تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ} (130)

{ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } الواضحات البينات ، التي فيها تفاصيل الأمر والنهي ، والخير والشر ، والوعد والوعيد .

{ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } ويعلمونكم أن النجاة فيه ، والفوز إنما هو بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه ، وأن الشقاء والخسران في تضييع ذلك ، فأقروا بذلك واعترفوا ، ف { قالوا } بلى { شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بزينتها وزخرفها ، ونعيمها فاطمأنوا بها ورضوا ، وألهتهم عن الآخرة ، { وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ } فقامت عليهم حجة الله ، وعلم حينئذ كل أحد ، حتى هم بأنفسهم عدل الله فيهم ، فقال لهم : حاكما عليهم بالعذاب الأليم : { ادْخُلُوا فِي } جملة { أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ } صنعوا كصنيعكم ، واستمتعوا بخلاقهم كما استمعتم ، وخاضوا بالباطل كما خضتم ، إنهم كانوا خاسرين ، أي : الأولون من هؤلاء والآخرون ، وأي خسران أعظم من خسران جنات النعيم ، وحرمان جوار أكرم الأكرمين ؟ ! ولكنهم وإن اشتركوا في الخسران ، فإنهم يتفاوتون في مقداره تفاوتا عظيما .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ} (130)

قوله تعالى : " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم " أي يوم نحشرهم نقول لهم{[6718]} ألم يأتكم رسل فحذف ، فيعترفون بما فيه افتضاحهم . ومعنى " منكم " في الخلق والتكليف والمخاطبة . ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال : " منكم " وإن كانت الرسل من الإنس وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث . وقال ابن عباس : رسل الجن هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي ، كما قال : " ولوا إلى قومهم منذرين{[6719]} " [ الأحقاف : 29 ] . وقال مقاتل والضحاك : أرسل الله رسلا من الجن كما أرسل من الإنس . وقال مجاهد : الرسل من الإنس ، والنذر من الجن ، ثم قرأ " إلى قومهم منذرين{[6720]} " [ الأحقاف : 29 ] . وهو معنى قول ابن عباس ، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في " الأحقاف " {[6721]} . وقال الكلبي{[6722]} : كانت الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الإنس والجن جميعا .

قلت : وهذا لا يصح ، بل في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود ) الحديث . على ما يأتي بيانه في " الأحقاف " . وقال ابن عباس : كانت الرسل تبعث إلى الإنس وإن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس ، ذكره أبو الليث السمرقندي . وقيل : كان قوم من الجن : استمعوا إلى الأنبياء ثم عادوا إلى قومهم وأخبروهم ، كالحال مع نبينا عليه السلام . فيقال لهم رسل الله ، وإن لم ينص على إرسالهم . وفي التنزيل : " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان{[6723]} " [ الرحمن : 22 ] أي من أحدهما ، وإنما يخرج من الملح دون العذب ، فكذلك الرسل من الإنس دون الجن ، فمعنى " منكم " أي من أحدكم . وكان هذا جائزا ؛ لأن ذكرهما سبق . وقيل : إنما صير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع ؛ لأن الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة ، والحساب عليهم دون الخلق ، فلما صاروا في تلك العرصة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة ؛ لأن بدء خلقهم للعبودية ، والثواب والعقاب على العبودية ، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار ، وأصلنا من تراب ، وخلقهم غير خلقنا ، فمنهم مؤمن وكافر . وعدونا إبليس عدوهم ، يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم . وفيهم أهواء : شيعة وقدرية ومرجئة يتلون كتابنا . وقد وصف الله عنهم في سورة " الجن " من قوله : " وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون " [ الجن : 14 ] . " وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا " {[6724]} [ الجن : 11 ] على ما يأتي بيانه هناك . " يقصون " في موضع رفع نعت لرسل . " قالوا شهدنا على أنفسنا " أي شهدنا أنهم بلغوا . " وغرتهم الحياة الدنيا " قيل : هذا خطاب من الله للمؤمنين ، أي أن هؤلاء قد غرتهم الحياة الدنيا ، أي خدعتهم وظنوا أنها تدوم ، وخافوا زوالها عنهم إن آمنوا . " وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين " أي اعترفوا بكفرهم . قال مقاتل : هذا حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك وبما كانوا يعملون{[6725]} .


[6718]:من ك.
[6719]:راجع ج 16 ص 210.
[6720]:راجع ج 16 ص 210.
[6721]:راجع ج 16 ص 210.
[6722]:في ك: قال مقاتل: وهو معنى الخ.
[6723]:راجع ج 17 ص 161.
[6724]:راجع ج 19 ص 14.
[6725]:من ك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ} (130)

قوله : { يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ءايتي وينذروكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحيوة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين } .

شرع بعد ذلك في تقريع المعشرين ( الإنس والجن ) وتوبيخهم بسبب تفريطهم وإجرامهم في حق أنفسهم وحق الآخرين . ومثل هذا التوبيخ والتقريع إلى جملة التنكيل الذي سيلاقيه المفرطون العصاة من الإنس والجن . فقال سبحانه : { يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ءايتي } .

هذا قول الله للكافرين من الإنس والجن يوم القيامة موبخا لهم توبيخا : ألم أبعث إليكم رسلي يخبرونكم بما أوحي إليهم مما فيه تنبيهكم وإرشادكم وتفصيل الدلائل والحجج لكم على توحيدي وصدق أنبيائي ولزوم ائتماركم بأوامري والانتهاء إلى حدودي ؟

لكن هل التأويل اختلفوا في الجن هل أرسل منهم إليهم مرسلون أم لا ؟ فقد قيل : أرسل الله من الجن رسلا كما أرسل من الإنس ، استدلالا بهذه الآية . وقيل : لم يرسل الله من الجن رسلا إليهم ولم يكن منهم قط رسول . وإنما الرسل من الإنس خاصة . أما الجن فمنهم النذر ، بدليل قوله تعالى عن الجن : { ولوا إلى قومهم منذرين } وذهب إلى هذا ابن عباس . وقالوا في تأويل قوله : { ألم يأتكم رسل } إن المراد كون الرسل من أحد الفريقين كما قال سبحانه : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الماء الملح دون العذب منهما . وإنما المعنى أنه يخرج من بعضهما أو من أحدهما .

قوله : { وينذروكم لقاء يومكم هذا } أي أرسل الله المرسلين إلى معشر الجن والإنس ليخوفوهم من أهوال هذا اليوم العصيب . اليوم الذي يحشرون فيه إلى ربهم فيجدون فيه من البلايا والويلات ما ليس له في نوائب الدنيا نظير .

قوله : { قالوا شهدنا على أنفسنا } هذه شهادة الظالمين على أنفسهم يوم القيامة من غير زيغ أو إنكار أو دوران . وإنما الاعتراف الواضح المكشوف بجيئة المرسلين إليهم وتبليغهم إياهم دعوة ولزوم التصديق والائتمار بأوامر الله .

قوله : { وغرتهم الحيوة الدنيا } هذا خطاب من الله للمؤمنين . وهو أن هؤلاء الظالمين الناكبين عن صراط الله ، المجانبين لمنهجه الرباني الكامل ، كانوا قد غرتهم – أي خدعتهم الحياة الدنيا بكل ما في العبارة ( الحياة الدنيا ) من مضامين . والحياة الدنيا حافلة باللذات والغوايات والمباهج وغير ذلك من خسائس الحياة العاجلة التي تمر مرور الأطياف والآفلين سراعا . وهذه الدنيا بالرغم من هوانها و حقارتها وزرايتها في نظر المؤمن المتدبر الحريص ، فإنها شركا للغافلين من شرار الناس الذين خدعتهم الحياة خداعا فسقطوا في أرجاسها وأدناسها ومعايبها التي استغلتهم وجنحت بهم عن دين الله جنوحا مغاليا فباؤوا بذلك بالخسران ليكونوا يوم القيامة من أصحاب الجحيم .

قوله : { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين } هذا إقرار من الكافرين الذين أغوتهم الشياطين – على أنفسهم بأنهم كانوا في الدنيا كافرين . يقولون مقالتهم هذه في صراحة منطوقة لا خفية ولا مخبوءة . وإنما هو الاعتراف العجيب في مثل هذا الموقف المرعب المشهود بما يكشف عن هول ما يطوق هؤلاء الخاسرين من الحسرة والندامة والإياس ثم ليصروا بعد ذلك إلى النار{[1280]} .


[1280]:- تفسير الطبري ج 8 ص 27- 28 وروح المعاني ج 8 ص 28 وتفسير القرطبي ج 7 ص 87.