فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَأَخَّرَتۡ} (5)

ثم ذكر سبحانه الجواب عما تقدم فقال { علمت نفس ما قدمت وأخرت } والمعنى أنها علمته عند نشر الصحف لا عند البعث لأنه وقت واحد من عند البعث إلى عند مصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ، والكلام في أفراد نفس هنا كما تقدم في السورة الأولى في قوله :

{ علمت نفس ما أحضرت } ومعنى ما قدمت وأخرت ما قدمت من عمل خير أو شر أو أخرت من سنة حسنة أو سيئة لأن لها أجر ما سنته من السنن الحسنة وأجر من عمل بها ، وعليها وزر ما سنته من السنن السيئة ووزر من عمل بها .

وقال قتادة ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة ، وقيل ما قدم من فرض وأخر من فرض وقيل أول عمله وآخره .

وقيل أن النفس تعلم عند البعث بما قدمت وأخرت علما إجماليا لأن المطيع يرى آثاره السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة ، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند نشر الصحف .

عن ابن مسعود قال ما قدمت من خير وما أخرت من سنة صالحة يعلم بها بعده فإن له مثل أجر من علم بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا أو سنة سيئة يعمل بها بعده فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئا ، وعن ابن عباس نحوه .

وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم من استن خيرا فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه من غير منتقص من أجورهم ، ومن استن شرا فاستن به فعليه وزره ومثل أوزاره من اتبعه من غير منتقص من أوزارهم{[1694]} وتلا حذيفة { علمت نفس ما قدمت وأخرت } .


[1694]:الحاكم 2/ 516.