تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

المفردات :

نكالا من الله : أي : عقابا من الله ، ينكل به السارق ، أي : يردع عن معاودة السرقة ، ويحذر به هو وغيره من فعلها .

قال صاحب القاموس : النكال : ما نكلت به غيرك كائنا ما كان .

وقال أيضا : ونكل به تنكيلا : صنع به صنيعا بحذر غيره .

والله عزيز : أي : غالب ، فلا يفوته المعتدون .

حكيم : في شرع هذا الحد ؛ لما فيه من الردع .

التفسير :

38- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

بعد أن بين حكم قاطع الطريق ، تكلم عن عقوبة السارق والسارقة ، وفي سورة النور بدأ الله بالزانية فقال تعالى :

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ماِئَةَ جَلْدَةٍ . لأن الزني من المرأة أفحش ، ولان الحبل يظهر منها ، ولأن أسرتها تصيبها المعرة ، ولأن شهوة الاستمتاع على النساء أغلب ، وحب المال على الرجال أغلب ، والرجل على السرقة أجرأ {[225]} فناسب أن يبدأ في السرقة بالرجل ، وفي الزنى بالمرأة .

والسارق : هو الذي يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله ، ولا شبهة له فيه ، دون طعن بسلاح أو تهديد به ، فإن طعن بسلاح أو هدد به- وهو ما يعرف الآن : بالسطو المسلح- فحكمه حكم قاطع الطريق ، الذي يسعى في الأرض فسادا .

ولا يعاقب السارق هذا العقاب إلا إذا كان بالغا عاقلا ، غير مالك للمسروق منه ولا ولاية له عليه ؛ فلا تقطع يد صبي ولا مجنون ، ولا يد سيد أخذ مال عبده ، ولا يد عبد سرق مال سيده بإجماع الصحابة ، ولا يقطع الوالدان بسرقة مال ولدهما ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " أنت ومالك لأبيك " {[226]} وقيل : تقطع يد الابن إذا سرق ما أبوبه . والراجح أنه لا يقطع لأن الابن ينبسط في مال أبيه كالعادة .

وإذا استكمل هذه الشروط ؛ فلا تقطع يده إلا إذا سرق ما قيمته ربع دينار .

روى الشيخان عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " {[227]} .

وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا ، أو دينارا ذهبا أو وزنا ، ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك الرجل ، وحجتهم حديث ابن عباس قال : قوم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم ، ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم ، أخرجهما الدارقطني وغيره .

ومن العلماء من قال : لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم ، و منهم من قال : لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم ، ومنهم من قال : لا تقطع اليد إلا في ثلاثة دراهم ، ومنهم من قال : تقطع اليد في كل ما له قيمة على ظاهر الآية ، وهو قوم الخوارج .

قال القرطبي : وهذه الأقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك . اه .

إن التضخم ، وتدني قيمة النقود ، تجعل رأي الحنفية أولى بالاعتبار .

روى ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " {[228]} .

وعلى الحاكم أن يتثبت بعناية من واقعة السرقة ، وظروفها ودواعيها ، وان يعدل عن القطع عند وجود شبهة .

وتقطع يد السارق اليمنى من الكوع عند المفصل الذي بين الساعد والكف . فإن سرق ثانيا ؛ قطعت رجله اليسرى من مفصل الرجل .

فإن سرق ثالثا ؛ قطعت يده اليسرى ، فإن سرق رابعا ؛ قطعت رجله اليمنى ، فإن سرق بعد ذلك عزر بما يراه الحاكم رداعا مانعا ، وروى عن أحمد انه لا تقطع اليد اليسرى ولا الرجل اليمنى وهو قول أبي بكر وعمر وأبي حنيفة ، وروى عنه أنها تقطع ، وبه قال مالك والشافعي {[229]} .

وقال عطاء : تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع ، وذكره ابن العربي وقال : أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافا {[230]} .

وتثبت السرقة بالبينة والإقرار .

ملاحظة :

يرى بعض الفقهاء أن جاحد العارية تقطع يده كالسارق ، وأكثر الفقهاء يرون أنه لا قطع عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا قطع على خائن " {[231]} .

أما من ذهب إلى أن جاحد العارية تقطع يده كالسارق فقد استدل بما رواه الشيخان عن عائشة قالت : كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها ، فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : " لا أراك تكلمني في حد من حدود الله تعالى ، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا وقال : " إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه ، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " {[232]}

قال : فقطع يدها .

وجاء البخاري أنها سرقت ، وجاء في مسلم أن المرأة المذكورة كانت تستعير المتاع وتجحده . وقد توسع العلماء والفقهاء والمفسرون في تفسير هذه الآية وخصوصا التفاسير التي عنيت بالأحكام الفقهية ، ومثال ذلك أن القرطبي بين أن هذه الآية فيها سبع وعسرون مسألة كتبها في 15 صفحة ومن نماذج تفسير القرطبي ما يأتي :

المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : فاقطعوا . القطع معناه : الإبانة والإزالة ، ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق ، وفي الموضع المسروق منه وفي صفته .

1- فأما ما يعتبر في السارق فأربعة أوصاف وهي : البلوغ ، والعقل ، وأن يكون غير مالك المسروق منه ، وألا يكون له عليه ولاية ؛ فلا يقطع العبد إن سرق مال سيده ، وكذلك السيد إن اخذ مال عبده لا قطع بحال ، ولا قطع على صبي ولا مجنون .

2- وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فثلاثة أوصاف :

( أ‌ ) النصاب

( ب‌ ) أن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه .

( ج ) ألا يكون للسارق فيه ملك كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره .

3- وأما ما يعتبر في موضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق .

وجملة القول فيه : أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه ، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه ، فالدور والمنازل والحوانيت حرز لما فيها ، غاب عنها أهلها أو حضروا .

والقبر والمسجد حرز لما فيهما ، والخزانة في مكاتب الناس- أو الحكومة- حرز لما فيها ، وظهور الدواب حرز لما تحمل {[233]} .

فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا . والخطاب هنا لولاة الأمر الذين يرجع إليهم تنفيذ الأحكام والحدود . وجمع سبحانه اليد فقال : أيديهما . ولم يقل : يديهما بالتثنية ؛ لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية .

قال القرطبي :

قوله تعالى : جَزَاء بِمَا كَسَبَا . مفعول من أجله ، وإن شئت كان مصدرا ، وكذا : نَكَالاً مِّنَ اللّهِ . اه وفيه بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التي من أجلها شرعت .

أي : اقطعوا أيديهما جزءا لهما بسبب فعلهما الخبيث ، وكسبهما السيئ وخيانتهما القبيحة ، ولكي يكون هذا القطع لأيديهما نكالا . أي : عبرة وزجرا- من الله تعالى- لغيرهما ؛ حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة .

يقال : نكل فلان بفلان تنكيلا ، أي : صنع به صنيعا يحذر غيره .

وسميت هذه العقوبة نكالا ؛ لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها ؛ حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده ، وفضيحة لأمره ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . غالب على أمره ، حكيم في شرائعه وتكاليفه .

قال الأصمعي : قرأت هذه الآية ، وإلى جنبي أعرابي فقلت : والله غفور رحيم ، سهوا ؛ فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ قلت : كلام الله ، قال : أعد ؛ فأعدت : والله غفور رحيم ، فقال : ليس كلام الله ؛ فتنبهت فقلت : والله عزيز حكيم . فقال : أصبت هذا كلام الله ، فقلت له : أتقرأ القرآن ؟ قال : لا ، قلت : فمن أين علمت أنب أخطأت ؟ فقال : يا هذا عزيز حكيم . فأمر بالقطع ، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع {[234]} فقد فهم الأعرابي أن مقتضى العزة والحكمة ، غير مقتضي المغفرة والرحمة ، وأن الله تعالى- يضع كل اسم موضعه في كتابه .


[225]:انظر تفسير القرطبي 6/175.
[226]:أنت ومالك لأبيك: رواه ابن ماجه في التجارات (2291) من حديث جابر بن عبد الله أن رجلا قال يا رسول الله إن لي مالا وولدا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي فقال أنت ومالك لأبيك. قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات على شرط البخاري ورواه ابن ماجه في التجارات (2292) وأحمد في مسنده (6863) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي اجتاح مالي فقال أنت ومالك لأبيك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم. ورواه الشافعي في مسنده (639) من حديث محمد بن منكدر: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي مالا وعيالا وأنه يريدأن يأخذ مالي ويطعمه عياله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" قال الزيلعي في نصب الراية: قال ابن القطان: إسناده صحيح، وقال المنذري: رجاله ثقات، وقال في التنقيح": ويوسف بن اسحاق من الثقات المخرج لهم في "الصحيحين" قال: وقول الدراقطني فيه: غريب تفرد به عيسى عن يوسف لا يضره، فإن غرابة الحديث والتفرد به لا يخرجه عن الصحة. قال المناوي في الفيض: قال ابن حجر في تخريج الهداية: رجاله ثقات لكن قال البزار: إنما يعرف عن هشام عن ابن المنكدر مرسلا وقال البيهقي: أخطأ من وصله عن جابر (طب) وكذا البزار (عن سمرة) بن جندب قال الهيثمي: فيه إبراهيم بن عبد الحميد ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات وقال ابن حجر: فيه من طريق ابن مسعود هذا معاوية بن يحيي وهو ضعيف وأما حديث سمرة فإن العقبلي بعد تخريجه عنه قال: وفي الباب أحاديث فيها لين وبعضها أحسن من بعض وقال البيهقي: روى من وجوه موصولا لا يثبت مثلها وقال ابن حجر في موضع آخر قد أشار البخاري في الصحيح إلى تضعيف هذا الحديث.
[227]:تقطع يد السارق في ربع دينار: رواه البخاري في الحدود (6791،6790،6789) ومسلم في الحدود (1684) ومالك في الموطأ كتاب الحدود (1575) وأبو داود في الحدود (4384،4383) والترمذي في الحدود (1445) والنسائي في قطع السارق (4914) وابن ماجه في الحدود (2585) والدرامي في الحدود (2300) و أحمد في مسنده (23559) من حديث عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا.
[228]:ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم: رواه الترمذي في الحدود (1424) من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العقوبة. قلت: في إسناده يزيد بن زياد. قال الزيلعي في نصب الراية: ورواه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في "مختصره" فقال: يزيد بن زياد، قال فيه النسائي: متروك، انتهى و قال الترميدي في"علله الكبير" : قال محمد ابن اسماعيل : يزيد بن زياد منكر الحديث، ذاهب ، انتهى. ورواه الدارقطني ،ثم البيهقي في "سننيهما" مرفوعا، وقال البيهقي: الموقوف أقرب إلى الصواب. قلت وذكره أيضا من حديث علي وقال:أ ما حديث علي: فأخرجه الدارقطني في" سننه" (2) عن مختار التمار عن أبي مطر عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ادرءوا الحدود "،انتهى ومختار التمار ضعيف.
[229]:زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2/354.
[230]:تفسير القرطبي6/172.
[231]:لا قطع على خائن: رواه أبو داود في الحدود (4392) والترمذي في الحدود (1448) والنسائي في قطع السارق (4971) وابن ماجه في الحدود (2591) والدرامي في الحدود (2310) وأحمد في مسنده (14652) من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يقطع الخائن ولا المنتهب ولا المختلس. قال المناوي في الفيض: قال ابن حجر رواته ثقات إلا انه معلول بين ذلك ابو حاتم والنسائي. قال الزيلعي في نصب الراية: وسكت عنه عبد الحق في "أحكامه" وابن القطان بعده، فهو صحيح عندهما وفرقة أبو داود، فرواه بهذا الإسناد، ليس على المنهي قطع، ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا، وقال بهذا الإسناد: ليس على الخائن، ولا على المختلس قطع انتهى، قال أبو داود: وهذان الحديثان لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير.
[232]:أتشفع في حد من حدود الله: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ح 3475 وفي حدود ح 6788،و مسلم في الحدود ح 1688، والترمذي في الحدود ح 1430 ،والنسائي في قطع السارق ح 4902،4899، وأبو داود في الحدود ح 4373 ،وابن ماجه في الحدود 2547 ،والدرامي في الحدود ح 2302.
[233]:تفسير القرطبي 6/169 بتصرف واختصار شديد، وتنظيم.
[234]:تفسير المنار 6/384 زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2/354.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ( 38 ) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ( 39 ) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير } تتضمن هذه الآية أحكام السرقة كثيرة ومستفيضة يمكن الوقوف عليها في مظانه من كتب الفقه .

على أن عقوبة السارق بقطع يده صارمة يراد منها الحيلولة بين المجتمع وأسباب الفساد والتخريب والفوضى التي يقترفها فريق فاسد من الخائنين أولي الهمم الخاوية والطباع المريضة . ونعرض هنا للحملة المسعورة الحمقاء التي يثيرها خصوم الإسلام من صليبيين واستعماريين وصهيونيين وشيوعيين ووثنيين وأتباعهم من المقلدين الناعقين . لقد أثار هؤلاء الظالمون ضجة لاهثة هوجاء من التجني على الإسلام من أجل هذه العقوبة التي فرضها الإسلام لدرء الشر والأذى عن المجتمع . أثاروا حملة مجنونة كاذبة من الدعايات الظالمة لتشويه الإسلام ولتنفير الناس من الإقبال على هذا الدين الكريم العظيم . لا جرم أنها دعايات مصطنعة ومفتراة لا تحتمل الثبات أو التماسك عند النظر والتبصر ولدى المناقشة في تعقل وروية . إن ما يثيره أعداء الإسلام من شبهات وتخريص حول هذا الدين لا يساوي في ميزان الحقيقة إلا ما تزنه الفقاقيع من ذرات البصاق المتطاير في الأفق عقيب الكلام الملفق الفاضح . الكلام الذي تجترحه حناجر الخراصين الدجاجلة من أعداء الإسلام في كل مكان وزمان .

لقد حسب هؤلاء الحاقدون الجهلة أن أيدي الناس سوف تقطع بالجملة لو عمل المسلمون بشريعة الإسلام . أو ظنوا أن مئات أو آلافا من الناس سوف يساقون في طوابير لتقطع أيديهم إذا ما طبق الإسلام ، لا جرم أن هذا بهتان مبين . بل إنه تصور ضال وجهول يراود هؤلاء الفارغين الذين لا يفهمون عن حقيقة الإسلام إلا ما يعيه الأطفال الرضع عن حقيقة الكون والحياة !

إن عقوبة السرقة بالقطع لا يفرضها الإسلام إلا ضمن ضوابط وشروط . وتلكم هي الشروط نذكرها باقتضاب وإيجاز .

الشرط الأول : التكليف . أي أن يكون السارق مكلفا . والتكليف يناط هنا بالعقل والبلوغ والاختيار . أما البلوغ فهو سن الاحتلام عند الذكور ، والمحيض لدى النساء .

أما الاختيار فهو كون السارق غير مكره . فإن أكره على السرقة فلا حد عليه ، وذلك للخبر " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ويستدل لدرء الحد عن السارق إن كان غير بالغ ولا عاقل بالحديث " رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق " .

الشرط الثاني : أن يكون المسروق مالا متقوما . وبذلك لو سرق خمرا أو خنزيرا أو كلبا أو جلد ميتة فلا تقطع يده . وكذلك لو سرق صنما أو أداة الملاهي لا حد عليه . يستوي في ذلك ما لو كان المسروق منه مسلما أو كتابيا من أهل الذمة{[948]} .

الشرط الثالث : أن يكون المسروق بالغا نصابا . ومقدارا موضع خلاف بين العلماء . فقد ذهب الجمهور وفيهم المالكية والشافعية والحنابلة والشيعة الإمامية وآخرون أن نصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم ، فإن كان دون ذلك فليس نصابا ولا يجب فيه الحد . واحتجوا بجملة أخبار ، منها ما رواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " .

وذهبت الحنفية إلى أن نصاب السرقة الموجب للقطع هو دينار أو عشرة دراهم فإن كان دون ذلك فلا حد على السارق{[949]} واستدلوا لذلك بجملة أحاديث منها ما رواه النسائي عن أيمن قال : " لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن وثمن المجن يومئذ دينار " .

الشرط الرابع : كون المسروق محرزا . أي أن يأخذه السارق من داخل الحرز . وهو الموضع المكين الحصين الذي يوجد فيه المال عند سرقته . نقول حرز حريز للتأكيد ، مثلما يقال حصن حصين . ونقول احترز من كذا . أي تحفظ منه{[950]} .

على أن شرط الإحراز عظيم الأهمية للغاية . ذلك أن المال المحرز محفوظ في مكانه المناسب المحصن بما لا يستطيع معه السارقون ومرضى النفوس أن ينفذوا إليه .

فإنهم يعوزهم الاقتدار على أخذه ما دام مخبوءا في موضعه الحصين . وذلك بخلاف غير المحرز فإنه مال في حكم المسيب الذي يصير عرضه لسطو اللصوص . بل إن كونه مسيبا وغير محرز فيه من الإغواء للسارقين ما يثيرهم ويغريهم بالنفاذ إليه لأخذه . وبذلك فإن صاحب المال غير المحرز ملوم لتقصيره وتفريطه إذ جعل ماله عرضة للسرقة . ومن بالغ العدل المطلق في شريعة الإسلام أن يكون لسارق المال من غير حرز بعض العذر ليندرئ عنه الحد .

وذلك بخلاف المال الذي يكون في حرز حصين مكين فإنه يصير بعيد المنال عن السارقين واللصوص لاستحالة بلوغه أو صعوبة الحصول عليه إلا بتحطيم الحرز وإتلافه .

فهو – في هذه الحال – لا ينفذ إليه إلا من كان حاذقا بارعا في الخيانة واللصوصية . أو كان على غاية من الاجتراء المتوقح الذي يستوجب العقاب الصارم وهو القطع .

واشتراط الحرز لوجوب القطع قال به عامة أهل العلم خلافا لأهل الظاهر وآخرين : إذا احتجوا بظاهر آية السرقة على وجوب القطع في كل سرقة كيفما كانت ومهما كان حجمها ، محرزة وغير محرزة . والصحيح الأول وهو اعتبار الحرز لإيقاع الحد{[951]} ويستدل على ذلك بما أخرجه البيهقي عن عثمان بن عفان قوله : " ليس على سارق قطع حتى يخرج المتاع من البيت " وكذلك روى البيهقي عن ابن أبي حسين المكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة{[952]} جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " والتفصيل بأكثر من ذلك في مسألة الحرز يطلب من مظانه في كتب الفقه .

الشرط الخامس : أن تكون ثمة دعوى أو خصومة يقيمها صاحب المال المسروق ليطالب الحاكم أو القاضي بتضمين المتهم بالسرقة . فإذا ما استبان للحاكم اقتراف السرقة تماما وبشروطها المعروفة أقام الحد على السارق . وبذلك لو اعترف الجاني بالسرقة أو قامت عليه بينة بحصول السرقة منه فلا يقطع ، إلا أن يأتي صاحب المال يباح بالبذل والإباحة . ومن المحتمل أن صاحب المال قد أباحه لآخذه وهو المتهم بالسرقة . أو أن يكون وقفه على المسلمين وهو واحد منهم أو أنه أذن له في دخول حرزه . ومثل هاتيك الاحتمالات تفضي إلى تحصيل الشبهة التي يدرأ بها الحد .

وبذلك لا يقام الحد على السارق إلا عقب المطالبة من صاحب المال{[953]} .

الشرط السادس : انعدام الشبهة . والشبهة في اللغة من الاشتباه وهو الالتباس . نقول تشابها واشتبها أي أشبه كل واحد منهما الآخر فالتبسا . وأمور مشتبهة ومشبهة أي مشكلة . وشبه عليه الأمر تشبيها أي لبس عليه . فالشبهة تعني الالتباس{[954]} .

والشبهة في الحدود ما كان من انخرام أو نقص في شروط الجناية الموجبة للحد بما يجعل هذه الجناية لا تكافئ العقوبة المقدرة في الشرع .

وهنا السرقة ، فأيما انخرام أو نقص في شروطها يجعله الشرع شبهة تهبط بمستوى السرقة لتكون دون الجناية الموجبة للقطع . ذلك أن القصور في درجة الجناية قمين بدفع الحد كيلا يقع على الجاني ، لأن جنايته بحصول الشبهة كانت دون الجناية الكاملة المكافئة لعقوبة القطع .

وجدير ذكره هنا أن الإسلام قد حرض تحريضا على التماس الشبهات لدرء الحدود عن الجناة ما أمكن . والتصور الإسلامي في ذلك أن الخطأ في إيقاف العقوبة خير من إيقاع العقوبة ظلما عند حصول الشبهة .

فقد أخرج الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " .

وأخرج الإمام أبو حنيفة في مسنده عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " .

وروي عن عمر رضي الله عنه قوله : " لأن أخطئ في درء الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات " {[955]} .

وثمة أمثلة تطبيقية يتبين منها أن الشبهة تدرأ حد السرقة عن السارق الذي لم تكتمل جنايته . وهي أمثلة منتشرة وكثيرة :

منها : لو اجتاحت الناس مجاعة مضنية تلين فيها العزائم ، وتسترخي بسببها الهمم فتجنح أنفس كثيرة قد عضها الطوى – للسرقة من أموال الناس . فلا مساغ للحاكم في مثل هذه الحال أن يقيم الحد على السارقين لما يحل بساحتهم من شبهة الجوع المضني . يقول الله جل وعلا في عموم ذلك : { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } .

وكان عمر بن الخطاب يقول : " لا قطع في عام المجاعة والسنة " وذلك في عام الرمادة إذ حل بالمسلمين الجدب والقحط فقضهم الجوع قضا حتى إن بعضهم قد سرق لفرط الجوع فلم يقم عليهم عمر الحد . وذلك ما لا خلاف فيه{[956]} .

ومنها : لو سرق ضيف من مضيفه . فإنه ينظر ، إن كان سرق منه من غير حرز فلا قطع عليه ، لأنه مأذون له بالدخول . ونفس الإذن يجعله الشرع شبهة تدرأ الحد . لكنه إذا سرق من حرز في داخل الدار وجب قطعه ، لأنه غير مأذون له بالدخول في الحرز . وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة . بخلاف الإمام مالك فلا يجب عنده القطع حتى لو كسر الحرز وسرق منه المتاع ، لأنه مأذون له بدخول الدار . ومجرد الإذن بدخول الدار شبهة تمنع الحد{[957]} .

ومنها : لو سرق من أصله وإن علا ، أو من فرعه وإن نزل – كأن يسرق من أبيه أو جده ، أو يسرق من ولده أو ولد ولده ، فلا حد عليه . وهو قول الجمهور من العلماء ، وفيهم الحنفية والشافعية والحنابلة . أما المالكية فقالوا بعدم قطع الأصل بسرقة الفرع ، لكن الفرع إذا سرق من مال الأصل وجب قطعه وهو قول الشيعة الإمامية وابن المنذر وأبي ثور{[958]} .

على أن إجماعهم على عدم قطع الأب بسرقة ولده يؤيده ما رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم أباه فقال : يا رسول الله ! إن هذا قد اجتاح مالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنت ومالك لأبيك " .

وأخرج ابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم " .

أما عدم قطع الابن بسرقة مال أبيه ، فوجهه أن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفظا له من التلف فلا يجوز إتلافه حفظا للمال .

ومنها : لو نقب أحد السارقين وحده بيتا ، ثم دخل الآخر البيت وحده ، فأخرج من المتاع المسروق فلا قطع على الاثنين ، لأن الأول الذي نقب البيت لم يسرق بل نقب الحرز ( البيت ) فقط . أما الثاني فلم يهتك الحرز ( البيت ) بل سرق من حرز مهتوك هتكه غيره . فهو كما لو نقب رجلا بيتا ولم يدخله وذهب ثم جاء آخر فوجد البيت مهتوكا . فسرق منه فلا قطع على واحد منهما{[959]} .

ومنها : لو دخل حرزا وأخذ متاعا فحمله أو لم يحمله ثم مسك قبل أن يخرج من الحرز فلا قطع عليه . ولو رمى المتاع خارج الحرز ثم مسك قبل أن يخرج منه فلا قطع عليه أيضا ، لأن يده لم تثبت على المأخوذ في الحالتين . فلا الأخذ لا يتم بإخراج المسروق من الحرز . وهو قول الحنفية{[960]} .

ومنها : لو سرق نقودا من بيوت غير حريزة كما لو كانت غير مغلقة تماما وليس عندها حارس يحرسها فلا قطع .

ومنها : لو سرق من بيت في غير العمران ، كأن يكون ذلك في البر أو الصحراء أو سرق من البساتين وليس فيها حافظ يحرسها فلا قطع ، لأن المال في مثل هذه الأمكنة لا يكون محرزا بغير حافظ مستيقظ{[961]} .

إلى غير ذلك من الشبهات التي لا تقبل الحصر والتي تحول دون تنفيذ القطع وبذلك لا يتحقق القطع إلا في حق فريق من اللصوص المجاهرين بالسرقة في وقاحة مكشوفة واجتراء لئيم مفضوح . أولئك فريق من المجرمين الأشرار يقتحمون بيوت الناس وأماكنهم فيهتكون أستارها هتكا لسرقة أموالهم في مجاهرة خسيسة ظالمة . لا جرم أنهم قلة وهم مفسدون أشقياء لا يستحقون غير العقاب الصارم وهو القطع . فلا يحسبن أحد من الجاهلين أن تطبيق الشريعة مدعاة لقطع كثير من الأيدي . إن هذا الزعم ليس إلا الوهم الغليظ يغشى الأذهان المتربصين والمتعصبين الحانقين الذين يكرهون الإسلام .

إن تنفيذ هذا الحد قليلا ما يتحقق لشدة الضوابط التي قررتها الشريعة في ذلك . وهي ضوابط لا يتجاوزها من السارقين المستحقين للقطع- إلا القليل .

قوله : { جزاء بما كسبا } جزاء ، مفعول لأجله منصوب . أي اقطعوا أيديهما للجزاء وقيل : منصوب على المصدر لاقطعوا . وبما كسبا ، أي بسبب كسبهما أو ما كسباه من السرقة .

قوله : { نكالا من الله } مفعول لأجله أيضا . أو منصوب على المصدر كالقول في { الجزاء } فيكون تقدير الكلام : جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من الله . والنكال اسم . نكل به تنكيلا ، أي صنع به صنيعا يحذر غيره . ونكل به نكلة أي أصابه بنازلة . ونكل به التشديد للمبالغة{[962]} .

قوله : { والله عزيز حكيم } أي أن الله قوي في انتقامه من السارقين وهو سبحانه لا يغالب في كيده لهم والانتقام منهم بما أوجبه عليهم من حد ، وهو كذلك حكيم فيما فرضه على السارقين والعصاة من حدود{[963]} .


[948]:- المهذب ج 2 ص 277-28 والمدونة ج 4 ص 417 والأنوار للأردبيلي ج 2 ص 505 والبناية في شرح الهداية للعيني ج 5 ص 505 والنهاية للطوسي ص 716 والمغني ج 8 ص 258.
[949]:- بدائع الصنائع للكساني ج 7 ص 77 والبناية في شرح الهداية ج 5 ص 529.
[950]:- لسان العرب ج 7 ص 198.
[951]:- المغني ج 8 ص 248 والأحكام السلطانية ص 226 والمدونة ج 4 ص 416 ومختصر المزني ص 263 والمهذب ج 2 ص 279 وتحفة الفقهاء للسمرقندي ج 3 ص 237.
[952]:- الحريسة: الشاة المسروقة من المرعى.
[953]:- لمغني ج 8 ص 284 والبدائع ج 7 ص 88 والمهذب ج 2 ص 282.
[954]:- القاموس المحيط ج 4 ص 288.
[955]:- نيل الأوطار ج 7 ص 110.
[956]:- المهذب ج 2 ص 282 والمغني ج 8 ص 278 وأسهل المدارك ج 3 ص 178 والنهاية للطوسي ص 719.
[957]:- الأنوار ج 2 ص 510 والبناية ج 5 ص 565 والكافي ج 3 ص 181.
[958]:- المغني ج 8 ص 257 والمهذب ج 2 ص 281 والبناية ج 5 ص 565 والمدونة ج 4 ص 418.
[959]:- المغني ج 8 ص 281 والبدائع ج 7 ص 65.
[960]:- البدائع ج 7 ص 65.
[961]:- المهذب ج 2 ص 278 والكافي ج 3 ص 183 والبدائع ج 7 ص 73.
[962]:- القاموس المحيط ج 4 ص 61 والمصباح المنير ج 2 ص 296.
[963]:- روح المعاني ج 5 ص 134 وتفسير الطبري ج 6 ص 148 وتفسير القرطبي ج 6 ص 174.