تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ} (22)

المفردات :

وأرسلنا الرياح : جمع ريح .

لواقح : تلقح الشجر ، وتمرى السحاب ، أي : تستخرج منه المطر .

فأسقيناكموه : لشرب أرضكم .

التفسير :

{ وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين } .

من قدرة الإله الخالق أنه أبدع نظام السماء ، وأبدع نظام الأرض ، وأبدع نظاما متكاملا في هذا الكون ، وعنده خزائن الأرزاق ومواعيدها المناسبة ومن هذه الأرزاق :

أنه سخر الرياح حوامل بالسحاب لأنها تحمل السحاب ؛ في جوفها ، والرياح تنطلق وفق نواميس كونية ، وتحمل الماء وفقا لهذه النواميس ، وتسقط الماء كذلك بحسبها ، ولكن من الذي قدر هذا كله من الأساس ؟ ! لقد قدره الخالق ، ووضع الناموس الكلي الذي تنشأ عنه كل الظواهر .

فهو سبحانه خالق الإنسان ، وخالق الكون ، وبيده الخلق والأمر ، قال تعالى : { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون } . ( الروم : 48 ) .

وقال عز شأنه : { أفرأيتم الماء الذي تشربون*أنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون*لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون } . ( الواقعة : 68 70 ) .

قال المهايمي :

{ وأرسلنا الرياح لواقح } . أي : تلقح السحاب أي : تجعلها حوامل بالماء ؛ وذلك أن السحاب بخار تصير بإصابته الهواء البارد حوامل للماءxix { فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه } . أي : فأنزلنا من السحاب مطرا فأسقيناكم ذلك المطر ؛ لشرب زرعكم ومواشيكم وفي ذلك استقامة أمور معايشكم وتدبير شؤون حياتكم كما قال سبحانه : { وجعلنا من الماء كل شيء حي } . ( الأنبياء : 30 ) .

{ وما أنتم بخازنين } . أي : بقادرين على إيجاده وإنزاله ، والخزن : اتخاذ الخزائن يستعار للقدرة كما مر ، أو بحافظين له في أمكنة ينابيعه ، من سهول وجبال وعيون وآبار ، بل هو تعالى وحده الذي حفظه وسلكه ينابيع في الأرض وجعلنه عذبا ورحم العباد بسقياه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ} (22)

فلما تم ما أراد من آيتي السماء والأرض ، وختمه بشمول قدرته لكل شيء ، أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعاً في خزائن قدرته فقال : { وأرسلنا } أي بما لنا من التصريف الباهر { الرياح } جمع ريح ، وهي جسم لطف منبث في الجو سريع المر { لواقح } أي حوامل تحمل الندى ثم تمجه في السحاب التي تنشئها ، فهي حوامل للماء ، لواحق بالجو ، قوته على ذلك عالية حساً ومعنى ؛ والريح : هواء متحرك ، وحركته بعد أن كان ساكناً لا بد لها من سبب ، وليس هو نفس كونه هواء ولا شيئاً من لوازم ذاته ، وإلا لدامت حركته .

فليست إلا بتحريك الفاعل الواحد المختار { فأنزلنا } أي بعظمتنا بسبب تلك السحائب التي حملتها الرياح { من السماء } أي الحقيقية أو جهتها أو السحاب ، لأن الأسباب المتراقية بسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد وأخرى إلى الأبعد { ماء } وهو جسم مائع سيال ، به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء { فأسقيناكموه } جعلناه لكم سقياً ، يقال : سقيته ماء أي ليشربه ، وأسقيته أي مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد . ونفى سبحانه عن غيره ما أثبته أولاً لنفسه فقال { وما أنتم له } أي ذلك الماء { بخازنين * } والخزن : وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ ، فثبت أن القادر عليه واحد مختار .

ومادة " لقح " بتقاليبها الست تدور على اللحاق ، وتلزمه القوة والعلو حساً أو معنى ، فاللقاح اسم ماء الفحل - لأنه يلحق الأنثى فتحمله ، وقد ألقح الفحل الناقة ، ولقحت لقاحاً : حملت ، والملقوح : ما لقحته من الفحل ، أي أخذته ، وهي الملاقيح - يعني الأجنة ، واللقحة : الناقة الحلوب - لأنها أهل لأن يلقحها جائع ، وألقح القوم النخل ولقحوها - إذا ألحقوها بالفحالة فعلقوها عليها .

والقاحل : اليابس من الجلود ، لأن أجزاءه تلاحق بعضها ببعض فضمرت ، ومنه شيخ قاحل .

واللحق : كل شيء لحق شيئاً أي أدركه ، والملحق : الدعي - لأنه متهيىء لأنه يستلحقه كل من يريده ، والملحاق : الناقة التي لا يفوتها الإبل : قال الزبيدي في مختصر العين : وفي القنوت : إن عذابك بالكغار ملحق - بالكسر ، أي لاحق - لغة .

والحقل : القراح الطيب - لتهيئها لمن يلحق بها ، وقيل : هو الزرع إذا تشعب ورقه ، وهو من ذلك أيضاً ومن لحوقه بالحصاد فيصير كالمحلوق ، والحقيل : نبت ، والحقيلة : الماء الرطب ، أي الأخضر من البقل والشجر في الأمعاء منه ، والحقيلة : حشافة التمر - للحاق كل من أرداه به ، والحوقلة : الغرمول اللين - كأنه مشبه بالنبت الأخضر ، أو لإمكان تثنيه كل وقت ولحوق بعض أجزائه ببعض ، والحوقل : الشيخ الضعيف النكاح - كأنه منه ، والحوقلة : سرعة المشي ، وحقل الفرس - إذا وجع من أكل التراب - كأنه مأخوذ من الحقل ، وحوقل الشيخ : اعتمد بيديه على خصره إذا تمشى - كأنه للحاق يديه خصره .

والحلق مساغ الطعام والشراب ، وحلوق الأرض : أوديتها ومجاريها - للحاق المياه بها ، ولشبهها بالحلوق ، والحلق : حلق الشعر بالموسى ، من اللحاق والقوة ، والمحالق : الأكسية الخشنة التي تحلق الشعر من خشونتها ، والحالق : المشؤوم الذي يحلق قومه ؛ والحلق : ضرب من النبات ، لورقه حموضة - كأنه لسرعة لحاق الماشية به لأنه كالفاكهة لها ، والحلقة : الخاتم بلا فص - لتلاحق أجزائها بعضها ببعض ، ومنه حلقة القوم ، والحلقة : السلاح كله ، إما من هذا لأن منها الدروع ذات الحلق ، تسمية للشيء باسم جزئه ، وإما من القوة والعلو المعنوي لما يلزم عنها ، والحلق : المال الكثير ، إما من ذلك وإما من لحاق صاحبه بمراده ، والحالق : الجبل المنيف - لظهوره وعلوه ولحاقه بالجو ، والحوقلة : القارورة الطويلة العنق ، وحلق الطائر : ارتفع في الهواء ، من هذا ؛ واللقحة : الغراب ؛ والحالق من الكرم والشرى : ما تعلق منه بالقضبان ، فهو ظاهر في اللحاق ، وحلق الضرع - إذا ارتفع إلى البطن وانضم ، فهو من العلو واللحاق ، وقيل : إذا كثر لبنه فهو إذاً من اللحاق ، وتحلق القمر : صارت حوله دارة ، وحلق قضيب الفرس حلقاً - إذا تقشر ، كأنه شبه بما حلق شعره ، وحي لقاح : لم يملكوا قط كأنه من القوة والعلو المعنوي ؛ والقلح : صفرة تعلو الأسنان ، فهو من اللحاق مع العلو ، ويسمى الجعل أقلح من هذا .