تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

{ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إنا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بآياتنَا يُؤْمِنُونَ ( 156 ) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجيل يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كانتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 157 ) }

المفردات :

واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة : المراد بحسنة الدنيا : ما يعم العيشة الراضية ، والعمل الصالح ، والمراد بكتابتها : تقديرها وإبرازها ؛ عبر عنها بالكتابة مجازا ، أو الكتابة على حقيقتها ، فإن ما يقدر الله تنفيذه يكتب في اللوح المحفوظ ، أو عند الملائكة المدبرات أمرا .

هدنا إليك : تبنا إليك ورجعنا .

التفسير :

{ 156 - وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إنا هُدْنَا إِلَيْكَ… } الآية .

تلطف موسى في دعاء ربه وفي تفويض المشيئة إليه وفي إظهار الخضوع والتجرد لله تعالى فيما سبق من آيات وهنا يدعو ربه أن يعطيه حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة .

والمعنى : أوجب لنا وأثبت لنا بفشلك ورحمتك حسنة ، أي : حياة طيبة في الدنيا بتوفير نعمة الصحة والعافية ، وسعة الرزق والتوفيق في العمل والهداية إلى الخير ، واجعل لنا في الآخرة حسنة بدخول جنتك والظفر برضوانك وفيض إحسانك ، وذلك كقوله تعالى :

{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } . ( البقرة : 201 ) .

{ إنا هدنا إليك } : أي : تبنا إليك ورجعنا وأنبنا . أي : ندمنا على ما فعله قومنا من عبادة العجل أو قولهم : أرنا الله جهرة ، ونحو ذلك من فعل السفهاء ، ورجعنا إلى الإيمان المقرون بالعمل .

جاء في تفسير القاسمي : يقال : هاد ، يهود إذا رجع وتاب فهو هائد ، ولبعضهم :

يا راكب الذنب هد ، هد *** واسجد كأنك هدهد

وقال آخر : أني امرؤ مما جنيت هائد .

{ قال عذابي أصيب بن من أشاء } .

أي : قال الله تعالى أن عذابي أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة ، مع عدالة الله وبعده عن الظلم .

قال تعالى : { ولا يظلم ربك أحدا } .

وفي الحديث القدسي يقول النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : { يا عبادي ، أني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا }33 .

{ ورحمتي وسعت كل شيء } .

أما رحمة الله فقد شملت كل شيء فالله تعالى ينعم على البر والفاجر ، ويخص بالثواب المؤمن ولولا عموم الرحمة ، لهلك العصاة والكفار عقل عصيانهم وكفرهم ، قال تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } . ( فاطر : 45 ) .

جاء في تفسير القاسمي عن الجشمي :

ومن تأمل هذا السؤال والجواب ؛ عرف عظيم محل هذا البيان ؛ لأنه عليه السلام ، سأل نعيم الدنيا والدين عقب الرجفة ، فكان من الجواب أن العذاب خاصة يصاب به من يستحقه ، فأما النعم فما كان من باب الدنيا يسع كل شيء يصح عليه التنعم وما كان من باب الآخرة يكتب لمن له صفات ذكرها .

{ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } .

تفضل الحق سبحانه على عباده بهذا البيان فبين صفات من يستحق الرحمة من عباده وهم :

1 – الذين يتقون الله ويراقبونه ويؤدون فرائضه ويتركون ما نهى عنه .

2 – الذين يخرجون زكاة أموالهم طيبة بها نفوسهم والمال شقيق الروح ، وإخراجه يحتاج إلى جهاد وإيمان ويقين بثواب الآخرة ، ولذلك نص عليه ، حيث كان اليهود يعبدون المادة وكانت نفوسهم شحيحة إخراج المال في سبيل الله .

3 – الذين يؤمنون بالإسلام والقرآن وسمو تشريعاته وعموم هدايته وصلاحيتها للعمل والتطبيق ، وصدق رسلنا .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ} (156)

وكأنه أحسن العفو عنهم فقال عاطفاً على سؤاله فيه : { واكتب لنا } أي في مدة إحيائك لنا { في هذه الدنيا } أي الحاضرة والدنية { حسنة } أي عيشة راضية طيبة { وفي } الحياة { الآخرة } أي كذلك ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنا هدنا } أي تبنا { إليك } أي عما لا يليق بجنابك كما أمرتنا أن نجبر ما عساه يقع منا بالمبادرة إلى التوبة ، فبدأ بذكر عزة الربوبية وثنى بذلة{[33548]} العبودية وهما أقوى أسباب السعادة ، وهذا تلقين لهم وتعليم وتحذير {[33549]}من مثل ما{[33550]} وقعوا فيه وحث على التسليم ، وكأنه لما كان ذنبهم الجهر بما لا يليق به سبحانه من طلب الرؤية ، عبر بهذا اللفظ أو ما يدل على معناه تنبيهاً لهم على أن اسمهم يدل على التوبة والرجوع إلى الحق والصيرورة إلى الصلاح واللين والضعف في الصوت والاستكانة في الكلام والسكوت عما لا يليق ، وأن يهودا{[33551]} الذي أخذ اسمه من ذلك إنما سموا به ونسبوا إليه تفاؤلاً لهم ليتبادروا إلى التوبة .

ولما كان في كلامه عليه السلام إنكار{[33552]} إهلاك الطائع بذنب العاصي وإن كان ذلك{[33553]} إنما كان على سبيل الاستعطاف منه والتملق مع العلم بأنه عدل منه تعالى وله أن يفعل ما يشاء بدليل قوله

{ ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياي }[ الأعراف : 155 ] استأنف سبحانه الإخبار عن الجواب عن كلامه على وجه منبه للجماهير على أن له التصرف المطلق بقوله : { قال عذابي } أي انتقامي الذي يزيل كل عذوبة عمن وقع به { أصيب به } أي في الدنيا والآخرة { من أشاء } أي {[33554]}أذنب أو لم يذنب{[33555]} { ورحمتي } أي إنعامي وإكرامي .

ولما كان الإيجاد من الرحمة فإنه خير من العدم فهو إكرام في الجملة ، قال : { وسعت كل شيء } أي هذا شأنها وصفتها في نفس الأمر وإن بلغ في القبائح ما عساه أن يبلغ{[33556]} ، وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيح " إن رحمتي سبقت - وفي رواية : غلبت - غضبي " سواء قلنا :إن السبق بمعنى الغلبة ، أو قلنا إنه على بابه ، أما الأول فلأن تعلق الرحمة أكثر ، لأن كل ما تعلق به الغضب تعلقت به الرحمة بإيجاد وإفاضة الرزق عليه ، ولا عكس كالحيوانات العجم والجمادات{[33557]} وأهل السعادة من المؤمنين والملائكة والحور وغيرهم من جنود الله التي لا تحصى . ولما{[33558]} أعلم أن رحمته واسعة وقدرته شاملة ، وكان ذلك موسعاً للطمع ، سبب عن ذلك قوله ذاكراً شرط إتمام تلك الرحمة ترهيباً لمن يتوانى عن تحصيل ذلك الشرط : { فسأكتبها } أي أخص بدوامها بوعد لا خلف فيه لأجل تمكني{[33559]} بتمام القدرة مما أريد مبتوتاً أمرها بالكتابة { للذين يتقون } أي يوجد لهم هذا الوصف الحامل على كل خير ولا يخلّ{[33560]} بوسعها أن أمنع دوامها بعد الإيجاد من غيرهم ، فإن الكل لو دخلوا فيها دائماً ما{[33561]} ضاقت بهم ، فهي في نفسها واسعة و{[33562]}لكني أفعل ما أشاء .

ولما ذكر نظرهم إلى الخالق بالانتهاء عما نهى عنه والائتمار بما أمر به ، أتبعه النظر إلى الخلائق فقال : { ويؤتون الزكاة } ولعله{[33563]} خصها لأن فرضها كان في هذا الميقات كما تقدم في البقرة ولأنها أمانة فيما بين الخلق والخالق كما أن صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي كتبها لهم وشرط قبول أعمالهم باتباعه كذلك ؛ ثم عمم{[33564]} بذكر ثمرة التقوى فقال مخرجاً لمن يوجد منه ذانك الوصفان في الجملة على غير جهة العموم : { والذين هم بآياتنا } أي كلها { يؤمنون } أي يصدقون بالقلب ويقرون باللسان ويعملون تصديقاً لذلك بالأركان ، فلا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض .


[33548]:- في ظ: بذكر.
[33549]:- في ظ: لما.
[33550]:- في ظ: لما.
[33551]:- من ظ، وفي الأصل: يهود.
[33552]:- زيد من ظ.
[33553]:- في ظ: تلك.
[33554]:- في ظ: أذنبت أو لم تذنب.
[33555]:- في ظ: أذنبت أو لم تذنب.
[33556]:- من ظ، وفي الأصل: تبلغ.
[33557]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[33558]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[33559]:- في الأصل: يمكن، وفي ظ: تمكين.
[33560]:من ظ، وفي الأصل: يهود. من ظ، وفي الأصل: لا يخيل.
[33561]:- زيد من ظ.
[33562]:- سقط من ظ.
[33563]:- في ظ: لعلها.
[33564]:- من ظ: وفي الأصل: عمهم.