فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (4)

{ يغفر لكم من ذنوبكم } هذا جواب الأوامر الثلاثة ، " ومن " للتبعيض أي بعض ذنوبكم وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته ، وقبل المراد بالبعض ما لا يتعلق بحقوق العباد ، فإنها لا تغفر بالإسلام ، وهذا كلام ظاهري إذ الحق أنها تغفر من حيث المؤاخذة الأخروية بمعنى أنهم لا يعاقبون عليها في الآخرة ، وإن كانت من حيث المؤاخذة عليها في الدنيا لا تغفر ، فيطالب الكافر إذا اسلم بالحدود كحد القذف وبالمال الذي ظلم به في الكفر تأمل .

وقيل هي لبيان الجنس ، وقيل زائدة قاله السدي فإن الإسلام يغفر ما قبله ، وهذا على رأي الأخفش الذي لا يشترط في زيادتها تقدم نفي ولا تنكير المجرور بها ، والأولى هو الوجه الأول وقيل يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها .

{ ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى المعلوم المعين الذي قدره الله لكم لا يزيد ولا ينقص بشرط الإيمان والطاعة فوق ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان ، وقيل التأخير بمعنى البركة في أعمارهم إن آمنوا ، وعدم البركة فيها إن لم يؤمنوا ، قال مقاتل : يؤخركم على منتهى آجالكم ، وقال الزجاج : أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب ، فالمؤخر إنما هو العذاب فلا يخالف هذا قوله { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر } لأن المنفي تأخيره فيه هو الأجل نفسه ، فلا تخالف بين هذين المحلين ، وقال الفراء : المعنى لا يميتكم غرقا ولا حرقا ولا قتلا .

{ إن أجل الله } أي ما قدره لكم على تقدير بقائكم عل الكفر من العذاب { إذا جاء } وأنتم باقون على الكفر { لا يؤخر } بل يقع لا محالة فبادروا إلى الإيمان والطاعة ، وقيل المعنى إن أجل الله وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان .

وقيل المعنى إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب ، وإضافة الأجل إليه سبحانه لأنه هو الذي أثبته ، وقد يضاف إلى القوم كقوله { إذا جاء أجلهم } لأنه مضروب لهم { لو كنتم تعلمون } شيئا من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم به ولعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر .

هذا : وقد سئل الشوكاني رحمه الله تعالى عما ورد في الآيات الكريمات الدالة على أن العمر لا يزيد ولا ينقص ، والأحاديث الدالة على أن صلة الرحم تزيد في العمر ، فأجاب بما لفظه :

قد طال الكلام في هذا البحث ، وقد وقفت قبل الآن بنحو ثمان سنين على مؤلف بسيط لبعض الحنابلة في خصوص هذه المسألة ، وقد غاب عني اسم الكتاب واسم صاحبه ، والأحاديث القاضية بأن صلة الرحم تزيد في العمر أحاديث صحيحة كثيرة منها ما أخرجه البخاري والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ " من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه " ( {[1634]} ) .

وعند الترمذي " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر " ، والأثر الأجل وإنساؤه تأخيره .

وأخرج أحمد في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان ورمز السيوطي في الجامع لصحته من حديث عائشة مرفوعا [ صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار ] ( {[1635]} ) .

وأخرج القضائي من حديث ابن مسعود مرفوعا " صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب " ( {[1636]} ) .

وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث عمرو بن سهيل مرفوعا " صلة الرحم مثراة في المال محبة في الأهل منسأة في الأجل " ( {[1637]} ) .

إذا تقرر هذا فالعمر محدود ومعلوم لا يتقدم ولا يتأخر إلا إذا وصل الرجل رحمه مد الله في عمره وزاده ، وهكذا حكم سائر الأمور التي وردت الأدلة بأنها تزيد في العمر أو تنقص منه لأنها خاصة ، والخاص مقدم على العام ، والمقام يحتمل البسط ، وفي هذا كفاية والله أعلم .


[1634]:الحاكم /4/160.
[1635]:صحيح الجامع /3661
[1636]:صحيح الجامع /3660
[1637]:صحيح الجامع /3662.