يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال ، فمن يهده ، فييسره لليسرى ويجنبه العسرى ، فهو المهتدي على الحقيقة ، ومن يضلله ، فيخذله ، ويكله إلى نفسه ، فلا هادي له من دون الله ، وليس له ولي ينصره من عذاب الله ، حين يحشرهم الله على وجوههم خزيًا عميًا وبكمًا ، لا يبصرون ولا ينطقون .
{ مَأْوَاهُمْ } أي : مقرهم ودارهم { جَهَنَّمُ } التي جمعت كل هم وغم وعذاب .
{ كُلَّمَا خَبَتْ } أي : تهيأت للانطفاء { زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } أي : سعرناها بهم لا يفتر عنهم العذاب ، ولا يقضى عليهم فيموتوا ، ولا يخفف عنهم من عذابها ، ولم يظلمهم الله تعالى ، بل جازاهم بما كفروا بآياته وأنكروا البعث الذي أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب وعجزوا ربهم وأنكروا تمام قدرته .
قوله تعالى : " ومن يهد الله فهو المهتدي " أي لو هداهم الله لاهتدوا . " ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه " أي لا يهديهم أحد . " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم " فيه وجهان : أحدهما : أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم ، من قول العرب : قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا . الثاني : أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه . وهذا هو الصحيح ؛ لحديث أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، الذين يحشرون على وجوههم ، أيحشر الكافر على وجهه ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أليس الذي أمشاه على الرجلين قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ) : قال قتادة حين بلغه : بلى وعزة ربنا . أخرجه البخاري ومسلم . وحسبك . " عميا وبكما وصما " قال ابن عباس والحسن : أي عمي عما يسرهم ، بكم عن التكلم بحجة ، صم عما ينفعهم ، وعلى هذا القول حواسهم باقية على ما كانت عليه . وقيل : إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها ؛ ليكون ذلك زيادة في عذابهم ، ثم يخلق ذلك لهم في النار ، فأبصروا ؛ لقوله تعالى : " ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها{[10390]} " [ الكهف : 53 ] ، وتكلموا ، لقوله تعالى : " دعوا هنالك ثبورا{[10391]} " [ الفرقان : 13 ] ، وسمعوا ؛ لقوله تعالى : " سمعوا لها تغيظا وزفيرا{[10392]} " [ الفرقان : 12 ] . وقال مقاتل بن سليمان : إذا قيل لهم " اخسؤوا فيها ولا تكلمون{[10393]} " [ المؤمنون : 108 ] صاروا عميا لا يبصرون صما لا يسمعون بكما لا يفقهون . وقيل : عموا حين دخلوا النار لشدة سوادها ، وانقطع كلامهم حين قيل لهم : اخسؤوا فيها ولا تكلمون . وذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلم يسمعوا شيئا . " مأواهم جهنم " أي مستقرهم ومقامهم . " كلما خبت " أي سكنت ، عن الضحاك وغيره . مجاهد طفئت . يقال : خبت النار تخبو خبوا أي طفئت ، وأخبيتها أنا . " زدناهم سعيرا " أي نار تتلهب . وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم من عذابهم . وقيل : إذا أرادت أن تخبو . كقوله : " وإذا قرأت القرآن{[10394]} " [ الإسراء : 45 ] .
قوله تعالى : { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } ذلك كلام مبتدأ من الله وفيه تسلية لرسول الله ( ص ) . والمعنى : أن المهتدي من أوتي سلامة الفطرة وحُسْن الاستعداد ؛ فإنه يهتدي بتوفيق الله للحق . وأما الضال : فهو ذو استعداد قبيح وطبيعة سيئة متلبسة بالزيغ والعوج ، فما يختار هذا إلا الكفر والعصيان والإدبار عن منهج الله وطاعته .
وهؤلاء الضالون الزائغون عن الحق ليس لهم من أحد يهديهم وهو قوله سبحانه : ( فلن تجد لهم أولياء من دونه ) أي لن يكون لهؤلاء الجاحدين أنصارا أو أعوانا ينقذونهم من الضلالة والخسران إن كان الله قد علم أنهم لا يبتغون إلا الضلال ، فأضلهم .
قوله : ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ) ( على وجوههم ) ، في موضع نصب على الحال من المفعول ؛ أي كائنين مسحوبين على وجوههم . و ( عميا ) ، حال ثانية{[2751]} ، والبكم ، من البكم بالتحريك بمعنى الخرس . والبكم جمع أبكم وهو الأخرس ، أو الذي يولد ولا ينطق ولا يسمع ولا يبصر{[2752]} . يتوعد الله هؤلاء المشركين الجاحدين ويتهددهم بأهوال يوم القيامة حيث الدواهي والشدائد بدءا بعذاب القبر . ومرورا بالذعر والإياس والزحام والاصطلاء الشديد تحت الشمس . وفي وصف ذلك يقول سبحانه : ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ) أي يساقون بعد قيامهم من قبورهم إلى المحشر ؛ إذ يزحفون على وجوههم زحفا ، وهم عمي لا يرون ، وخرس لا ينطقون ، وصم لا يسمعون . فياله من منظر فظيع ، وصورة مريعة بئيسة تستبين من خلالها حال المجرمين الخاسرين يوم القيامة .
وفي حال الكافرين الخاسرين يوم القيامة وما يحيط بهم حينئذ من عظائم الأمور أخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف مشاة ، وصنف ركبان ، وصنف على وجوههم " قيل : يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم ؟ قال : " إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " .
وأخرج أحمد والنسائي والترمذي عن معاوية بن حيدة قال : قال رسول الله ( ص ) : " إنكم تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم " . وأخرج أحمد والنسائي والحاكم عن أبي ذر قال : حدثني الصادق المصدوق ( ص ) : " إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج ، فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم " .
قوله : ( مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ) خبت النار تخبو ، أي سكن لهيبها أو طفئ . {[2753]} والمعنى : أن هؤلاء الجاحدين الناكبين عن منهج الله مستقرهم جهنم ، بلهيبها المتأجج المستعر . وهي ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) أي كلما سكن لهيبها بأن فنيت جلودهم وأبدانهم من الحريق ولم يبق منها ما تحرقه النار ، أعادهم الله على ما كانوا عليه ؛ لتتوقد بهم النار وتستعر{[2754]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.