطال الله تعالى لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم وتقريعهم به ملزوماً لأن يكونوا أباحوا لأنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو لا يسأل عما يفعل كانوا أسفه الناس فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القبلة وخفتهم بالاعتراض على ربهم فقال واصلاً له{[5301]} بما قبله على وجه أعم . { سيقول } إلى آخره ، لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم يتبعوهم فلا أقل من أن يكفوا عن عيبهم{[5302]} فكيف وهم عالمون{[5303]} بأنه الحق ! وقال : { السفهاء }{[5304]} ولم يقل : سيقولون ، إظهاراً للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر عواره{[5305]} لأهل كل دين{[5306]} والسفيه الذي يعمل بغير دليل ، إما بأن لا يلتفت إلى دليل فلا يتوقف إلى أن{[5307]} يلوح له بل يتبع هواه ، أو{[5308]} يرى غير الدليل دليلاً ، وأكد الوصف بالطيش بقوله : { من الناس } المأخوذ من النوس وهو التحرك ، دون أن يقول : من أهل الكتاب ، أو بني إسرائيل - و{[5309]}نحو ذلك تصريحاً بذمهم وتعميماً لكل من مالأهم على ذلك { ما ولاهم } ولم يقولوا{[5310]} : مَن ، زيادة في الأذى بالاحتقار { عن قبلتهم } . قال الحرالي : القبلة ما تجعل{[5311]} قبالة الوجه ، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه{[5312]} { التي كانوا عليها }{[5313]} أي بيت المقدس ، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضاً ليصير المعنى : إن كانوا انتقلوا{[5314]} عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا فهم في كل حال أتباع الهوى ؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحداً من الثابتي الإيمان ، كما قالوا فيما تقدم :{ كونوا هوداً أو نصارى }[ البقرة : 135 ] ونحوه علماً منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة ؛ ولذا جاء جوابهم بقوله{[5315]} : { قل } خالياً عن خطاب لا كما مضى في قوله :{ قل أتخذتم عند الله عهداً }[ البقرة : 80 ] { قل هاتوا برهانكم }[ البقرة : 111 ] ونحوه ؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة وجلائل الرسالة ؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء ، فكان منهم على وفق الخبر ؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك ؛ هذا مع توطئة{[5316]} لذلك فيما سلف في خمسة مواضع : تحريفهم لكلام الله ، وإيقاعه النسخ{[5317]} واستدلاله على حسن فعله ، وإخباره بظلم مانع المسجد ، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى ، وذكره بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى ؛ {[5318]}مع ما في ذلك من توطين نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة ، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته وأردّ{[5319]} لشغبه{[5320]} .

{[5321]}وتسميتهم سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم{ ألا إنهم هم السفهاء }[ البقرة : 13 ] ، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه من جهة أخرى وهو{[5322]} أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان ، أظهروا التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه ، وأيضاً فإذا كان المنافقون الذين أظهروا حسناً سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهراً وباطناً أسفه{[5323]} : وإلى قوله قريباً{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه }[ البقرة : 130 ] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة . وقال : { لله }{[5324]} أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلماً{[5325]} { المشرق والمغرب } مخصصاً لهما لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق .

ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه ، على{[5326]} أن من توجه إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه{[5327]} وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفاً بقوله{[5328]} معظماً لأهل{[5329]} الإسلام ومعرفاً بعنايته بهم{[5330]} : { يهدي إليه من يشاء } أي من عباده ، {[5331]}وعظم الكعبة بقوله{[5332]} : { إلى صراط المستقيم } في أي جهة كانت ، فمتى سلكه وصل{[5333]} إلى المقصود{[5334]} من غير ضلال ، ونكّره لأن المراد به جزئيات من الشريعة ؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت عليه " أل " {[5335]} من الكمال .


[5300]:في ظ: ينتقض
[5301]:ليس في مد
[5302]:في م و ظ: غيبتهم
[5303]:في متن م: يعلمون، وبهامشه: عالمون
[5304]:{السفهاء من الناس} هم اليهود {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} فقال الله {قل لله المشرق والمغرب} الآية {ومناسبة هذه الآية} لما قبلها أن اليهود والنصارى قالوا: إن إبراهيم ومن ذكر معه كانوا يهود أو نصارى، ذكروا ذلك طعنا في الإسلام، لأن النسخ عند اليهود باطل فقالوا: الانتقال عن قبلتنا باطل وسفه: فرد الله تعالى ذلك عليهم بقولهم: {قل لله المشرق والمغرب} الآية، فبين ما كان هداية وما كان سفها – البحر المحيط 1/ 419
[5305]:في م: عوراة
[5306]:العبارة من هنا إلى "دليلا" ليست في ظ
[5307]:يد في الأصل فقط "لا" ولم تكن الزيادة في بقية الأصول فحذفناها
[5308]:ي م: و
[5309]:في م: أو
[5310]:في ظ: لم يقل
[5311]:في م ومد و ظ: بجعل - كذا
[5312]:في م: عنه وفي البحر المحيط 1/ 6418: القبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان وهي من المقابلة، وقال قطرب: يقولون في كلامهم: ليس له قبلة، أي جهة يأوي إليها، وقال غيره: إذا تقابل ورجلان فكل واحد منهما قبلة لآخر
[5313]:العبارة من هنا إلى "اتباع الهوى" ليست في ظ
[5314]:في م: ينتقلوا
[5315]:زيد بعده في م ومد: استئنافا لجواب من يقول فما تقول: لهم إذا قالوا ذلك.
[5316]:في م: توطئته
[5317]:في ظ: لنسخ
[5318]:العبارة من هنا إلى "لشغبه" ليست في ظ
[5319]:في مد: واردا
[5320]:من م، وفي الأصل: لشعبه، وفي مد: سعيه.
[5321]:و{سيقول} ظاهر في الاستقبال وأنه إخبار من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه يصدر منهم هذا القول في المستقبل وذلك قبل أن يؤمروا باستقبال الكعبة ، وتكون هذه الآية متقدمة في النزول على الآية المتضمنة الأمر باستقبال الكعبة، فتكون من باب الإخبار بالشيء قبل وقوعه، ليكون ذلك معجزا إذ هو إخبار بالغيب ولتتوطن النفس على ما يرد من الأعداء وتستعد له فيكون أقل تأثيرا منه إذ فاجأ ولم يتقدم به علم، وليكون الجواب مستعدا لمنكر ذلك وهو قوله: {فلله المشرق والمغرب} وإلى هذا القول ذهب الزمخشري وغيره، وذهب قوم إلى أنها متقدمة في التلاوة متأخرة في النزول وأنه نزل {قد نرى تقلب وجهك} الآية، قم نزل {سيقول السفهاء من الناس} نص على ذلك ابن عباس وغيره – البحر المحيط 1/ 419.
[5322]:في ظ: هم
[5323]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: والسفه أصله الخفة يوصف به الجماد، قالوا: ثوب سفيه أي خفيف النسخ والهلهة، ورمح سفيه أي خفيف سريع النفوذ، ويوصف به الحيوانات غير الناس، فلو اقتصر لاحتمل الناس وغيرهم، لأن القول ينسب إلى الناس حقيقة وإلى غيرهم مجازا، فارتفع المجاز بقوله: {من الناس} البحر المحيط 1/ 420
[5324]:ليست في ظ
[5325]:ليست في ظ
[5326]:ليس في م، وفي مد: علم
[5327]:في ظ: برضاه
[5328]:العبارة من هنا إلى "بهم" ليست في ظ.
[5329]:في م: باهل
[5330]:قال المهائمي: {لله المشرق والمغرب} أي الجهات كلها، فله أن يولي عباده إلى أي جهة شاء لينضبط بها ظاهرهم فينضبط باطنهم لعلاقة بينهما مع اجتماع الخلائق إلى جهة واحدة ليتفق بواطنهم في استفاضة الأنوار وله أثر عظيم، لذلك شرعت الجماعة في الصلاة ليتفق أهل محلة ووجبت في الجمعة ليتفق أهل بلد ووجب الحج ليتفق أهل الآفاق، ولا يتأتى تعيين الجهة إلا بأمر سماوي فحص إبراهيم عليه السلام بأكمل الجهات وهي الكعبة لأنها المبدأ الترابي للإنسان إذ بسطت الأرض من تحتها فإذا توجه إليه الظاهر توجه الباطن إلى مبدئية جناب الحق، وقد كان فيها الدرة المحمدية أجابت الحق من الأرض وما قابلها من السماء {إذ قال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} ثم جعلت لليهود صخرة بيت المقدس لأن منها عروج بعض الأنبياء إلى السماء، فالتوجه إليها مشعر بمعراج الصلاة، ثم جعلتا لمحمد صلى الله عليه وسلم ليكون جامعا فجعلت له الكعبة أولا لكمال نشأته، ثم جعلت له الصخرة بعد تحقق معراجه ليزداد عروجا حين تحول إلى المدينة فصلى إليها ستة عشر شهرا يتألف بها اليهود، ثم عاد إلى الكعبة لأن النهاية في الرجوع إلى البداية فكانت غاية الكمال لأن توجه الظاهر إليها لما استلزم توجه الباطن إلى الحق لم يكن ثمة مسافة والمعراج يشعر بالمسافة وهي إنما تعتبر في حق البعداء فلذلك قال عز وجل {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.
[5331]:ليست في ظ
[5332]:ليست في ظ
[5333]:ليست في ظ
[5334]:ليست في ظ
[5335]:في م: إلى