تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ} (1)

مقدمة السورة:

نظرات في سورة الحجر

سورة الحجر سورة مكية ، ومحور هذه السورة الأول هو : إبراز المصير المخيف الذي ينتظر الكافرين المكذبين .

وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات متنوعة الموضوع والمجال ، ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل ، سواء في ذلك القصة ، ومشاهد الكون ، ومشاهد القيامة ، والتوجيهات والتعقيبات التي تسبق القصص وتتخلله وتعقب عليه .

وإذا كان جو سورة الرعد يذكر بجو سورة الأنعام ، فإن جو هذه السورة سورة الحجر يذكر بجو سورة الأعراف .

لقد كان ابتداء سورة الأعراف بالإنذار ، ثم ورد فيها آدم وإبليس ، ويلي القصة عرض لبعض مشاهد الكون ، في السماوات والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والنجوم ، والرياح ، والسحاب ، ويلي ذلك قصص : قوم نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، وموسى .

وهنا في سورة الحجر يجيء الإنذار كذلك في مطلعها ، ولكن ملفعا بظل من التهويل حين يقول : { فسوف يعلمون*وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم*ما تسبق من أمّة أجلها وما يستأخرون }( الحجر3 5 ) .

ثم يعرض السياق بعض مشاهد الكون : السماء ، وما فيها من بروج ، والأرض الممدودة ، والرواسي الراسخة ، والنبت الموزون ، والرياح اللواقح ، والماء والسقيا ، والحياة والموت ، والحشر للجميع ، يلي ذلك : قصة آدم وإبليس ، منتهية بمصير أتباعه ، ومصير المؤمنين . ومن ثم لمحات من قصة إبراهيم ، ولوط ، وشعيب ، وصالح ، منظور فيها إلى مصائر المكذبين .

ويمكن تقسيم سياق السورة هنا إلى عدة جولات أو عدة مقاطع يتضمن كل منها موضوعا أو مجالا :

تتضمن الجولة الأولى : بيان : سنة الله التي لا تتخلف في الرسالة والإيمان بها والتكذيب ، مبدوءة بذلك الإنذار الضمني الملفع بالتهويل : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون }( الحجر : 3 ) .

ومنتهية بأن المكذبين إنما يكذبون عن عناد لا عن نقص في دلائل الإيمان ، وأنهم جميعا من طراز واحد .

{ لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين }( الحجر : 13 ) .

وتعرض الجولة الثانية : بعض آيات الله في الكون ، في السماء وفي الأرض ، وما بينهما ، وقد قدرت بحكمة ، وأنزلت بقدر ، وإلى الله مرجع كل شيء وكل أحد في الوقت المقدر المعلوم حيث يقول سبحانه : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم }( الحجر : 21 ) .

وتعرض الجولة الثالثة : قصة البشرية وأصل الهدى والغواية في تركيبها وأسبابها الأصلية ، ومصير الغاوين في النهاية والمهتدين ، وذلك في خلق آدم من صلصال من حمإ مسنون ، والنفخ من روح الله في هذا الطين ، ثم غرور إبليس واستكباره وتوليه الغاوين دون المخلصين .

والجولة الرابعة : في مصارع الغابرين من قوم لوط وشعيب وصالح مبدوءة بقول الله تعالى : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم }( الحجر : 49 ، 50 ) .

ثم يتتابع القصص يجلو رحمة الله مع إبراهيم ولوط ، وعذابه لأقوام لوط وشعيب وصالح .

أما الجولة الخامسة والأخيرة : فتكشف عن الحق الكامن في خلق السماوات والأرض الملتبس بالساعة وما بعدها من ثواب وعقاب ، المتصل بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فهو الحق الأكبر الشامل للكون كله وللبدء والمصير .

الآيات الكونية في سورة الحجر

عرضت سورة الحجر لألوان المكابرة والعناد التي يلجأ إليها الكافرون ثم انتقلت إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء فمشهد الأرض ، فمشهد الرياح اللواقح بالماء ، فمشهد الحياة والموت فمشهد البعث والحشر . . . كل أولئك آيات يكابر فيها المعاندون . قال تعالى : { ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين*وحفظناها من كل شيطان رجيم*إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين }( الحجر : 16 18 ) .

إنه الخط الأول في اللوحة العريضة ، لوحة الكون العجيب الذي ينطق بآثار اليد المبدعة ، ويشهد بالإعجاز ، ويكشف عن دقة التنظيم والتقدير ، كما يكشف عن عظمة القدرة على هذا الخلق الكبير . والبروج قد تكون هي النجوم والكواكب بضخامتها ، وقد تكون هي منازل النجوم والكواكب التي تنتقل فيها في مدارها . وهي في كلتا الحالتين شاهدة بالقدرة وشاهدة بالدقة ، وشاهدة بالإبداع الجميل . قال تعالى : { وزيناها للناظرين } .

وهي لفتة إلى جمال الكون ، وبخاصة أن تلك السماء ، تشي بأن الجمال غاية مقصودة في خلق هذا الكون ، فليست الضخامة وحدها ، وليست الدقة وحدها ؛ إنما هو الجمال الذي ينظم المظاهر جميعا ، وينشأ من تناسقها جميعا .

وإن نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة الحالكة ، وقد انتثرت فيها الكواكب والنجوم توصوص بنورها ثم تبدو كأنما تخبو ، ريثما تنتقل العين لتلبي دعوة من نجم بعيد . . ونظرة مثلها في الليلة القمرية والبدر حالم ، والكون من حوله مهموم كأنما يمسك أنفاسه ؛ حتى لا يوقظ الحالم السعيد .

إن نظرة واحدة شاعرة لكفيلة بإدراك الحقيقة في الجمال الكوني ، وعمق هذا الجمال في تكوينه ، ولإدراك معنى هذه اللفتة العجيبة . . { وزيناها للناظرين } .

والخط الثاني في اللوحة العريضة الهائلة هو : خط الأرض الممدودة أمام النظر المبسوطة للخطو والسير ، وما فيها من رواس وما فيها من نبت وأرزاق للناس ولغيرهم من الأحياء . قال تعالى : { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون } ( الحجر : 19 ) .

إن ظل الضخامة واضح في السياق ، فالإشارة في الأرض إلى الرواسي ، ويتجسم ثقلها في التعبير بقوله : { وألقينا فيها رواسي } .

وإلى النبات موصوفا بأنه : { موزون } ، وهي كلمة ذات ثقل ، وإن كان معناها : أن كل نبت في هذه الأرض في خلقه دقة وإحكام وتقدير .

والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس ، فهذه الأرض الممدودة للنظر والخطو ، وهذه الرواسي الملقاة على الأرض تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون ، ومنه إلى المعايش التي جعلها الله للناس في هذه الأرض ، وهي الأرزاق المؤهلة للعيش والحياة فيها ، وهي كثيرة شتى .

وهذه الأرزاق ككل شيء مقدرة في علم الله تابعة لأمره ومشيئته ، يصرفها حيث يشاء ، كما يريد ، في الوقت الذي يريده ، حسب سنته التي ارتضاها وأجراها في الناس والأرزاق . قال تعالى : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم }( الحجر : 21 ) .

فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئا ، إنما خزائن كل شيء مصادره وموارده عند الله في علاه ينزله على الخلق في عوالمهم : { بقدر معلوم } .

فليس من شيء ينزل جزافا وليس من شيء يتم اعتباطا ، بل كل شيء يتم بحكمة العليم الخبير وتقدير السميع البصير : { إنا كل شيء خلقناه بقدر }( القمر : 49 ) .

قصة آدم في سورة البقرة والأعراف والحجر

ذكرت قصة آدم في القرآن مرتين من قبل ، في سورة البقرة ، وفي سورة الأعراف ، ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص في معرض خاص وفي جو خاص ، ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع واختلفت طريقة الأداء .

في سورة البقرة كانت نقطة التركيز هي استخلاف آدم في الأرض التي خلقها الله للناس جميعا : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة }( البقرة : 30 ) ، ومن ثم عرض الأسرار في هذا الاستخلاف ، وبين قدرة الإنسان على الاستنباط والاستنتاج وتمتعه بالإرادة والاختيار ، ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره ، وسكنى آدم وزوجه الجنة وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها ، ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها بعد تزويده بهذه التجربة القاسية ، واستغفاره وتوبة الله عليه .

وفي سورة الأعراف ، كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ، وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها ، حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولى ، ففريق منهم يعود إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها ؛ لأنهم عادوه وخالفوه ، وفريق ينتكس إلى النار ؛ لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود . . ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة ، وإباء إبليس واستكباره ، ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة ، وهي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة ، ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل ، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما ، وعتاب الله لآدم وزوجه وإهباطهما إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى .

فأما هنا في سورة الحجر فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم ، وسر الهدى والضلال ، وعواملهما الأصلية في كيان الإنسان . . ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمإ مسنون ، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ، وخلق الشيطان من قبل من نار السموم ، ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمإ مسنون ، وطرد إبليس ولعنته وطلبه الانتظار إلى يوم البعث وإجابته ، وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين ، إنما سلطانه على من يدينون له ، ولا يدينون لله ، وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل تبعا لنقطة التركيز في السياق وقد استوفت ببيان عنصري الإنسان ، وبيان مجال سلطة الشيطان .

خلق الإنسان

تفيد الآيات الواردة في سورة الحجر : أن الإنسان قد خلق من{ صلصال من حمإ مسنون }( الحجر : 26 ) .

والصلصال : هو الطين اليابس الذي يصلصل أي : يصوت إذا نقر .

والحمأ : هو الطين الذي تغير واسود من طول مجاورة الماء .

والمسنون : هو المصور أو المصبوب لييبس من سنه إذا صبه ، أي : أن الإنسان مخلوق من طين يابس قد اختلط بالماء وصور على هيئة الإنسان ، ثم نفخ الله فيه من روحه فصار بشرا سويا .

وتفيد آيات القرآن الأخرى : أن الله خلق آدم من تراب ومن طين ، ومن حمإ مسنون ، ومن طين لازب ، ومن صلصال كالفخار ، ومن عجل ؛ ومن ماء مهين .

قال مقاتل بن سليمان في تفسيره الكبير :

ويجمع بين هذه الآيات على أنها دليل على تدرج الخلقة ، فقد بدأ خلق آدم من أديم الأرض ، وهو : التراب ، ثم تحول التراب إلى طين ، وتحول الطين إلى سلالة ، ثم تغيرت رائحة الطين فتحول إلى حمإ مسنون ، ثم لصق فتحول إلى طين لازب ، ثم صار له صوت كصوت الفخار ، ثم نفخ فيه الروح ، فأراد أن ينهض قبل أن تتم الروح فيه فذاك قوله : { خلق الإنسان من عجل } ، ثم جعل ذريته من النطفة التي تنسل من الإنسان ومن الماء المهين وهو الضعيفi .

الربع الأخير من سورة الحجر

يتضمن الربع الأخير من سورة الحجر نماذج من رحمة الله وعذابه ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم ، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين ، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم .

هذا القصص يساق بعد مقدمة هي : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم }( الحجر : 50 ، 49 ) .

فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة ، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب ، كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة فيصدق ماجاء فيها من نذير .

{ ذرهم يأكلون ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون*وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم*ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون }( الحجر : 3 5 ) . فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر ، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل .

الحجر

سميت هذه السورة بسورة الحجر ؛ إشارة إلى أصحاب الحجر وهم : قوم صالح ، والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى ، وهي ظاهرة إلى اليوم ، فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد ، مما يدل على القوة والحضارة .

{ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين }( الحجر : 80 ) .

وهم لم يكذبوا سوى رسولهم الصالح . ولكن صالحا ليس إلا ممثلا للرسل أجمعين ، فلما كذبه قومه قيل : إنهم كذبوا المرسلين ؛ توحيدا للرسالة و للرسل وللمكذبين في كل أعصار التاريخ وفي كل جوانب الأرض على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام .

{ وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين }( الحجر : 81 ) .

وآية صالح كانت الناقة . ولكن الآيات في هذا الكون كثيرة ، والآيات في هذه الأنفس كثيرة ، وكلها معروضة للأنظار والأفكار . وليست الخارقة التي جاءهم بها صالح وهي وحدها الآية التي آتاهم الله . وقد أعرضوا عن آيات الله كلها . ولم يفتحوا لها عينا ولا قلبا ولم يستشعرها فيهم عقل ولا ضمير .

{ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين*فأخذتهم الصيحة مصبحين*فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون }( الحجر82 84 ) .

لقد اتخذ قوم صالح بيوتا حصينة أمينة في صلب الجبال فأخذتهم الصيحة في وقت الصباح ، وهم في ديارهم الحصينة آمنون ، فإذا كل شيء ذاهب ، وإذا كل وقاية ضائعة ، وإذا كل حصين واهن ، ولم يبق لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا شيئا يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف .

وهكذا تنتهي الحلقات الخاطفة من القصص في سورة الحجر محققة سنة الله في أخذ المكذبين عند انقضاء الأجل المعلوم ، فتتناسق نهاية هذا الشوط مع نهايات الأشواط السابقة في تحقيق سنة الله التي لا تختلف ولا تحيد .

وفي ختام السورة ذكر للسنن العامة التي لا تتخلف والتي تحكم الكون والحياة وتحكم الجماعات والرسالات وتحكم الهدى والضلال ، وتحكم المصائر والحساب والجزاء والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها ، تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق .

ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما . وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حملها الرسل قبله ، ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ويبين أن الله هو الخالق لهذا الوجود ، ولكل ما فيهii .

{ إن ربك هو الخلاق العليم }( الحجر : 86 ) .

* * *

بسم الرحمن الرحيم

{ الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين1ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين2 ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون3 وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم4 ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون 5 } .

التفسير :

1 { الر . . . } .

تقدم في سورة البقرة وآل عمران والأعراف حديث عن الحروف المقطعة في فواتح السور .

وخلاصته : أن للعلماء في هذه الأحرف رأيان رئيسان :

الأول : أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه ، وهذا معنى ما نراه في تفسير الجلالين وغيره ، الله أعلم بمراده في ذلك .

الرأي الثاني : أن لهذه الأحرف معان ، وقد اختلف العلماء في معاني هذه الأحرف :

1 فمنهم من قال : إنها أسماء للسورة .

2 ومنهم من قال : إنها إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته .

3 ومنهم من قال : إنها مثل أدوات التنبيه ، كالجرس الذي يقرع ؛ فينتبه التلاميذ لدخول المدرسة ؛ فقد كان الكفار يتواصون : بالإعراض عن استماع القرآن ، فلما طرقت أذهانهم هذه الأحرف ؛ تنبهوا أمام هذا الأمر العجيب .

4 ومنهم من قال : هي حروف للتحدي والإعجاز ، وبيان : أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن ، مع أنه مكون من حروف عربية ، ينطقون بها ويتكلمون بها ، وقد عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ، فدل ذلك على أن القرآن ليس من صنع بشر ، ولكنه تنزيل من حكيم حميد .

5 ومنهم من ذهب إلى أن من إعجاز هذه الأحرف ؛ اشتمالها على جميع المعاني التي ذكرها العلماء في تفسيرها ، فهي أسماء للسورة ، وهي تشير إلى أسماء الله أو صفاته .

وهي في نفس الوقت أدوات للتنبيه .

وهي حروف للتحدي والإعجاز .

وهي مما استأثر الله تعالى بعلمه ، والله أعلم .

{ تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } .

أي : هذه الآيات التي اشتملت عليها هذه السورة ؛ من آيات ذلك الكتاب الكامل ، ومن آيات القرآن المبين الواضح ، وقد جمع الله للكتاب صفتان : فهو الكتاب الكامل من بين الكتب المنزلة ، وهو القرآن الواضح في بيانه وإحكامه ، وقد تميز القرآن من بين سائر الكتب بصفتين :

الأولى : حفظه وقراءته عن ظهر قلب ، والكتب السابقة تقرأ ولا تحفظ ، كما يحفظ القرآن .

الثانية : كتابة القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتجميع كتابته في مصحف واحد في حياة أبي بكر ، ثم كتابته بالفصحى وبلغة واحدة في حياة عثمان بن عفان ، وظل المصحف العثماني ، بالخط العثماني محفوظا إلى يومنا هذا ، لا يختلف مصحف عن آخر ؛ تصديقا لقوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }( الحجر : 9 ) .

والأناجيل كتبت بعد وفاة المسيح عليه السلام بعشرات السنين ، وقد جمعها تلاميذه على ما غلب على ظنهم أن المسيح قاله ، وقد اختلفت الأناجيل عن بعضها ، وغلب على كل إنجيل صفة كاتبه ومعلوماته .

فإن كان فيلسوفا ؛ ظهرت الفلسفة في إنجيله ، وإن كان طبيبا ؛ غلب عليه العناية بالأمور الطبية . ولا يوجد في العالم كتاب يشبه القرآن ، في دقته ونقائه وسلامته من الأخطاء .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الحجر :

{ بسم الله } الواحد الأحد الجامع لما شتت من بدد { الرحمن } الذي جمع خلقه في رحمة البيان { الرحيم * } الذي خص الأبرار بما أباحهم الرضوان .

لما ختم التي قبلها بعنوان الكتاب ، ابتدأ هذه بشرح ذلك العنوان ، وأوله وصفه بأنه جامع والخير كله في الجمع ، والشر كله في الفرقة ، فقال تعالى : { الر تلك } أي هذه الآيات العالية المقام ، النفيسة المرام { آيات الكتاب } أي الكامل غاية الكمال الذي لا كتاب على الحقيقة غيره ، الجامع لجميع ما يقوم به الوجود من الخيرات ، القاطع في قضائه من غير شك ولا تردد ، الغالب بأحكامه القاهرة في وعده ووعيده وأحكامه في إعجازه لجميع من يعانده .

ولما كان الغالب في هذه السورة القطع الذي هو من لوازم الكتاب قدمه ، وذلك أنه قطع بأمر الأجل والملائكة ، وحفظ الكتاب والرمي بالشهب ، وكفاية المستهزئين ، فكان كما قال سبحانه { و } آيات { قرآن } أي قرآن جامع ناشر مفصل واصل ، إذ التنوين للتعظيم { مبين * } لجميع ما يجمع الهمم على الله فيوصل إلى السعادة ، وهذه الإبانة - التي لم تدع لبساً - هو متصف بها ، مع كونه جامعاً للأصول ناشراً للفروع لا خلل فيه يدخل منه عليه ، ولا فصم يؤتى منه إليه ، فأعجب لأمر حاوٍ لجمع وفرق وفصل ووصل : والإبانة : إظهار المعنى للنفس بما يميزه عن غيره ، لأن أصل الإبانة الفصل : فهذا شرح كونه بلاغاً ، فمقصود هذه السورة اعتقاد كون القرآن بلاغاً جامعاً للأمور الموصلة إلى الله ، مغنياً عن جميع الأسباب ، فلا ينبغي الالتفات إلى شيء سواه { ذرهم يأكلوا } ، { لا تمدن عينيك } { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } وكان الجمع بين الوصفين الدال كل منهما على الجمع إشارة إلى الرد عليهم في جعلهم القرآن عضين ، وأن قولهم شديد المباعدة لمعناه . مع أن المفهومين - مع تصادقهما على شيء واحد - متغايران ، فالكتاب : ما يدون في الطروس ، والقرآن : ما يقرأ باللسان ، فكأن الأول إشارة إلى حفظه في الطروس بالكتابة ، والثاني إلى حفظه في الصدور بالدراسة ، وسيأتي قوله { وإنا له لحافظون } مؤيداً لذلك ، وكل من مادتي كتب وقرأ بجميع التقاليب تدور على الجمع .

أما " كتب " - وتنقلب إلى كبت وتبك وبكت وبتك - فقال في المجمل : كتبت الكتاب أكتبه وهو من الجمع ، والكتاب أيضاً : الدواة - تسمية للشيء باسم ما هو آلته ، والمكتب - كمعظم : العنقود أكل بعض ما فيه - تشبيهاً له بالمكتوب ، والكتيبة : الجيش والجماعة المستحيزة من الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف - انتهى . وكتبت البغلة - إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة ؛ وقال القزاز : وأصله - أي الكتاب - ضمك الشيء إلى الشيء ، فكأنه سمي بذلك لضم الحروف بعضها إلى بعض ، كتبت المزادة - إذا خرزتها ، يعني : فضممت بعضها إلى بعض .

والكتبة - بالضم : السير يخرز به ، وما يكتب به حياء الناقة لئلا ينزى عليها ، والإكتاب : شد رأس القربة ، والكتيبة : جماعة تكتبوا ، أي تجمعوا ، وتكبت الرجل - بتقديم الموحدة - إذا تقبض ، ومنه الكتاب - بضم الكاف وتخفيف التاء الفوقانية لسهم صغير يتعلم به الصبيان الرمي - كذا قال القزاز إنه مخفف ، وفي القاموس : وزنه كرمان - وزاد أنه مدور الرأس ، وكتبت الناقة تكتيباً : صررتها ، واكتتب بطنه : أمسك ، والمكتوتب : الممتلىء والمنتفخ ؛ ويلزم الجمع القطع والغلبة التي هي من لوازم القدرة ، فمن القطع : الكتاب بمعنى الفرض والحكم والقدر ؛ والبتك : القطع ولذلك قيل للسيف : باتك ، أي قاطع ، ومن الغلبة والقدرة : الكتاب بمعنى القدر ، قال ابن الأعرابي : والكاتب عندهم العالم ، وقال القزاز : والكاتب : الحافظ ، وهذان يرجعان أيضاً إلى نفس الجمع - لجمع الحافظ المحفوظ والعالم المعلوم ؛ وكبت الله العدو - بتقديم الموحدة : صرفه ذليلاً ، وهو من تكبت الرجل - إذا تقبض ، وعبارة القزاز : كبت أعداءه : ردهم بغيظهم ، أي فانقمعوا وانجمعوا عما كانوا انتشروا له ، وكبت الرجل - إذا صرعه على وجهه ، وبكته تبكيتاً - إذا أنبّه أو ضربه بعصى أو سيف ونحوهما ، لما يلزمه من تصاغر نفسه وتقبضها .

وأما قرأ ، مهموزاً - وينقلب إلى رقأ ، وأرق ، وأقر ، وغير مهموز يائياً وتراكيبه خمسة : قري ، وقير ، ورقي ، وريق ، ويرق وواوياً وتراكيبه ستة : قرو ، وقور ، ورقو ، وروق ، ووقر ، وورق - فهو للجمع أيضاً ، ويلزمه الإمساك ، وربما كان عنه الانتشار ، فمن الجمع : قرأت القرآن ، أي تلوته فجعلت بعض حروفه وكلماته وآياته تالياً لبعض متصلاً به مجموعاً معه ، ويلزم القراءة النسك ، ومنه القارىء والمتقرىء والقراء - كرمان . أي الناسك ، ويلزم عنه الفقه ، ولذا قيل : تقرأ - إذا تفقه ، وهو من الجمع نفسه أيضاً لأن الناسك جمع النسك إلى القراءة وانجمع همه ، والفقيه جمع الفقه إليها ؛ قال في المجمل : والقرآن من القرء وهو الجمع ، أي وزناً ومعنى ، وفي القاموس : وقرأ عليه السلام : أبلغه كأقرأه ، ولا يقال : أقرأه ، إلا إذا كان السلام مكتوباً ؛ وقال الزبيدي في مختصر العين : وقرأت المرأة قرءاً ، إذا رأت دماً ، وأقرأت - إذا حاضت فهي مقرىء - انتهى . فكأنه عبر بذلك عند رؤية الدم لأنه لا يعرف أن المرأة جمعته إلا برؤيته ، وهو من الانتشار الذي قد يلزم الجمع ، أو يكون فعل هنا للإزالة ، فمعناه : أزالت إمساك الدم كما أن هذا معنى أقرأت فإن فعل - لخفته وكثرة دوره - يتصرف في معاني جميع الأبواب ، وقال في المجمل : وأقرأت المرأة : خرجت من طهر إلى حيض أو حيض إلى طهر ، قلت : فالأول يكون فيه أفعل للإزالة ، والثاني للدخول في الشيء كما تقول : اتهم الرجل وأنجد - إذا دخل في تهامة أو نجد ، قال : والقرء : وقت يكون للطهر مرة وللحيض مرة ، قلت : فالأول للجمع نفسه ، والثاني لأنه دليل الجمع ، قال : والجمع قروء ، ويقال : { القروء } هو الطهر ، وذلك أن المرأة الطاهرة كان الدم اجتمع وامتسك في بدنها فهو من : قريت الماء ، وقرى الآكل الطعام في شدقه ، وقد يختلف اللفظان فيهمز أحدهما ولا يهمز الآخر ، والمعنى واحد إذا كان الأصل واحداً ، وقوم يذهبون إلى أن القرء : الحيض ، وفي القاموس : والقرء - ويضم : الحيض والطهر ضد - وقد تقدم تخريج ذلك ، والوقت - لأنه جامع لما فيه ، والقافية - لأنها جامعة لشمل الأبيات ، جمعه أقرؤ وقروء ، وجمع الحيض أقراء ، وكأن العلة في ذلك أنه لما كان جمع الكثرة هو الأصل في الجمع ، لأن المراد بالجمع نفسه الكثرة ، فكلما كان أكثر كان به أجدر ، لمّا كان الأصل كذلك ، وكان القرء بمعنى الطهر هو الأصل في مدلول الجمع ، كان أحق بجمع الكثرة الذي هو أعرق في الجمع ، ولما كان القرء بمعنى الحيض فرعاً ، كان له جمع القلة الذي هو فرع في باب الجمع ؛ وأقرأت : حاضت وطهرت ، وأقرأت الرياح : هبت لوقتها - لأن هبوبها دال على اجتماعها كظهور دم الحيض ، وقرأ الشيء : جمعه وضمه ، والحامل : ولدت - لأن ظهور الولد هو المحقق لجمعها إياه في بطنها ، وأقرأ : رجع ودنا وأخر واستأخر وغاب وانصرف وتنسك كتقرأ ، بعضه للإيجاب وبعضه للسلب ، والمقرأة - كمعظمة : التي ينتظر بها انقضاء أقرائها ، وقد قرئت : حبست لذلك ، وأقراء الشعر : أنواعه وانحاؤه - لأنها جامعة للأجزاء ، والقرءة - بالكسر : الوباء - لجمعه الهم ، واستقرأ الجمل الناقة : تاركها لينظر ألقحت أم لا - من التتبع والسبر ، وهو بمعنى جمع الأدلة ، وقرأت الناقة - إذا حملت ، فهي قارىء ، أي جمعت في بطنها ولداً ، وأقرأت - إذا استقر الماء في رحمها ؛ ومن الإمساك : رقأ الدم والدمع رقواً - إذا انقطعا ، قال أبو زيد : والرَّقوء - أي بالفتح : ما يوضع على الدم فيسكن ، ورقأ بينهم : أصلح وأفسد ، وفي الدرجة : صعد ، وهي المرقاة وتكسر ، ورقأ العرق : ارتفع - منه ما هو بمعنى الجمع ومنه ما هو بمعنى الانتشار والعلو الذي ربما لزماه ، ومن الإمساك : الأرق ، وهو السهر لأنه يمسك النوم ، والإرقان : دود يكون في الزرع - فكأنه يوجب الهم الذي يكون عنه الأرق ، ويمكن أن يكون من الانتشار الذي ربما يلزم الجمع ، ويمكن أن يكون من الجمع نفسه ، لأنه يجمع الهم - والله أعلم ؛ وفي القاموس : والإرقان بالكسر : شجر أحمر ، والحناء ، والزعفران ، ودم الأخوين - كأنه سبب للعكوف عليه بالاسترواح إليه ، أو أنه يجمع بصبغه لوناً إلى لون ، والإرقان أيضاً : آفة تصيب الزرع والناس كالأرقان محركة وبكسرتين وبفتح الهمزة وضم الراء ، والأرق والأرقان - بفتحهما ، والأراق - كغراب ، واليرقان - محركة ، وهذه أشهر داء يتغير منه لون البدن فاحشاً إلى صفرة أو سواد - كأن ذلك لمّا كان سبب الأرق كان هو الأرق البليغ ، وزرع مأروق وميروق : مؤوف ، والأقر - بضمتين : واد واسع مملوء حمضاً ومياهاً ، وهو واضح في معنى الجمع ، وقد مضى من هذه المادة جملة في آخر سورة يوسف عليه السلام عند قوله تعالى إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى }[ يوسف :109 ] وتأتي بقيتها إن شاء الله تعالى في سورة سبحان عند قوله{ وفي آذانهم وقراً }[ الكهف :57 ] .