البصير : العالم بكنه الشيء الخبير به .
96- ولتجدنهم أحرص على الحياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . أي أنهم يحبون الإخلاد إلى الأرض ، ويعملون كل ما يوصلهم إلى البقاء فيها فلا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون ، وتلك سيرتهم في كل زمان الكلام مع من كان في عصر التنزيل .
وهكذا نجد القرآن ، يرسل من الحجاج ، فيشاغبون ويعاندون ، اعتزازا بشعبهم ، واعتزازا بكتابهم .
ومن الذين أشركوا : أي وهم أشد حرصا على الحياة من الذين أشركوا ، ولم يؤمنوا بالله ولا باليوم الأخر ، وفي هذا توبيخ وإيلام عظيم لهم ، إذ المشركون لا يؤمون ببعث ، ولا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها ليس بالغريب ، أما من يؤمن بالكتاب ويقر بالجزاء فمن حقه ألا يكون شديد الحرص عليها .
وقوله : ومن الذين أشركوا : معطوف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل : أحرص من الناس ومن الذين أشركوا ، فقوله : أحرص الناس فيه كلمة ( من ) مقدرة بعد أحرص .
قال صاحب الكشاف : وفيه توبيخ عظيم ، لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ، ولا يعرفون إل الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ، فإذا زاد عليها في الحرص من له من الكتاب وهو مقر بالجزاء ، كان حقيقا بأعظم التوبيخ ، فإن قلت : لم زاد حرصهم على حرص المشركين ؟
قلت : إنهم عملوا بأنهم صائرون إلى النار ولا محالة ، والمشركون لا يعلمون ذلك ، وقيل : أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم : عش ألف نيروز ، وألف مهرجان( 233 ) .
يود أحدهم لو يعمر ألف سنة : أي بلغ من شدة غلوهم في الحرص على الحياة ، أن الواحد منهم يتمنى أن يعيش السنين الكثيرة ، ولو تجاوزت الحد الذي يبلغه الإنسان في العادة ، فكلمة ( ألف سنة ) كناية عن المدة الطويلة التي يود أن يحياها ، وليس المراد خصوصا العدد ، لأن العرب تذكر الألف وتريد الكثرة .
وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ، وما ذلك التعمير لو تم ، بنافعه ولا مبعده من عذاب الله المحتوم ، لأنه لا بد من الموت والعرض على الله ، ليجازى على ما قدم في دنياه .
والله بصير بما يعملون : أي والله عالم بأعمالهم ، محيط بما يخفون وما يعلنون ، وسيجازيهم على كل ذك بما يستحقون .
ومن هذا العرض للآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود زعمهم الباطل بأن الجنة خالصة لهم ، فأبطلت حجتهم وكشف مزاعمهم ، وأخرست ألسنتهم ، وبينت أن الجنة لمن أسلم وجهه لله وهو محسن ، وهم ليسوا من هذا النوع من الناس ، ولذلك حرصوا على الحياة وفزعوا من الموت ، بسبب ما ارتكبوا من سيئات وما اقترفوا من آثام ( 234 ) .
ولما بين أنهم لا يتمنونه أثبت لهم ما هو فوق ذلك من تمني الضد الدال على علمهم بسوء منقلبهم فقال : { ولتجدنهم } أي بما تعلم{[3879]} من أحوالهم{[3880]} مما منه الوجدان . وهو إحساس الباطن بما{[3881]} هو فيه والإصابة أيضاً لما له{[3882]} علقة الباطن ، كأنه فيه { {[3883]}أحرص } صيغة{[3884]} مبالغة من الحرص ، وهو طلب الاستغراق فيما يختص فيه الحظ - قاله الحرالي{[3885]} : { الناس على حياة } على أي حالة كانت وهم قاطعون بأنه لا يخلو يوم منها عن كدر فإنهم يعلمون أنها وإن كانت في غاية الكدر خير لهم مما بعد الموت { {[3886]}ومن{[3887]} } أي وأحرص من { الذين أشركوا } الذين لا بعث عندهم{[3888]} على الحياة علماً منهم{[3889]} بأنهم صائرون{[3890]} إلى العذاب الدائم بالسيئات المحيطة والشرك . قال الحرالي : إسناد{[3891]} الأمر المختص بواحد إلى من ليس له{[3892]} معه أمر - انتهى .
ثم بين مقدار ما يتمنونه{[3893]} فقال : { يود } من الود وهو صحة نزوع النفس للشيء المستحق نزوعها له - قاله الحرالي . { أحدهم } أي أحد من تقدم من اليهود والمشركين بجميع أصنافهم ، أو من اليهود خاصة ، أو من المشركين {[3894]}فتكون ودادة{[3895]} اليهود من باب الأولى . قال الحرالي : وهو نحو من خطاب القرآن لا يصل إليه إبلاغ الخلق { لو يعمر } من التعمير وهو تمادي العمر كأنه تكرار ، والعمر أمد ما بين بدو{[3896]} الشيء وانقطاعه - قاله الحرالي . { ألف سنة } خوفاً من الموت أو{[3897]} ما بعده ، والألف كمال العدد بكمال ثالثة رتبة ؛ والسنة أمد تمام دورة الشمس وتمام ثنتي عشرة دورة القمر - قاله الحرالي{[3898]} . وهذا المعنى وإن كان موجوداً في الحول والعام والحجة غير أن مأخذ الاشتقاق ملاحظ في الجملة ، فلبلاغة{[3899]} القرآن لا يطلق واحد من هذه الألفاظ إلا فيما يناسب السياق من أصل اشتقاق هذه الألفاظ ، فهذا السياق لما{[3900]} كان المراد به ذمهم بتهالكهم على بقائهم في الدنيا على أي حالة كانت علماً منهم بأنها ولو{[3901]} كانت أسوأ الأحوال خير لهم مما بعد الموت لتحقق شقائهم عبر بما منه الإسنات{[3902]} وهو القحط وسوء الزمان . أو{[3903]} ما منه الدوران الذي فيه{[3904]} كد وتعب{[3905]} إن كان أصلها من سنا يسنو إذا دار حول البئر قال السهيلي في الروض : وقد تسمى السنة داراً في الخبر : إن بين آدم ونوح ألف دار - أي سنة ، ثم قال : فتأمل هذا فإن العلم بتنزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح باباً من العلم بإعجاز القرآن والله المستعان . { وما هو }{[3906]} أي تعميره{[3907]} { بمزحزحه } والزحزحة إبعاد الشيء المستثقل{[3908]} المترامي لما يبعد عنه - قاله الحرالي : { من العذاب } {[3909]}أي {[3910]}زحزحة مبتدأة{[3911]} من{[3912]} العذاب ، وعبر بمن دون عن إعلاماً {[3913]}بأنهم لم يفارقوا العذاب دنيا ولا آخرة{[3914]} وإن لم يحسوا به في الدنيا ، ثم فسر الضمير بقوله : { أن يعمر } إنما تزحزحه الطاعة المقرونة بالإيمان الصحيح الذي ليس فيه{[3915]} تفرقة . ولما كان التقدير : لأنهم يعملون في أعمارهم الأعمال السيئة المحيطة ، عطف عليه قوله : { والله }{[3916]} الذي له الأمر كله{[3917]} { بصير بما يعملون{[3918]} } . {[3919]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.