تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا} (31)

{ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا }

وهذا من فضل الله وإحسانه على عباده المؤمنين وعدهم أنهم إذا اجتنبوا كبائر المنهيات غفر لهم جميع الذنوب والسيئات وأدخلهم مدخلا كريما كثير الخير وهو الجنة المشتملة على ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

ويدخل في اجتناب الكبائر فعل الفرائض التي يكون تاركها مرتكبا كبيرة ، كالصلوات الخمس ، والجمعة ، وصوم رمضان ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " .

وأحسن ما حُدت به الكبائر ، أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا ، أو وعيد في الآخرة ، أو نفي إيمان ، أو ترتيب لعنة ، أو غضب عليه .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا} (31)

{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } اختلف الناس في الكبائر ما هي ، فقال ابن عباس : الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب ، وقال ابن مسعود الكبائر هي الذنوب المذكورة من أول هذه السورة إلى أول هذه الآية ، وقال بعض العلماء : كل ما عصى الله به ، فهو كبيرة ، وعدها بعضهم سبعة عشر ، وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم : " اتقوا السبع الموبقات : الإشراك بالله والسحر ، وقتل النفس ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات " ، فلا شك أن هذه من الكبائر للنص عليها في الحديث ، وزاد بعضهم عليها أشياء ، وورد في الأحاديث النص على أنها كبائر ، وورد في القرآن أو في الحديث وعيد عليها ، فمنها عقوق الوالدين ، وشهادة الزور ، واليمين الغموس والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، والنهبة ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله ، ومنع ابن السبيل الماء والإلحاد في البيت الحرام ، والنميمة ، وترك التحرز من البول والغلول واستطالة المرء في عرض أخيه ، والجور في الحكم .

{ نكفر عنكم سيئاتكم } وعد بغفران الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر { مدخلا كريما } اسم مكان وهو هنا الجنة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا} (31)

ولما بين تعالى ما لفاعل{[21252]} ذلك تحذيراً ، وكان قد تقدم جملة{[21253]} من الكبائر ، أتبعه ما للمنتهي تبشيراً{[21254]} جواباً لمن كأنه قال : هذا للفاعل فما للمجتنب ؟ فقال على وجه عام : { إن تجتنبوا } أي تجهدوا أنفسكم بالقصد الصالح في أن تتركوا تركاً عظيماً وتباعدوا { كبائر ما تنهون عنه } أي من أكل المال والقتل بالباطل والزنى وغير ذلك مما تقدم روى البزار - قال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح - عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أنه سئل عن الكبائر فقال : ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين قال الأصبهاني : وكل ذنب عظم الشرع{[21255]} الوعيد عليه بالعذاب وشدده{[21256]} ، أو عظم ضرره في الخمس الضرورية : حفظ الدين والنفس والنسب والعقل والمال ، فهو كبيرة ، وما عداه صغيرة { نكفر عنكم سيئاتكم } أي التي هي دون الكبائر كلها ، فإن ارتكبتم شيئاً من الكبائر وأتيتم بالمكفرات من الصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان والحج ، أو فرطتم في شيء منها فمنَّ الله عليكم بأن أتاكم بالمرض ؛ كفر ذلك المأتي به الصغائر ، ولم يقاوم تلك الكبيرة فلم يكفر جميع السيئات ، لعدم إتيانه على تلك الكبيرة { وندخلكم مدخلاً كريماً * } أي يجمع الشرف والعمل والجود وكل معنى حسن ، ومن فاته جميع ذلك لم يكفر عنه سيئاته ، ولم يدخله هذا المدخل ، ويكفي في انتفائه{[21257]} حصول القصاص في وقت ما ؛ وقال الإمام أحمد : المسلمون كلهم في الجنة - لهذه{[21258]} الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم

" ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " فالله تعالى يغفر ما دون الكبائر ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر ، فأي ذنب على المسلمين ! ذكره عنه الأصبهاني ، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس رضي الله عنه .


[21252]:في ظ: لفعل ـ كذا.
[21253]:في ظ: حمله، وفي مد: حملة.
[21254]:من ظ ومد، وفي الأصل: بشيرا.
[21255]:من ظ ومد، وفي الأصل: السرع.
[21256]:من ظ ومد، وفي الأصل: سدده.
[21257]:في ظ: ابتغايه.
[21258]:في ظ: بهذه.