{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ } أي : على سرير الملك ، ومجلس العزيز ، { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا } أي : أبوه ، وأمه وإخوته ، سجودا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام ، { وَقَالَ } لما رأى هذه الحال ، ورأى سجودهم له : { يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ } حين رأي أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين ، فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت { قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } فلم يجعلها أضغاث أحلام .
{ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي } إحسانا جسيما { إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ } وهذا من لطفه وحسن خطابه عليه السلام ، حيث ذكر حاله في السجن ، ولم يذكر حاله في الجب ، لتمام عفوه عن إخوته ، وأنه لا يذكر ذلك الذنب ، وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله إلي .
فلم يقل : جاء بكم من الجوع والنصب ، ولا قال : " أحسن بكم " بل قال { أَحْسَنَ بِي } جعل الإحسان عائدا إليه ، فتبارك من يختص برحمته من يشاء من عباده ، ويهب لهم من لدنه رحمة إنه هو الوهاب . { مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } فلم يقل " نزغ الشيطان إخوتي " بل كأن الذنب والجهل ، صدر من الطرفين ، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودحره ، وجمعنا بعد تلك الفرقة الشاقة .
{ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ } يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر ، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها ، { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها ، وسرائر العباد وضمائرهم ، { الْحَكِيمُ } في وضعه الأشياء مواضعها ، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها .
{ ورفع أبويه على العرش } أجلسهما على السرير { وخروا له سجدا } سجدوا
100 104 ليوسف سجدة التحية وهو الانحناء { وقد أحسن بي } إلي { إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو } وهو البسيط من الأرض وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش وبرية { من بعد أن نزغ الشيطان } أفسد { بيني وبين إخوتي } بالحسد { إن ربي لطيف لما يشاء } عالم بدقائق الأمور { إنه هو العليم } بخلقه { الحكيم } فيهم بما شاء
ولما ذكر الأمن الذي هو ملاك العافية{[42746]} التي بها لذة العيش ، أتبعه الرفعة التي بها كمال النعيم ، فقال : { ورفع أبويه } أي بعدما استقرت بهم الدار بدخول مصر مستويين{[42747]} { على العرش } أي السرير الرفيع ؛ قال الرماني : أصله الرفع . { وخروا } أي انحطوا { له سجداً } الأبوان والإخوة تحقيقاً لرؤياه{[42748]} ممن هو غالب على كل أمر ، والسجود -{[42749]} وأصله{[42750]} : الخضوع والتذلل - كان مباحاً في تلك الأزمنة{[42751]} { وقال } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { ياأبت } ملذذاً له بالخطاب بالأبوة { هذا } أي الذي وقع من السجود { تأويل رؤياي } التي رأيتها ، ودل على قصر{[42752]} الزمن الذي{[42753]} رآها فيه بالجار فقال : { من قبل } ثم استأنف قوله : { قد جعلها ربي } أي{[42754]} الذي رباني بما أوصلني إليها { حقاً } أي بمطابقة{[42755]} الواقع لتأويلها ، وتأويل ما أخبرتني به أنت تحقق أيضاً{[42756]} من اجتبائي وتعليمي وإتمام النعمة عليّ ؛ والتأويل : تفسير بما يؤول إليه معنى الكلام ؛ وعن سلمان رضي الله عنه أن ما بين تأويلها ورؤياها أربعون سنة{[42757]} . { وقد أحسن } أي أوقع إحسانه { بي } تصديقاً لما{[42758]} بشرتني به من إتمام النعمة ، وتعدية { أحسن } بالباء أدل على القرب من المحسن من التعدية ب " إلى " وعبر بقوله{[42759]} : { إذا أخرجني من السجن } معرضاً عن لفظ " الجب " حذراً من إيحاش إخوته مع أن اللفظ يحتمله احتمالاً{[42760]} خفياً { وجاء بكم } وقيل{[42761]} : إنهم كانوا أهل عمد{[42762]} وأصحاب مواش ، يتنقلون في المياه والمناجع ، فلذلك قال : { من البدو } من أطراف بادية فلسطين ، وذلك من أكبر النعم كما ورد في الحديث " من يرد الله به خيراً ينقله من البادية إلى الحاضرة {[42763]} " والبدو : بسيط من الأرض يرى فيه الشخص من بعيد ، وأصله من الظهور ، وأنس إخوته أيضاً بقوله مثبتاً الجار لأن مجيئهم في بعض أزمان البعد : { من بعد أن نزغ } عبر بالماضي ليفهم أنه انقضى { الشيطان } أي أفسد البعيد المحترق بوسوسته التي هي كالنخس { بيني وبين إخوتي } حيث قسم النزغ بينه وبينهم ولم يفضل أحداً من الفريقين فيه ، {[42764]} ولم يثبت الجار إشارة إلى عموم الإفساد للبنين{[42765]} ، كل ذلك إشارة إلى تحقق{[42766]} ما بشر به يعقوب عليه الصلاة والسلام من إتمام النعمة وكمال العلم{[42767]} والحكمة ؛ ثم علل الإحسان إليهم أجمعين بقوله : { إن ربي } أي المحسن إليّ على وجوه فيها خفاء { لطيف } - أي يعلم دقائق{[42768]} المصالح وغوامضها ، ثم يسلك - في إيصالها إلى{[42769]} المستصلح - سبيل الرفق دون العنف ، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك فهو اللطيف - قاله الرازي في اللوامع .
وهو سبحانه فاعل اللطف في تدبيره ورحمته { لما يشاء } لا يعسر عليه أمر ؛ ثم علل هذه العلة بقوله : { إنه هو } أي وحده { العليم } أي البليغ العلم للدقائق والجلائل { الحكيم * } أي البليغ الإتقان لما يصنعه طبق ما ختم به يعقوب عليه الصلاة والسلام بشراه في أول السورة ، أي هو منفرد بالاتصاف بذلك لا يدانيه{[42770]} أحد في علم ليتعرض إلى أبطال ما يقيمه من الأسباب ، ولا في حكمة ليتوقع الخلل{[42771]} في شيء منها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.