تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

المفردات :

تعالوا : أقبلوا وأحضروا .

أتل : أقرأ .

إملاق : فقر وفاقة .

الفواحش : ما عظم قبحه من المعاصي .

وصاكم به : أمركم وألزمكم به .

التفسير :

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . . . الآية .

تأتي هذه الآية في أعقاب توجيه المشركين ومناقشتهم ، حتى إذا استبان لهم الطريق ووضحت الحجة ، أمر الله رسوله أن يدعوهم ؛ ليوضح لهم المحرمات ، ويرشدهم إلى الواجبات .

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . .

أي : قل لهم يا محمد : أقبلوا ، وأحضروا إلي ؛ لأقرأ لكم الآيات المشتملة على ما حرم الله عليكم وما أوجبه .

ألا تشركوا به شيئا .

أوصيكم ألا تشركوا مع الله في عبادتكم آلهة أخرى ، بل خصوه وحده بالعبادة والخضوع والطاعة ، فإنه هو الخالق لكل شيء .

والنهي عن الإشراك يقتضي الأمر بالإخلاص وصدق النية والبعد عن الرياء ، وقد ساق القرآن مئات الآيات التي تدعو إلى الإيمان ، وتنفر من الشرك ، وتقيم الأدلة الساطعة والبراهين الدامغة على وحدانية الله عز وجل .

قال تعالى :

قل هو الله أحد . . . ( الإخلاص : 1 ) .

وقال سبحانه :

أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون . ( النمل : 61 ) .

وقال عز شأنه : لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا . . . ( الأنبياء : 22 ) .

وقال تعالى : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والأرض فرشناها فنعم الماهدون * ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين . ( الذاريات : 47 – 51 ) .

وقال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . . . ( النساء : 116 ) .

وبالوالدين إحسانا . . . ( الإسراء : 23 ) .

أي : أحسنوا إليهما إحسانا وذلك بالبر بهما ، وامتثال أمرهما ونهيهما ، وفيه نهى عن عقوقهما .

وقد جاءت الوصية بالوالدين بعد النهي عن الشرك ؛ تنبيها على أهمية بر الوالدين ، وتحذيرا من عقوق الوالدين خصوصا في حالة الكبر والضعف ، حيث يكون الأب أو الأم في أمس الحاجة إلى الرعاية النفسية .

أو المادية ، وهو نوع من تكافل الأجيال ورد الجميل ، ولا يوفق لإكرام والديه إلا من يرد له الجميل من ذريته وفي الحديث الشريف : ( عفوا ؛ تعف نساؤكم ، وبروا آباءكم ؛ تبركم أبناءكم ) ( 13 ) .

وفي الربيع الثاني من سورة الإسراء قدم القرآن26 ‌وصية وأدبا بدأها بالدعوة إلى التوحيد وعدم الشرك وثناها بالدعوة إلى بر الوالدين . حيث قال تعالى :

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .

( الإسراء : 23 ، 24 )

ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم .

الإملاق : الفقر .

وكانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكور والإناث ، خشية الإملاق وتفعله بالإناث ؛ خشية العار ، فبين الله أنه هو الرزاق للوالد والولد وكل الكائنات الحية قال تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . ( هود : 6 ) .

والمعنى : لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكلفنا برزقكم ورزقهم .

وفي سورة الإسراء قال تعالى : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا . ( الإسراء : 31‍ )

وفي سورة الإسراء قدم رزق الأولاد على الآباء ؛ للإشارة إلى أن الولد الضعيف يرزق أصلا والأب يرزق تبعا .

فالله يرزق الأب تابعا لرزق الابن .

وقد ورد في هدى السنة أن رجلا اشتكى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنه يعمل ويكدح ويطعم أخاه الذي لا يعمل ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لعلك به ترزق ) ( 14 ) .

ولا تقربوا الفواحش .

وكل قول أو فعل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب البعد عنها ، كالسرقة والزنى ، والنميمة وشهادة الزور .

ما ظهر منها وما بطن .

قال أبو السعود : أي : ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أرذالهم ، وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم .

ونجد القرآن ينهى عن الاقتراب من الفواحش ؛ لأن من حام حول الحما يوشك أن يقع فيه ، ولأنه إذا حصل النهي عن الاقتراب من الشيء ، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى .

وقريب ذلك من قوله تعالى :

ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا . ( الإسراء : 32 )

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق .

أي : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها ، بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد ، إلا إذا فعلت ما يوجب قتلها كالقصاص أو الردة أو الزنى بعد الزواج .

روى الشيخان عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ( 15 ) .

قال الشوكاني : ومن الحق قتلها قصاصا ، وقتلها بسبب زنى المحصن ، وقتلها بسبب الردة ، وهذه هي الأسباب التي ورد الشرع بها .

ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون .

أي : ذلكم الذي ذكرناه لكم من وصايا جليلة ، وتكاليف حكيمة ، وصاكم الله به ، وطلبه منكم ، لعلكم تستعملون عقولكم في أداء هذه الحقوق الثابتة ، المتجاوبة مع الفطرة ، وهذه الحقوق الخمسة المذكورة في الآية الكريمة وهي :

توحيد الله .

الإحسان إلى الوالدين .

عدم قتل الأولاد .

الابتعاد عن الفواحش .

عدم قتل النفس إلا بالحق .

وأداء هذه الوصايا يتفق مع العقل والفطرة السليمة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

ولما أبطل دينهم كله أصولاً وفروعاً في التحريم والإشراك ، وبين فساده بالدلائل النيرة ، ناسب أن يخبرهم بالدين الحق{[31611]} مما{[31612]} حرمه الملك الذي له الخلق والأمر ومن غيره{[31613]} ، فليس التحريم لأحد غيره فقال : { قل تعالوا } أي أقبلوا إليّ صاعدين من حضيض الجهل والتقليد وسوء المذهب إلى أوج العلم ومحاسن الأعمال ؛ قال صاحب الكشاف : هو من الخاص{[31614]} الذي صار عاماً ، يعني حتى صار يقوله الأسفل للأعلى { أتل } أي أقرأ ، من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضاً . و{[31615]} لما كان{[31616]} القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك{[31617]} ، و{[31618]} كان المحرم أهم ، قدمه فقال : { ما حرم ربكم } أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم { عليكم } فسخطه منكم ، وما وصاكم به إقداماً وإحطاماً فرضيه{[31619]} لكم من قبيلي{[31620]} الأصول والفروع ؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهياً عن الشرك ، وما بعده من مضمون الأمر إنما عدي عنها ، فقال : { ألا تشركوا به شيئاً } الآيات مرتباً جملها أحسن ترتيب ، فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل ، فإن التقية{[31621]} بالحمية قبل الدواء ، وقرن به البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيماً لأمر العقوق ، ثم أولاه القتل الذي هو أكبر الكبائر بعد الشرك ، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه فعله{[31622]} خوف القلة ، فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم ، أتبعه ما لأول منعم بعده بالتسبب في{[31623]} الوجود ، فقال ناهياً عن الإساءة في صورة الأمر بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما ، وكذا جميع المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأموراً بها منهياً عن أضدادها ، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم : { وبالوالدين } أي افعلوا بهما { إحساناً } .

ولما أوصى بالسبب في الوجود ، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال : { ولا تقتلوا أولادكم } ولما كان النهي عاماً ، وكان ربما وجب على الولد قتل ، خص لبيان{[31624]} الجهة فقال : { من إملاق } أي من أجل فقر حاصل بكم ، ثم علل ذلك ، ولأجل أن الظاهر هو{[31625]} حصول الفقر قدم الآباء فقال : { نحن نرزقكم } بالخطاب ، أي أيها الفقراء ، ثم عطف عليه الأبناء فقال : { وإياهم } وظاهر قوله في الإسراء

{ خشية إملاق{[31626]} }[ الإسراء : 31 ] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر ، فبدأ بالأولاد فقال : " نحن{[31627]} نرزقهم " ثم عطف الآباء فقال " وإياكم " - نبه عليه أبو حيان .

ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد{[31628]} الشرك ، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش ، وهي ما غلظت{[31629]} قباحته ، وعظم أمرها بالنهي عن القربان فضلاً عن الغشيان فقال : { ولا تقربوا الفواحش } ثم أبدل منها تأكيداً للتعميم قوله : { ما ظهر منها } أي الفواحش { وما بطن } ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيماً له بالتخصيص{[31630]} بعد التعميم فقال : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } أي الملك الأعلى عليكم قتلها { إلا بالحق } أي الكامل ، ولا يكون كاملاً إلا وهو كالشمس وضوحاً لا شبهة فيه ، فصار قتل الولد منهياً عنه ثلاث مرات ؛ ثم أكد المذكور بقوله : { ذلكم } أي الأمر العظيم في هذه المذكورات .

ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس ، ختمها بما لا يقوله{[31631]} إلا المحب الشفوق ليتقبلها{[31632]} القلب فقال : { وصّاكم به } أمراً ونهياً ؛ ولما كانت هذه الأشياء لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا تحتاج إلى مزيد فكر قال : { لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا{[31633]} على رجاء من المشي على منهاج العقلاء{[31634]} ، فعلم من ذكر الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها والمحرمات أضدادها ، فصار شأنها مؤكداً من وجهين : التصريح بالتوصية{[31635]} بها ، والنهي عن أضدادها .


[31611]:زيد من ظ.
[31612]:من ظ، وفي الأصل: بما.
[31613]:زيد من ظ.
[31614]:في ظ "و".
[31615]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31616]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31617]:زيد من ظ.
[31618]:زيد بعده في ظ: لما.
[31619]:من ظ، وفي الأصل: فرضته.
[31620]:من ظ، وفي الأصل: قبيل.
[31621]:في ظ: التنقية.
[31622]:في ظ: فلعله- كذا.
[31623]:في ظ: إلى.
[31624]:في ظ: بيان.
[31625]:سقط من ظ.
[31626]:آية 31.
[31627]:زيد من ظ والقرآن الكريم.
[31628]:في ظ: ثم.
[31629]:من ظ، وفي الأصل: عطفت.
[31630]:من ظ، وفي الأصل: بالتخفيف.
[31631]:من ظ، وفي الأصل: لا تقوله.
[31632]:في ظ: ليقبلها.
[31633]:من ظ، وفي الأصل: ليكونوا.
[31634]:في ظ: العقل.
[31635]:من ظ، وفي الأصل: بالوصية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

قوله تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسنا ولا تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون ( 151 ) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصكم به لعلكم تذكرون ( 152 ) وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصكم به لعلكم تتقون } .

ما اسم موصول في محل نصب مفعول لقوله : { أتل } ولا ، في قوله : { ألا } زائدة . وتقديره : حرم عليكم أن تشركوا . ويجوز أن تكون ما استفهامية . فهي بذلك في محل نصب بالفعل { حرم } وتقدير ذلك : أي شيء حرم ربكم ؟ .

يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس للإقبال عليه لكي يبين لهم شرع الله فيما حرمه عليهم . يأمره أن يقول لهم : تعالوا إلي أيها القوم أقرأ عليكم ما حرم ربكم عليكم . وما أقوله لكم لهو الحق اليقين الذي أبينه لكم وليس تخريصا كتخريصكم . وكذلك يكون واجب العلماء وهو أن يدعوا الناس إلى دين الله ومنهجه الحق فيبينوا لهم الحق الذي تتضمنه شريعة الإسلام ، ويحذروهم من الباطل بكل صوره وأشكاله ويحذروهم كذلك من الوقوع في المحرمات والفسق كما بينته الآية هنا .

قوله : { ألا تشركوا به شيئا } ألا تشركوا ، في محل نصب بدل من { ما } أي أتل عليكم تحريم الإشراك . وشيئا ، يحتمل المفعولية . أي لا تشركوا به شيئا من الأشياء . ويحتمل المصدرية . أي لا تشركوا به شيئا من الإشراك . وقد بدأ الله بالنهي عن الشرك ، فهو أكبر الكبائر وأفظع المعاصي . لا جرم أن الشرك فادحة شنيعة تدنو دونها كل الموبقات والفوادح فإنه لا يشرك بالله ظالم أثيم قد تردى في هاوية الخاسرين اليائسين . ويستوي في الشرك كل صوره وألوانه من الأوثان الخسران والآلهة المزيفة ، ما بين حجر أصم ، أو كوكب دائر في فلكه يسبح بحمد الله على الدوام ، أو شبحا من الأشباح الموهومة ، أو طاغوتا من طواغيت البشر يدين له المغفلون السفهاء بالطاعة المطلقة والولاء الكامل من غير روية ولا نظر ، إلا العماية والخور ، أو السفاهة والضلالة وانعدام البصر .

قوله : { وبالولدين إحسنا } إحسانا منصوب على المصدر ، لفعل مضمر من لفظه . أي أحسنوا بالوالدين إحسانا . والإحسان إلى الوالدين يعني البر بهما وامتثال أوامرهما وبذل الخير والنصح لهما ، وكامل التواضع واللين في مخاطبتهما ودفع الأضرار والشرور عنهما .

قوله : { ولا تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم } بعد أن بين الله حق الوالدين على الأولاد ، ذكر عقيب ذلك حق الأولاد على الوالدين فنهى عن قتلهم خوفا من الفقر مثلما كان الجاهليون يفعلون بالذكور والإناث على السواء . إذ كانوا يقتلون خوفا من الفقر ويئدون البنات خشية العار . لا جرم أن ذلك مربع الشناعة وبالغ الفداحة والنكر . فإنه لا يجترئ على قتل النفس البريئة إلا مقبوح ظلوم ، أو عات وعتل وغشوم . ما ينبغي لعاقل ذي قلب وكينونة بشرية سوية أن يجترئ على قتل ولده خشية الفقر . فإن الله جلت قدرته لهو القمين برزق الوالدين ومن يعولونهم من الأولاد . فليس من مدعاة بعد ذلك للخوف من الفقر على الأسرة والأولاد ما دام الله عز وجل متكفلا بالرزق .

قوله : { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } الفواحش جمع فاحشة ، وهي الزنا وكل ما يشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عنه والفحش ككل شيء جاوز حده ، والفاحش ما جاوز الحد{[1313]} .

على أن تأويل الفواحش ما ظهر منها وما بطن موضع خلاف . فقد قيل : المراد بما ظهر منها زواني الحوانيت ، وأما ما بطن فما خفي . وقد كان أهل الجاهلية يستسرون بالزنا ويرون ذلك حلالا ما كان سرا فحرم الله السر منه والعلانية . فما ظهر منها يعني العلانية ، وما بطن يعني السر . وقد ذكر مثل ذلك عن ابن عباس ، إذ قال : كانوا في الجاهلية لا يرون بأسا بالزنا في السر ويستقبحونه في العلانية فحرم الله الزنا في السر والعلانية .

وقيل : الأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين بل يجري على عمومه في جميع الفواحش والمعاصي ظاهرها وباطنها ، لأن اللفظ عام يتناول بعمومه سائر المعاصي والمناهي .

قوله : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ذلك نهي من الله عن قتل النفس التي حرم الله قتلها لعصمتها بالإسلام أو بالعهد كالذمي والمستأمن ، { إلا بالحق } وهو ما يوجب قتلها . أي لا تقتلوا النفس المعصومة بالإسلام أو الذمة أو العهد في حال من الأحوال إلا في حال الحق . أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق . وهو ما يوضحه الحديث . فقد جاء في الصحيحين وكتب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " وهذا الحق عدة أمور نعرض لها في الأخبار التالية . فقد روى الشيخان عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .

وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال : زان محصن يرجم ، ورجل قتل متعمدا فيقتل ، ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض " .

وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو محصور : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه ، أو زنا بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس " فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله ، ولا قتلت نفسا ، فبم تقتلوني .

إلى غير ذلك من الأسباب الموجبة لقتل المسلم . أما غير المسلم وهو الذمي أو المعاهد . ويراد بالمعاهد ، المستأمن من أهل الحرب الذي يدخل دار الإسلام بعقد الأمان من قبل دولة الإسلام . وقد جاء في قتل الذمي والمعاهد ظلما أشد الزجر والتهديد من الله بما يتوعد القاتلين ظلما الحرمان والخسران في الآخرة . فقد روى ابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عيه وسلم قال : " من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر{[1314]} بذمة الله فلا يُرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا " .

وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي بكرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من قتل معاهدا في غير كنهه{[1315]} حرم الله عليه الجنة " .

قوله : { ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون } الإشارة عائدة إلى المنهيات المذكورة . فقد وصاكم الله بوجوب المحافظة على ما كلفتم به وهو اجتناب المنهيات لعلكم بعقولكم تكونون من الراشدين . ومن المعلوم أن كمال العقل هو الرشد .


[1313]:- القاموس المحيط ج2 ص 293 ومختار الصحاح ص 492 والمصباح المنير ج 2 ص 117.
[1314]:- أخفر: نقض عهده وغدر. انظر القاموس المحيط ج 2 ص 23 ومختار الصحاح ص 182.
[1315]:- كنه الشيء: حقيقته ونهايته. والكنه: الوقت، والغاية. انظر المصباح المنير ج 2 ص 204 والمراد بقتله في كنهه: قتله في غير وقته الذي جاز فيه قتله. أو قتله بغير حق.