تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (153)

{ إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور } .

المفردات :

تصعدون : تشتدون في العدو منهزمين .

ولا تلوون على أحد : ولا تلتفتون إليه لجدكم في الهرب فرارا من الطلب .

أخراكم : مؤخرة جيشكم .

أثابكم غما بغم : جزاكم الله غما بالهزيمة بسبب غمكم للرسول بالمخالفة أو غما متصلا بغم .

التفسير :

153- { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على مل فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون } .

والصعود : الارتفاع على الجبال والدرج والصعود أيضا الذهاب في صعيد الأرض والإبعاد فيها .

أي اذكروا أيها المؤمنون وقت أن كنتم مصعدين تهرولون بسرعة في بطن بوادي بعد ان اختلت صفوفكم واضطرب جمعكم وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض ولا يلتفت أحدكم إلى غيره من شدة الهرب والحال أن رسولكم صلى الله عليه وسلم يدعوكم في أخراكم أي يناديكم في آخركم أو في جماعتكم الأخرى أو من خلفكم والمراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو المنهزمين إلى الثبات وإلى ترك الفرار من الأعداء وإلى معاودة الهجوم عليهم وهو ثابت لم يتزعز ومعه نفر من أصحابه .

جاء في نور القرآن ما يأتي :

والعبارة ترسم صورة حركتهم الحسية وحركتهم النفسية في ألفاظ قلائل فهم مصعدون هربا في اضطراب ورعب ودهشة لا يلتفت أحد إلى أحد من الهول ولا يجيب أحد داعي أحد من الذعر والرسول يدعوهم وهم مصعدون إنه مشهد كامل في ألفاظ قلائل .

وكانت النهاية أن يجزيهم الله على الغم الذي تركوه في نفس الرسول بفرارهم غما يملأ صدورهم على ما كان منهم وعلى تركهم رسولهم يصيبه ما أصابه وهو ثابت دونهم وهم عنه فارون ذلك كي يتعلموا ألا يحفلوا بشيء يفوتهم ولا يحزنوا لأذى يصيبهم فهذه التجربة التي مرت بهم وذلك الندم الذي ساور نفوسهم وذلك الغم الذي استشعروه فيما فعلوه . . كل أولئك سيصغر في نفوسهم كل ما يفوتهم من عرض وكل ما يصيبهم من مشقة ويجعلهم أدق تقديرا للأمور كلها خيرها وشرها بعد هذه التجربة الأليمة لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم . والله المطلع على الخفايا يعلم حقيقة أعمالكم ودوافعكم وتأثراتكم والله خبير بما تعملون .

وفي تفسير الجلالين فأثابكم فجازاكم . غما الهزيمة . بغم بسبب غمكم للرسول وقيل الباء بمعنى على أي : مضافا على غم .

قالت المعتزلة : وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين ولكن الغرض ألا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال .

وقال النيسابوري : 118 : ( المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك فيصير هذا مانعا لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة من وقعة أخرى ثم كان زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال : { والله خبير بما تعملون } عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك ) 119 .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (153)

قوله تعالى : { إذ تصعدون } . يعني ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن ، وقتادة ، تصعدون بفتح التاء والعين ، والقراءة المعروفة بضم التاء وكسر العين . والإصعاد السير في مستوى الأرض ، والصعود الارتفاع على الجبال والسطوح ، قال أبو حاتم : يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك ، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره ، وقال المبرد : أصعد إذا أبعد في الذهاب ، وكلتا القراءتين صواب ، فقد كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد ، وقال المفضل : صعد وأصعد بمعنى واحد .

قوله تعالى : { ولا تلوون على أحد } . أي لا تعرجون ولا تقيمون على أحد لا يلتفت بعضكم إلى بعض .

قوله تعالى : { والرسول يدعوكم في أخراكم } . أي : في آخركم ومن ورائكم " إلي عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة " .

قوله تعالى : { فأثابكم } . فجازاكم ، جعل الإثابة بمعنى العقاب ، وأصلها في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب ، كقوله تعالى ( فبشرهم بعذاب أليم ) . جعل البشارة في العذاب ، ومعناه جعل مكان الثواب الذي كنتم ترجون .

قوله تعالى : { غماً بغم } . وقيل : الباء بمعنى على ، أي غماً على غم ، وقيل : غماً متصلاً بغم ، فالغم الأول : ما فاتهم من الظفر والغنيمة ، والغم الثاني ما نالوا من القتل والهزيمة . وقيل : الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح . والغم الثاني ما سمعوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فأنساهم الغم الأول وقيل : الغم الأول إشراف خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين ، والغم الثاني : حين أشرف عليهم أبو سفيان ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة ، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه فأراد أن يرميه ، فقال " أنا رسول الله " صلى الله عليه وسلم ، ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرح النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به ، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا ، فأقبل أبو سفيان وأصحابه ، حتى وقفوا بباب الشعب ، فلما نظر المسلمون إليهم أهمهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم ، فأنساهم هذا ما نالهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس لهم أن يعلونا اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض " ، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم . وقيل : إنهم غموا الرسول بمخالفة أمره ، فجازاهم الله بذلك الغم غم القتل والهزيمة .

قوله تعالى : { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } . من الفتح والغنيمة .

قوله تعالى : { ولا ما أصابكم } . أي ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة .

قوله تعالى : { والله خبير بما تعملون } .