فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الإخلاص{[1]} {[2]}

ولها أسماء كثيرة ذكرها الخطيب ، وزيادة أسماء تدل على شرف المسمى ، وهذه السورة مصرحة بالتوحيد ، رادة على عبادة الأصنام والأوثان والقائلين بالثنوية والتثليث ، هي أربع أو خمس آيات ، وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر ، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي .

عن أبيّ بن كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا محمد ، انسب لنا ربك ، فأنزل الله { قل هو الله أحد } الخ " ليس شيء يولد إلا سيموت ، وليس شيء يموت إلا سيورث ، وأن الله لا يموت ولا يورث ، ولم يكن له شبيه ولا عدل ، وليس كمثله شيء " . رواه أحمد والبخاري في تاريخه وابن خزيمة والحاكم وصححه وغيرهم ، ورواه الترمذي من طريق أخرى عن أبي العالية مرسلا ، ولم يذكر أبيا ، ثم قال : وهذا أصح .

وعن جابر قال : " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : انسب لنا ربك ، فأنزل الله { قل هو الله } إلى آخر السورة . أخرجه الطبراني والبيهقي وأبو نعيم وغيرهم ، وحسن السيوطي إسناده .

وعن ابن مسعود قال : " قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انسب لنا ربك ، فنزلت هذه السورة " أخرجه أبو الشيخ في العظمة والطبراني .

وعن ابن عباس " أن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، منهم كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، فقالوا : يا محمد ، صف لنا ربك الذي بعثك ، فأنزل الله { قل هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد } فيخرج من الولد { ولم يولد } فيخرج من شيء " رواه البيهقي وغيره .

وعن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " من قرأ { قل هو الله أحد } فكأنما قرأ ثلث القرآن " أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما{[3]} .

وعن أنس قال : " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أحب هذه السورة { قل هو الله أحد } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حبك إياها أدخلك الجنة " ، رواه أحمد والترمذي وابن الضريس والبيهقي في سننه .

وقد وردت أحاديث كثيرة في أن من قرأ هذه السورة كذا غفر له ذنوب كذا وكذا ، وهي في السنن وغيرها ، ولكنها ضعيفة غريبة ، وفيها من هو متهم بالوضع ، وقد روي من غير وجه أنها تعدل ثلث القرآن ، وفيها ما هو صحيح ، وفيها ما هو حسن .

فمن ذلك ما أخرجه أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ، يعني { قل هو الله أحد } " قيل : ولاشتمال هذه السورة مع قصرها على جميع المعارف الإلهية ، والرد على من ألحد فيها ، جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن . فإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص . وما في الكشاف من أنها تعدل القرآن كله ، قال الدواني : لم أره في شيء من كتب التفسير والحديث . انتهى .

ولو لم يرد في فضل هذه السورة إلا حديث عائشة عند البخاري ومسلم وغيرهما " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث رجلا في سرية ، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب{ قل هو الله أحد } ، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " سلوه : لأي شيء يصنع ذلك " ؟ فسألوه فقال : لأنها صفة الرحمان ، وأنا أحب أن أقرأ بها ، فقال : " أخبروه أن الله تعالى يحبه " .

هذا لفظ البخاري في كتاب التوحيد ، وأخرج البخاري أيضا في كتاب الصلاة من حديث أنس قال : " كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، فكان كلما افتتح سورة فقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به ، افتتح ب{ قل هو الله أحد } حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة ، فكلمه أصحابه فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة ، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بالأخرى ، فإما أن تقرأ بها ، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى ، قال : ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت ، وإن كرهتم تركتم . وكانوا يرون أنه من أفضلهم ، فكرهوا أن يؤمهم غيره ، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبروه الخبر ، فقال : " يا فلان ، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ؟ وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ " فقال : إني أحبها . قال : " حبك إياها أدخلك الجنة " .

وقد روي بهذا اللفظ من غير وجه عند غير البخاري .

وهذه السورة قد تجردت للتوحيد والصفات ، وفيه دليل على شرف علم التوحيد ، وكيف لا والعلم يشرف بشرف المعلوم ، ويتضع بضعته ، ومعلوم هذا العلم هو الله سبحانه وصفاته ، وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه ، فما ظنك بشرف منزلته ، وجلالة محله .

وفي التوحيد وصفاته سبحانه كتب ورسائل مستقلة مفرزة تصدى لجمعها وتأليفها عصابة من أهل العلم بالكتاب العزيز والسنة المطهرة ، منهم شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ، وتلميذه الحافظ محمد بن أبي بكر بن القيم ، وغيرهما من سلف الأئمة وخلفها كالمقريزي ، والشوكاني ، ومحمد بن إسماعيل الأمير اليماني ، ومحمد بن إسماعيل الذهلوي ، وأمثالهم ، رحمنا الله وإياهم أجمعين . اللهم اجعلنا من الموحدين إياك ، واحشرنا في زمرة العالمين بك ، العاملين لك ، الراجين لثوابك ، الخائفين من عقابك ، المكرمين بلقائك ، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ قل هو الله أحد } الضمير يجوز أن يكون عائدا إلى ما يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول ، وأن المشركين قالوا : يا محمد ، انسب لنا ربك . فيكون مبتدأ ، والله مبتدأ ثان ، وأحد خبر المبتدأ الثاني ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، ويجوز أن يكون الله بدلا من هو ، والخبر أحد ، ويجوز أن يكون الله خبرا أول ، وأحد خبرا ثانيا ، ويجوز أن يكون أحد خبرا لمبتدأ محذوف ، أي هو أحد ، ويجوز أن يكون هو ضمير شأن ؛ لأنه موضع تعظيم ، والجملة بعده مفسرة له ، وخبر عنه ، والأول أولى .

قال الزجاج : هو كناية عن ذكر الله ، والمعنى أن ما سألتم تبيين نسبته هو الله أحد ، قيل : وهمزة أحد بدل من الواو ، وأصله واحد ، ومن جملة القائلين بالقلب الخليل ، وقال أبو البقاء : همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة ، وذكر أن أحد يفيد العموم دون واحد .

ومما يفيد الفرق بينهم ما قاله الأزهري : إنه لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى ، لا يقال : رجل أحد ، ولا درهم أحد كما يقال : رجل واحد ، ودرهم واحد : قيل : والواحد يدخل في الأحد ، والأحد لا يدخل فيه ، فإذا قلت : لا يقاومه واحد ، جاز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان ، بخلاف قولك : لا يقاومه أحد .

وفرق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد ، وأحد لا يدخل فيه ، ورد عليه أبو حيان بأنه يقال : أحد وعشرون ونحوه فقد دخله العدد ، وهذا كما ترى . انتهى .

وذكر أحد في الإثبات ، مع أن المشهور أنه يستعمل بعد النفي ، كما أن الواحد لا يستعمل إلا بعد الإثبات ، يقال : في الدار واحد ، وما في الدار أحد .

فالجواب عنه ما قال ابن عباس : إنه لا فرق بينهما في المعنى ، واختاره أبو عبيدة ، ويؤيده قوله تعالى :{ فابعثوا أحدكم بورقكم } ، وعليه فلا يختص أحدهما بمحل دون آخر ، وإن اشتهر استعمال أحدهما في النفي والآخر في الإثبات .

ويجوز أن يكون العدول عن المشهور هنا رعاية الفاصلة بعد ، فدلّ بقوله { الله } على جميع صفات الكمال ، وهي الثبوتية كالعلم والقدرة والإرادة ، وبالأحد على صفات الجلال ، وهي الصفات السلبية كالقدم والبقاء ، كذا قال الكرخي .

قرأ الجمهور { قل هو الله } بإثبات ( قل ) ، وقرأ ابن مسعود وأبيّ { الله أحد } بدون ( قل ) ، وقرئ ( قل هو الله الواحد ) ، وقرأ الجمهور بتنوين { أحد } ، وهو الأصل ، وقرئ بحذفه للخفة ، وقيل : إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف ، فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين ، ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأول منهما بالكسر .


[1]:ثم بفتح الثاء أي هناك.
[2]:- أين هذا الحديث: من رواه؟ من أخرجه؟ لم نجده في أي كتاب لدينا.
[3]:- الترمذي كتاب التفسير الباب الأول بلفظ: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ.