( سورة الممتحنة مدنية ، وآياتها 13 آية ، نزلت بعد سورة الأحزاب )
ولها ثلاثة أسماء : سورة الممتحنة ، وسورة الامتحان ، كلاهما لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ . . . } ( الممتحنة : 10 ) .
والاسم الثالث : سورة المودة ، لقوله تعالى : تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ . . . ( الممتحنة : 1 ) .
وقوله : { تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ . . . } ( الممتحنة : 1 ) .
وقوله : { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً . . . }( الممتحنة : 7 ) .
هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، واستطاع أن يؤلّف بين المهاجرين والأنصار ، وأن يضع أسس الدعوة الإسلامية ، وأن يصنع أمة تميزت بالأخلاق الكريمة ، والصفات الحميدة ، وقد وقف كفار مكة في وجه الدعوة الإسلامية ، وتمت عدة معارك بين المسلمين والمشركين منها غزوات بدر وأُحد والخندق والأحزاب والحديبية ، ثم توقفت هذه المعارك بعد صلح الحديبية ، وكان أهم نصوص الصلح : وضع الحرب بين الفريقين عشر سنين ، وأن من أراد أن يدخل في حلف محمد دخل فيه ، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل فيه .
وعلى إثر ذلك دخلت قبيلة خزاعة في حلف رسول لله صلى الله عليه وسلم ، ودخلت قبيلة بكر في حلف قريش .
ثم إن قريشا نقضت العهد بمساعدتها قبيلة بكر حليفتها على قتال خزاعة حليفة النبي صلى الله عليه وسلم حتى قتلوا منهم عشرين رجلا ، وقد لجأت خزاعة إلى الحرم لتحتمي به ، ولكن ذلك لم يمنع رجال بكر من متابعتها ، فاستنصرت خزاعة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذهب رجال منهم إلى المدينة فأخبروا رسول الله بما كان من غدر بكر بهم ومعاونة قريش عليهم ، وأنشد عمرو بن سالم بين يديه :
يا رب إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيه الأتلداi
إن قريشا أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيوتنا بالوتيرii هجدا *** وقتلونا ركعا وسجدا
فانصر هداك الله نصر أيداiii *** وادع عباد الله يأتوا مددا
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نُصرت يا عمرو بن سالم " .
وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة ، وطوى الأخبار عن الجيش كيلا يشيع الأمر فتعلم قريش فتستعد للحرب ، والرسول الأمين لا يريد أن يقيم حربا بمكة ، بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس بهم ، فدعا الله قائلا : " اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها " .
كان حاطب بن أبي بلتعة من كبار المسلمين ، وقد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر مخلصا في جهادها ، ولكن في النفس الإنسانية جوانب ضعف تطغى في بعض الأحيان عليها ، وتهوي بها من المنازل العالية إلى الحضيض . لقد كتب حاطب كتابا إلى قريش يخبرهم فيه بعزم المسلمين على فتح مكة ، واستأجر امرأة من مزينة تسمى سارة ، وجعل لها عشرة دنانير مكافأة ، وأمرها أن تتلطف وتحتال حتى توصل كتابه إلى قريش ، فأخذت المرأة الكتاب فأخفته ، وسلكت طريقها إلى مكة ، ثم أخبر الله رسوله بما صنع حاطب ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام في إثر المرأة ، فأدركاها في الطريق ، واستخرجا منها الكتاب فأحضراه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فأطلعه على الكتاب ، ثم قال له : " ما حملك على هذا " ؟ . فقال حاطب : يا رسول الله ، لا تعجل عليّ ، فو الله إني لمؤمن بالله ورسوله ، ما غيرت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهمiv عليهم ، ولم أفعل ذلك ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإيمان .
ورأى النبي صدق لهجة حاطب وحسن نيته فيما أقدم عليه من ذلك الذنب ، فقال لمن حوله : " أما إنه قد صدقكم فيما أخبركم به " . ونظر النبي إلى ماضي الرجل في الجهاد ، وحسن بلائه في الذود عن حرمات الإسلام فرغب في العفو عنه .
أما عمر بن الخطاب فقد كبر عليه أمر هذه الخيانة ، فنظر إلى حاطب وقال له : قاتلك الله ، ترى رسول الله يُخفي الأمر وتكتب أنت إلى قريش ؟ يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق . فتبسم رسول الله من حماسة عمر وقال : " وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " . فدمعت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم . v
وفي هذه الحادثة أنزل الله صدر سورة الممتحنة يحذر المؤمنين من أن يوالوا عدوهم ، أو يطلعوه على بعض أسرارهم مهما كان السبب الذي يدفع إلى ذلك ، فإن العدو عدو حيثما كان ، وموادة العدو خيانة ليس بعدها خيانة .
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ . . . }( الممتحنة : 1 ) .
تسير السورة مع النفس الإنسانية تحاول جاهدة أن تربي المسلمين تربية خاصة ، عمادها الولاء للدعوة وحدها ، والمودة لله ، والمحبة والتجمع على دعوة الله .
على هذا المعنى قامت الدعوة الإسلامية ، وظهر الإيثار والأخوة بين المهاجرين والأنصار .
ومن شعائر هذا الدين بغض الفاسقين والملحدين في دين الله ، وقد انتهزت السورة فرصة ضعف حاطب ، فجعلت ذلك وسيلة عملية لتهذيب النفوس ، ورسم المثل الأعلى للمسلم .
وقد عالجت السورة مشكلة الأواصر القريبة ، والعصبيات الصغيرة ، وحرص النفوس على مألوفاتها الموروثة ، ليخرج المسلم من الضيق المحلي إلى الأفق العالمي الإنساني .
" لقد كان القرآن بهذا الأسلوب في التربية ينشئ في هذه النفوس صورة جديدة ، وقيما جديدة ، وموازين جديدة ، وفكرة جديدة عن الكون والحياة والإنسان ، ووظيفة المؤمنين في الأرض ، وغاية الوجود الإنساني .
وكان كأنما يجمع هذه النباتات الصغيرة الجديدة في كنف الله ، ليعلمهم الله ، ويبصرهم بحقيقة وجودهم وغايته ، وليفتح أعينهم على ما يحيط بهم من عداوات ومكر وكيد ، وليشعرهم أنهم رجاله وحِزْبه ، وأنه يريد بهم أمرا ويحقق بهم قدرا ، ومن ثم فهم يوسمون بسمته ، ويحملون شارته ، ويُعرفون بهذه الشارة وتلك السمة بين الأقوام جميعا في الدنيا والآخرة ، وإذن فليكونوا خالصين له ، منقطعين لولايته ، متجردين من كل وشيجة في عالم الشعور وعالم السلوك " vi
سورة الممتحنة من أولها إلى آخرها تنظم علاقة المسلمين بالمشركين ، وتدعو إلى تقوية أواصر المودة بين المسلمين ، وحفظ هذه الوشائج قوية متينة بين المؤمنين ، وتبين أن عداوة الكافرين للمسلمين أصيلة قديمة ، فقد أخرجهم كفار مكة من ديارهم وأهلهم وأموالهم . ( الآية : 1 ) ، وإذا انتصر المشركون عليهم عاملوهم معاملة الأعداء ، رجاء أن يعودوا بهم من الإيمان إلى الكفر ، وحينئذ لا تنفعكم ، أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ . . . ( الممتحنة : 3 ) . ولا تنجيكم من عقاب الله . ( الآيتان : 1 ، 2 ) .
ثم ترسم السورة مثلا أعلى وقدوة حسنة بإبراهيم الخليل ومن معه من المؤمنين ، حين آمنوا بالله وأخلصوا له النية ، وتجردوا من كل عاطفة نحو قومهم المشركين ، وأعلنوا براءتهم من الشرك وأهله ، وقد استغفر إبراهيم لأبيه ، فلما تأكد لإبراهيم إصرار أبيه على الشرك تبرأ منه .
ذلك ركب الإيمان ، وطريق المؤمنين في تاريخ البشرية يتسم بالتضحية والفداء ، والاستعلاء على رغبات النفس في صلة الأقارب من المشركين ، فالمودة لله وللمؤمنين . ( الآيات : 4-6 ) .
ولعل الله أن يهدي هؤلاء المشركين فيدخلوا في دين الله ، وبذلك تتحول العداوة إلى مودة ، وقد فتحت مكة بعد ذلك وعاد الجميع إخوة متحابين . ( الآية : 7 ) .
وقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ، فهو نبي الهدى والسلام ، والإسلام في طبيعته دين سلام ، فاسمه مشتق من السلام ، والله اسمه السلام ، والإسلام لا يمنع من موالاة الكفار والبر بهم وتحري العدل في معاملتهم ، ما داموا لم يقاتلونا في الدين .
ولكن الإسلام ينهى أشد النهي عن موالاة الكفار المقاتلين أو الذين يستعدون لقتال المسلمين ، ويرى كشف خطط المسلمين لهم خيانة للعقيدة وللأمة الإسلامية .
" وهذا التوجيه يتفق مع اتجاه السورة كلها إلى إبراز قيمة العقيدة ، وجعلها هي الراية الوحيدة التي يقف تحتها المسلمون ، فمن وقف معهم تحتها فهو منهم ، ومن قاتلهم فيها فهو عدوهم ، ومن سالمهم فتكرهم لعقيدتهم ودعوتهم ، ولم يصد الناس عنها ، ولم يفتن المؤمنين بها ، فهو مسالم لا يمنع الإسلام من البر به والقسط معه " vii . ( الآيتان : 8-9 ) .
وكان صلح الحديبية ينص على أن من جاء مسلما بدون إذن وليّه يرده المسلمون إلى أهل مكة ، ومن جاء إلى مكة مشركا لا يردونه .
ثم أسلمت نساء من أهل مكة جاء أزواجه يطلبونهن ، فنزلت هذه الآيات تؤيد أن المرأة لا يصح أن ترد إلى زوجها الكافر ؛ لأنها لا تحل له بعد أن آمنت بالله وبقي الزوج على الشرك ، وكانت المرأة تُمتحن ، أي : تحلف بالله ما خرجت من بغض زوج ، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض ، وبالله ما خرجت التماس دنيا ، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله ، فإذا حلفت كان لنا الظاهر واله أعلم بالسرائر ، عندئذ تعيش في المجتمع المسلم ، فإن تزوجت أعاد زوجها المسلم إلى الزوج المشرك ما أنفقه عليها ، وكذلك إذا ذهبت زوجة مسلمة إلى المشركين مرتدة ، فإذا تزوجت يرد المشركون للمسلم المهر الذي دفعه لها . ( الآيتان : 10-11 ) .
ثم بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم كيف يبايع النساء على الإيمان وقواعده الأساسية ، وهي التوحيد ، وعدم الشرك بالله إطلاقا ، وعدم اقتراف المحرمات وهي السرقة والزنا . . . ثم طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به ، أي امتثال المأمورات واجتناب المحرمات . ( الآية : 12 ) .
وفي ختام السورة نجد آية تجمع الهدف الكبير ، فتنهى عن موالاة من غضب الله عليهم من اليهود والمشركين . ( الآية : 13 ) .
معظم مقصود السورة هو : النهي عن موالاة الخارجين عن ملة الإسلام ، والافتداء بالسلف الصالح في طريق الطاعة والعبادة ، وانتظار المودة بعد العداوة ، وامتحان المدّعين بمطالبة الحقيقة ، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكيفية لبيعة مع أهل الستر والعفة ، والتجنب مع أهل الزيغ والضلالة ، في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ } . ( الممتحنة : 13 ) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 1 ) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ( 2 ) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 3 ) }
عدوّ الله : من كفر به أو أشرك به ، ولم يؤمن بما أنزل في كتبه .
عدو المؤمنين : من خانهم ، أو أضرّ بمصالحهم ، أو قاتلهم ، أو أعان على قتالهم .
أولياء : جمع وليّ ، أي : صديق توليه بالسرّ .
المودة : المحبة والإخلاص ، والمراد هنا ، النصيحة وإرسال أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم .
الحق : دين الإسلام ، والقرآن .
بما أخفيتم : بالذي أخفيتموه ، أنا أعلم به منكم .
سواء السبيل : السواء في الأصل : الوسط ، والمراد هنا : الطريق المستوي ، وهو طريق الحق .
1- { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } .
نداء علوي إلهي لجماعة المؤمنين ، بألا يتخذوا أعداء ربهم ودينهم ، وهم أعداء لهم في نفس الوقت ، ألا يتخذوهم أولياء وأحبابا ، يلقون إليهم بالمحبة والمودة ، وأسرار النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين .
والحال أن هؤلاء الكفار قد كفروا بالإسلام والقرآن ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وحاولوا قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو حبسه أو نفيه ، فأذن الله له بالهجرة .
قال تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } . ( الأنفال : 30 ) .
كما أحكموا الحصار على المسلمين حتى هاجرا فرارا بدينهم من مكة إلى المدينة ، وكل جريمة النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين أنهم آمنوا بالله تعالى ربا واحد صمدا .
كما قال سبحانه وتعالى : { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } . ( البروج : 8 ) .
إن كان خروجكم من مكة جهادا في سبيل الله وابتغاء مرضاته ، فلا تتخذوا أعدائي وأعداءكم أولياء ، تفضون إليهم بالمحبة ، وتهمسون لهم بأسراركم ، وخطط النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر ، والأعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون ، ومن يوال الأعداء ويلق إليهم الأسرار ، فقد حاد عن طريق الحق والصواب ، وحاد عن قصد السبيل التي توصّل إلى الجنة والرضوان الإلهي .
قال ابن حجر : المشهور في هذه التسمية أنها بفتح الحاء وقد تكسر فعلى الأول هي صفة المرأة التي أنزلت بسببها وعلى الثاني صفة السورة كما قيل لبراءة : الفاضحة وفي جمال القراء تسمى أيضا الأمتحان وسورة المودة وأطلق ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم القول بمدنيتها وذكر بعضهم أن أولها نزل يوم فتح مكة فكونها مدنية إما من باب التغليب أو مبني على أن المدني ما نزل بعد الهجرة وهي ثلاث عشرة آية بالأتفاق ومناسبتها لما قبلها أنه ذكر فيها قبل موالاة الذين نافقوا للذين كفروا من أهل الكتاب وذكر في هذه نهي المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء لئلا يشابهوا المنافقين وبسط الكلام فيه أتم بسط وقيل في ذلك أيضا : إن فيما قبل ذكر المعاهدين من أهل الكتاب وفي هذه ذكر المعاهدين من المشركين لأن فيها ما نزل في صلح الحديبية ولشدة اتصالها بالسورة قبلها فصل بها بينها وبين الصف مع تواخيهما في الأفتتاح بسبح
{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } نزلت في حاطب بن عمرو أبي بلتعة وهو مولى عبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزي أخرج الإمام أحمد . والبخاري . ومسلم . وأبو داود . والترمذي . والنسائي . وابن حبان . وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا . والزبير . والمقداد فقال : " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فأتوا به بخرجنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا : أخرجي الكتاب قالت : ما معي من كتاب قلنا : لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام ما هذا يا حاطب ؟ا قال : لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال عمر رضي الله تعالى عنه : دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقال عليه الصلاة والسلام : إنه شهيد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فنزلت { يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } " الخ .
وفي رواية ابن مردويه عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام بعث عمر . وعلياً رضي الله تعالى عنهما في أثر تلك المرأة فلحقاها في الطريق فلم يقدرا على شيء معها فأقبلا راجعين ثم قال أحدهما لصاحبه : والله ما كذبنا ولا كذبنا ارجع بنا إليها فرجعا فسلا سيفيهما وقالا : والله لنذيقنك الموت أو لتدفعن الكتاب فأنكرت ثم قالت : أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلا ذلك فأخرجته لهما من قرون رأسه ، وفيه على ما في «الدر المنثور » أن المرأة تدعي أم سارة كانت مولاة لقريش ، وفي «الكشاف » يقال لها : سارة مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم ، وفي صحة خبر أنس تردد ، وما تضمنه من رجوع الإمامين رضي الله تعالى عنهما بعيد ، وقيل : إن المبعوثين في أثرها عمر . وعلي . وطلحة . والزبير . وعمار . والمقداد . وأبو مرثد وكانوا فرساناً ، والمعول عليه ما قدمنا ، والذين كانوا له في مكة بنوه وإخوته على ما روى عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن حاطب المذكور ، وفي رواية لأحمد عن جابر أن حاطباً قال : كانت والدتي معهم فيحتمل أنها مع بنيه وإخوته .
وصورة الكتاب على ما في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل ، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده ، وفي الخبر السابق على ما قيل : دليل على جواز قتل الجاسوس لتعليله صلى الله عليه وسلم المنع عن قتله بشهوده بدراً وفيه بحث وفي التعبير عن المشركين بالعدو مع الإضافة إلى ضميره عز وجل تغليظ لأمر اتخاذهم أولياء وإشارة إلى حلول عقاب الله تعالى بهم ، وفيه رمز إلى معنى قوله
: إذا صافي صديقك من تعادى *** فقد عاداك وانقطع الكلام
والعدو فعول من عدا كعفو من عفا ، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد ، ونصب { أَوْلِيَاء } على أنه مفعول ثان لتتخذوا وقوله تعالى : { تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } تفسير للموالاة أو لاتخاذها أو استئناف فلا محل لها من الإعراب ، والباء زائدة في المفعول كما في قوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إلى التهلكة } [ البقرة : 195 ] وإلقاء المودة مجاز عن إظهارها ، وتفسيره بالإيصال أي توصلون إليهم المودة لا يقطع التجوز .
وقيل : الباء للتعدية لكون المعنى تفضون إليهم بالمودة ، وأفضى يتعدى بالباء كما في الأساس ، وقيل : هي للسببية والإلقاء مجاز عن الإرسال أي ترسلون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم ، وعن البصريين أن الجار متعلق بالمصدر الدال عليه الفعل ، وفيه حذف المصدر مع بقاء معموله ، وجوز كون الجملة حالاً من فاعل { لاَ تَتَّخِذُواْ } أو صفة لأولياء ولم يقل تلقون إليهم أنتم بناءاً على أنه لا يجب مثل هذا الضمير مع الصفة الجارية على غير من هي له . أو الحال . أو الخبر . أو الصلة سواء في ذلك الاسم والفعل كما في «شرح التسهيل » لابن مالك إذا لم يحصل إلباس نحو زيد هند ضاربها أو يضربها بخلاف زيد عمرو ضاربه أو يضربه فإنه يجب معه هو لمكان الإلباس .
/ وزعم بعضهم أن الإبراز في الصفات الجارية على غير من هي له إنما يشترط في الاسم دون الفعل كما هنا ومنع ذلك ، وتعقب الوجهان بأنهما يوهمان أنه تجوز الموالاة عند عدم الالقاء فيحتاج إلى القول بأنه لا اعتبار للمفهوم للنهي عن الموالاة مطلقاً في غير هذه الآية ، أو يقال : إن الحال والصفة لازمة ولذا كانت الجملة مفسرة وقوله تعالى : { وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ الحق } حال من فاعل { لاَ تَتَّخِذُواْ } وهي حال مترادفة إن كانت جملة { تُلْقُونَ } حالية أيضاً أو من فاعل { تُلْقُونَ } وهي متداخلة على تقدير حالتيها ، وجوز كونه حالاً من المعفول وكونه مستأنفاً .
وقرأ الجحدري . والمعلى عن عاصم لما باللام أي لأجل ما جاءكم بمعنى جعل ما هو سبب للإيمان سبب الكفر { يُخْرِجُونَ الرسول وإياكم } أي من مكة { أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبّكُمْ } أي لإيمانكم أو كراهة إيمانكم بالله عز وجل ، والجار متعلق بيخرجون والجملة قيل : حال من فاعل { كَفَرُواْ } أو استئناف كالتفسير لكفرهم كأنه قيل : كيف كفروا ؟ وأجيب بأنهم كفروا أشد الكفر بإخراج الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين لايمانهم خاصة لا لغرض آخر ، وهذا أرجح من الوجه الأول لطباقه للمقام وكثرة فوائده ، والمضارع لاستحضار الحال الماضية لما فيها من مزيد الشناعة ، والاستمرار غير مناسب للمعنى ، وفي { تُؤْمِنُواْ } قيل : تغليب للمؤمنين ، والالتفات عن ضمير المتكلم بأن يقال : بي إلى ما في النظم الجليل للإشعار بما يوجب الإيمان من الألوهية والربوبية { إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً في سَبِيلِي وابتغاء مَرْضَاتِي } متعلق بقوله تعالى : { لاَ تَتَّخِذُواْ } الخ كأنه قيل : لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي فجواب الشرط محذوف دل عليه ما تقدم ، وجعله الزمخشري حالاً من فاعل { لاَ تَتَّخِذُواْ } ولم يقدر له جواباً أي لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء والحال أنكم خرجتم لأجل الجهاد وطلب مرضاتي ، واعترض بأن الشرط لا يقع حالاً بدون جواب في غير إن الوصلية ، ولا بد فيها من الواو وأن ترد حيث يكون ضد المذكور أولى كأحسن إلى زيد وإن أساء إليك وما هنا ليس كذلك .
وأجيب بأن ابن جني جوزه ، وارتضاه جار الله هنا لأن البلاغة وسوق الكلام يقتضيانه فيقال لمن تحققت صداقته من غير قصد للتعليق والشك : لا تخذلني إن كنت صديقي تهييجاً للحمية ، وفيه من الحسن ما فيه فلا يضر إذا خالف المشهور ، ونصب المصدرين على ما أشرنا إليه على التعليل ، وجوز كونهما حالين أي مجاهدين ومبتغين ، والمراد بالخروج إما الخروج للغزو . وإما الهجرة ، فالخطاب للمهاجرين خاصة لأن القصة صدرت منهم كما سمعت في سبب النزول ، وقوله تعالى : { تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } استئناف بياني كأنهم لما استشعروا العتاب مما تقدم سألوا ما صدر عنا حتى عوتبنا ؟ فقيل : { تُسِرُّونَ } الخ ، وجوز أن يكون بدلاً من { تُلْقُونَ } بدل كل من كل إن أريد بالإلقاء خفية ، أو بدل بعض إن أريد الأعم لأن منه السر والجهر .
وقال أبو حيان : هو شبيه ببدل الاشتمال ، وجوز ابن عطية كونه خبر مبتدأ محذوف أي أنتم { تُسِرُّونَ } والكلام استئناف للإنكار عليهم ، وأنت تعلم أن الاستئناف لذلك حسن لكنه لا يحتاج إلى حذف ، والكلام في الباء هنا على ما يقتضيه ظاهر كلامهم كالباء فيما تقدم ، وقوله تعالى : { وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ } في موضع الحال ، و { أَعْلَمُ } أفعل تفضيل ، والمفضل عليه محذوف أي منكم ، وأجاز ابن عطية كونه مضارعاً ، والعلم قد يتعدى بالباء أو هي زائدة ، و { مَا } موصولة أو مصدرية ، وذكر { مَا أَعْلَنتُمْ } مع الاستغناء عنه للإشارة إلى تساوي العلمين في علمه عز وجل ، ولذا قدم { مَا أَخْفَيْتُمْ } وفي هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل لهم في إسرار المودة إليهم كأنه قيل : تسرون إليهم بالمودة والحال أني أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم ومطلع رسولي على ما تسرون فأي فائدة وجدوى لكم في الإسرار ؟ { وَمَن يَفْعَلْهُ } أي الإسرار .
وقال ابن عطية . وجمع : أي الاتخاذ { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } أي الطريق المستوي والصراط الحق فإضافة { سَوَاء } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، ونصبه على المفعول به لضل وهو يتعدى كأضل ، وقيل : لا يتعدى ؛ و { سَوَآء } ظرف كقوله
هذا ومن باب الإشارة : في بعض الآيات : ما قيل : إن قوله تعالى : { يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } [ الممتحنة : 1 ] الخ إشارة للسالك إلى ترك موالاة النفس الامارة وإلقاء المودة إليها فإنها العدو الأكبر كما قيل : أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك ، وهي لا تزال كارهة للحق ومعارضة لرسول العقل نافرة له ولا تنفك عن ذلك حتى تكون مطمئنة راضية مرضية ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً } [ الممتحنة : 7 ]
1- سورة " الممتحنة " هي السورة الستون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فكان بعد سورة الأحزاب ، وقيل سورة النساء ، وهي من السور المدنية الخالصة ، وعدد آياتها ثلاث عشرة آية .
واشتهرت بهذا الاسم منذ العهد النبوي ، إلا أن منهم من يقرؤها بفتح الحاء ، على أنها صفة للمرأة التي نزلت فيها ، ومنهم من يقرؤها بكسر الحاء على أنها صفة للسورة .
قال القرطبي : الممتحنة –بكسر الحاء- أي : المختبرة ، أضيف الفعل إليها محازا ، كما سميت سورة براءة بالفاضحة ، لما كشفت من رذائل المنافقين ، ومن قال في هذه السورة الممتحنة –بفتح الحاء- فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها . وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط . قال الله –تعالى- : [ فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن ] وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف ، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن( {[1]} ) .
وقال صاحب الإتقان : وتسمى " سورة الامتحان " و " سورة المودة " .
2- وقد افتتحت هذه السورة بتوجيه نداء إلى المؤمنين ، نهتهم فيه عن اتخاذ أعداء الله وأعدائهم أولياء ، وبينت لهم ما جبل عليه هؤلاء الأعداء من كراهية للحق ، كما بينت لهم سوء عاقبة من يوالي هؤلاء الأعداء .
قال –تعالى- { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ، وقد كفروا بما جاءكم من الحق ، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ، إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة ، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل } .
3- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى دعوتهم إلى الاقتداء بأبيهم إبراهيم –عليه السلام- الذي قطع صلته بأقرب الناس إليه ، عندما رآه مصرا على كفره ، وأعلن أنه عدو لكل من أشرك مع الله –تعالى- في العبادة آلهة أخرى .
قال –تعالى- : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ، إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم ، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ، لأستغفرن لك ، وما أملك لك من الله من شيء ، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ، وإليك المصير } .
4- ثم بشر –سبحانه- المؤمنين ، بأنه –بفضله وكرمه- سيجمع شملهم بأقاربهم الذين تشددوا في عداوتهم ، بأن يهدي هؤلاء الأقارب إلى الحق ، فيتصل حبل المودة بينهم جميعا ، ببركة اجتماعهم تحت كلمة الإسلام ، فقال –تعالى- : { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ، والله قدير ، والله غفور رحيم } .
5- وبعد أن رخص للمؤمنين في مودة الكفار الذين لم يقاتلوهم ولم يلحقوا بهم أذى . . ونهاهم عن مودة الكفار الذين قاتلوهم وآذوهم . . بعد كل ذلك وجه –سبحانه- نداء ثانيا إلى المؤمنين بين لهم حكم النساء اللائي أنين مؤمنات إليهم ، بعد أن تركن أزواجهن الكفار ، وفصل –سبحانه- هذه الأحكام حرصا على النساء المؤمنات .
فقال –تعالى- : { يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ، الله أعلم بإيمانهن ، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ، لا هن حل لهم ، ولا هم يحلون لهن } .
6- ثم أمر –سبحانه- نبيه صلى الله عليه وسلم- نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبايع النساء المؤمنات على ما بايع عليه الرجال ، وأن يأخذ عليهن العهود على الطاعة لله –تعالى- والبعد عن محارمه .
قال –تعالى- : { يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ، ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ، ولا يعصينك في معروف ، فبايعهن واستغفر لهن الله ، إن الله غفور رحيم } .
7- ثم ختم –سبحانه- السورة الكريمة بتوجيه نداء ثالث إلى المؤمنين نهاهم فيه مرة أخرى عن موالاة أعداء الله وأعدائهم . . فقال –سبحانه- : { يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ، قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور } .
8- هذا والمتأمل في هذه السورة الكريمة ، يراها قد ساقت للمؤمنين ألوانا من التربية التي تغرس العقيدة السليمة في قلوبهم ، وتجعلهم يضحون من أجلها بكل شيء ، ويقدمونها في تصرفاتهم على محبة والأبناء والعشيرة والأموال ، وتكشف لهم عن سوء نيات الكافرين نحوهم ، وعن حرصهم على إنزال الضرر بهم ، كما ضربت لهم الأمثال بإبراهيم –عليه السلام- لكي يقتدوا به في قوة إيمانه ، وفي إخلاصه لدينه ، كما بينت لهم من يجوز لهم مودتهم من الكافرين ، ومن لا يجوز لهم ذلك منهم . . ثم ختمت ببيان بعض الأحكام التي تتعلق بالنساء المؤمنات المتزوجات من الكافرين ، وبالنساء اللائي جئن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لكي يبايعنه على الإيمان والطاعة .
وسنفصل القول في هذه الأحكام خلال تفسيرنا لهذه السورة الكريمة . .
نسأل الله –تعالى- أن يلهمنا الرشد ، وأن يجنبنا الزلل .
افتتحت سورة " الممتحنة " بهذا النداء للمؤمنين ، وقد تضمن هذا النداء نهيهم عن موالاة أعداء الله وأعدائهم .
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ، ما ذكره الإمام الآلوسى فقال : " نزلت فى حاطب بن أبى بلتعة . . . فقد أخرج الإمام أحمد ، والبخارى ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذى ، والنسائى ، وابن حبان ، وجماعة عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال : بعثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ - وهومكان بين مكة والمدينة - فإن بها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها فأتونى به فخرجنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها : أخرجى الكتاب . فقالت : ما معى من كتاب ، فقلنا : أخرجى الكتاب أو لنلقين الثياب ، فأخرجته من عاقصها ، فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه : من حاطب بن أبى بلتعة ، إلى أناس من المشركين بمكة ، يخبرهم ببعض أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - .
فقال - صلى الله عليه وسلم - " ما هذا يا حاطب ؟ " فقال حاطب : لا تعجل علىَّ يا رسول الله إنى كنت إنسانا ملصقا فى قريش ، ولم أكن منها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيها ، أن أصطنع إليهم يدا ، يحمون بها قرابتى ، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن الإسلام .
فقال عمر : دعنى يا رسول الله أضرب عنقه ، فقال ، - صلى الله عليه وسلم - : " إنه شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فنزلت هذه الآيات " .
وقد ذكروا أن هذه القصة كانت فى الوقت الذى أعد فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - العدة لأجل العمرة ، سنة صلح الحديبية ، وقيل كانت هذه القصة فى الوقت الذى تهيأ النبى - صلى الله عليه وسلم - لفتح مكة ، وكان من بين الذين علموا ذلك حاطب بن أبى بلتعة .
والمراد بالعدو هنا : الأعداء عموما ، ويدخل فيهم دخولا أولياء كفار قريش ، الذين أرسل إليهم حاطب بن أبى بلتعة خطابه ، لكى يحذرهم من مهاجمة المسلمين لهم .
والمراد بالعداوة : العداوة الدينية التى جعلت المشركين ، يحرصون كل الحرص على أذى المسلمين ، أى : يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا ، احذروا أن تتخذوا أعدائى وأعداءكم أولياء وأصدقاء وحلفاء . بل جاهدوهم وأغلظوا عليهم ، واقطعوا الصلة التى بينكم وبينهم .
وناداهم بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة الدينية فى قلوبهم ولحضهم على الاستجابة لما نهاهم عنه .
وقدم - سبحانه - عداوته للمشركين ، على عداوة المؤمنين لهم ، لأن عداوة هؤلاء المشركين لله - تعالى - أشد وأقبح ، حيث عبدوا غير خالقهم ، وشكروا غير رزاقهم ، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم .
وفى الحديث القدسى : " إنى والجن والإنس فى نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيرى ، وأرزق ويشكر سواي . . خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بالنعم . ويتبغضون إلي بالمعاصي " .
وعبر - سبحانه - بالاتخاذ الذى هو افتعال من الأخذ ، للمبالغة فى نهيهم عن موالاة هؤلاء الأعداء . إذ الاتخاذ يشعر بشدة الملابسة والملازمة .
والمفعول الأول لقوله { تَتَّخِذُواْ } قوله : { عَدُوِّي } والمفعول الثانى قوله : { أَوْلِيَآءَ } .
وقوله - سبحانه - : { تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } تفسير وتوضيح لهذه الموالاة التى نهوا عنها أو فى موضع الحال من ضمير { لاَ تَتَّخِذُواْ } .
وحقيقة الإلقاء : قذف ما فى اليد على الأرض أو فى الفضاء ، والمراد به هنا : إيصال ما يدخل السرور على قلوب أعدائهم . والباء فى قوله : { بالمودة } لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله .
أي : احذروا أن تعاملوا أعدائى وأعداءكم معاملة الأصدقاء والحلفاء ، بأن تظهروا لهم المودة والمحبة .
ويصح أن تكون الباء للسببية فيكون المعنى : تلقون إليهم بأخباركم التى لا يجوز لكم إظهارها لهم ، بسبب مودتكم لهم .
وقد ذكروا أن حاطبا أرسل بهذه الرسالة إلى أهل مكة ، عندما تجهز النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه للذهاب إليها لأجل العمرة عام الحديبية ، أو لأجل فتح مكة .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : { تُلْقُونَ } بم يتعلق ؟ قلت : يجوز أن يتعلق بقوله : { لاَ تَتَّخِذُواْ } حالا من ضميره . . ويجوز أن يكون استئنافا .
والإلقاء : عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم يقال : ألقى إليه خَراشِىَ صدره - أي أسرار صدره - وأفضى إليه بقشوره .
والباء فى { بالمودة } إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها فى قوله : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف ، ومعناه : تلقون إليهم إخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبب المودة التى بينكم وبينهم .
ثم ساق - سبحانه - الأسباب التى من شأنها تحمل المؤمنين على عدم موالاة أعداء الله وأعدائهم ، فقال : { وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحق } أي : لا تتخذوا - أيها المؤمنون - هؤلاء الأعداء أولياء ، وتلقون إليهم بالمودة ، والحال أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بما جاءكم على لسان رسولكم - صلى الله عليه وسلم - من الحق الذى يتمثل فى القرآن الكريم ، وفى كل ما أوحاه - سبحانه - إلى رسوله .
فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، تصوير هؤلاء الكافرين ، بما ينفر المؤمنين من إلقاء المودة إليهم .
وقوله - تعالى - : { يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبِّكُمْ } بيان لسبب آخر من الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى مقاطعة أعدائهم الكافرين .
وجملة : { يُخْرِجُونَ الرسول } يصح أن تكون مستأنفة لبيان كفرهم ، أو فى محل نصب حال من فاعل { كَفَرُواْ } وقوله : { وَإِيَّاكُمْ } معطوف على الرسول ، وقدم عليهم على سبيل التشريف لمقامه - صلى الله عليه وسلم - وجملة { أَن تُؤْمِنُواْ } فى محل نصب مفعول لأجله .
أي : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بكفرهم بما جاءكم - أيها المؤمنون - من الحق ، بل تجاوزوا ذلك إلى محاولة إخراج رسولكم - صلى الله عليه وسلم - وإخراجكم من مكة ، من أجل إيمانكم بالله ربكم ، وإخلاصكم العبادة له - تعالى - .
وأسند - سبحانه - محاولة الإخراج إلى جميع الأعداء ، لأنهم كانوا راضين بهذا الفعل ومتواطئين على تنفيذه ؛ بعضهم عن طريق التخطيط له ، وبعضهم عن طريق التنفيذ الفعلى .
والمتأمل فى هذه الجملة الكريمة ، يراها قد ساقت أقوى الأسباب وأعظمها ، للتشنيع على مشركى قريش ، ولإلهاب حماس المؤمنين من أجل عدم إلقاء المودة إليهم .
وجواب الشرط فى قوله - تعالى - : { إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وابتغآء مَرْضَاتِي } محذوف للدلالة ما قبله عليه أى : إن كنتم - أيها المؤمنون - قد خرجتم من مكة من أجل الجهاد فى سبيلى ، ومن أجل طلب مرضاتى ، فاتركوا اتخاذ عدوى وعدوكم أولياء ، واتركوا مودتهم ومصافاتهم .
فالمقصود من الجملة الكريمة ، زيادة التهييج للمؤمنين ، حتى لا يبقى فى قلوبهم أى شىء من المودة نحو الكافرين .
وقوله - سبحانه - : { تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } بدل من قوله - تعالى - : قبل ذلك : { تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } . بدل بعض من كل . لأن إلقاء المودة أعم من أن تكون فى السر أو فى العلن .
ويصح أن يكون بدل اشتمال ، لأن الإسرار إليهم بالمودة ، مما اشتمل عليه إلقاء المودة إليهم .
وهذه الجملة جىء بها على سبيل العتاب والتعجيب ممن فى قلبه مودة لهؤلاء الكافرين ، بعد أن بين الله - تعالى - له ، ما يوجب قطع كل صلة بهم .
ومفعول { تُسِرُّونَ } محذوف . أي : ترسلون إليهم أخبار المسلمين سرا ، بسبب مودتكم لهم ؟ وجملة : { وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ } هى مناط التعجيب ممن يتخذ هؤلاء الأعداء أولياء . أو من يسر إليهم بالمودة ، وهى حالية من فاعل { تُلْقُونَ و تُسِرُّونَ } .
أي : تفعلون ما تفعلون من إلقاء المودة إلى عدوى وعدوكم ، ومن إسراركم بها إليهم والحال أنى أعلم منهم ومنكم بما أخفيتموه فى قلوبكم ، وما أعلنتموه ، ومخبر رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بذلك .
وما دام الأمر كذلك فكيف أباح بعضكم لنفسه ، أن يطلع عدوى وعدوكم على مالا يجوز إطلاعه عليه ؟ ! .
قال الآلوسى : قوله : { وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ } فى موضع الحال و { أَعْلَمُ } أفعل تفضيل . والمفضل عليه محذوف . أى : منكم . . . و { مَآ } موصولة أو مصدرية ، وذكر { مَآ أَعْلَنتُمْ } مع الاستغناء عنه ، للإشارة إلى تساوى العلمين فى علمه - عز وجل - .
ولذا قدم { مَآ أَخْفَيْتُمْ } . وفى هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل لهم فى إسرار المودة إليهم كأنه قيل : تسرون إليهم بالمودة والحال أنى أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم ، ومطلع رسولى على ما تسرون ، فأى فائدة وجدوى لكم فى الإسرار .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة من يخالف أمره فقال : { وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل } .
والضمير فى قوله : { يَفْعَلْهُ } يعود إلى الاتخاذ المفهوم من قوله { لاَ تَتَّخِذُواْ } .
أي ومن يفعل ذلك الاتخاذ لعدوي وعدوكم أولياء ، ويلقى إليهم بالمودة ، فقد أخطأ طريق الحق والصواب ، وضل عن الصراط المستقيم .