{ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون( 40 ) وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون( 41 ) ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ( 42 ) وأقيموا الصلاة وأوتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين( 43 ) } .
إسرائيل : لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، ومعناه صفى الله وقيل الأمير المجاهد وبنوه أولاده وهم اليهود .
عهد الله : هو أن يعبدوا الله وحده لاشريك له ، وأن يعملوا بشرائعه وأحكامه وأن يؤمنوا برسله .
عهدكم : ما عاهدتكم عليه من الثواب على الإيمان .
( يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام ومتابعة محمد عليه الصلاة والسلام ، ومهيجا لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي الله يعقوب عليه السلام ، وتقديره : يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق ، كما تقول يا بن الكريم افعل كذا ، يا بن الشجاع بارز الأبطال ، يا بن العالم أطلب العلم ) ( 105 ) .
اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم لقد أنعم الله على بني إسرائيل نعما متعددة ولكنهم قابلو هذه النعم بالجحود والكنود . قال ابن جرير : نعمه التي أنعم بها على بني إسرائيل هي :
اصطفاؤه منهم الرسل ، وإنزاله عليهم الكتب واستنقاذه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والفقر من فرعون وقومه إلى التمكين لهم في الأرض وتفجير عيون الماء من الحجر ، وإطعام المن والسلوى( 106 ) .
وقد أمر الله الذرية أن تتذكر هذه النعم ، وأن لا يقابلوها بالجحود حتى لا تنزل بهم نقمة الله وعقابه .
ومن ذلك قول موسى عليه السلام لهم : يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين . ( المائدة 20 ) .
أحدا من العالمين يعني في زمانهم ( 107 ) .
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم . والعهد هنا عهد الفطرة المعقود بين الإنسان وبارئه أن يعبده وحده لا شريك له ، وهو العهد الذي يحتاج إلى البيان ولا يحتاج إلى برهان لأن فطرة الإنسان بذاتها تتجه غليه بأشواقها ولا يصدها عنه إلا الغواية والانحراف .
وقال ابن عباس : بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ( 108 ) ، أن تؤمنوا به وأن تنصروه( 109 ) لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ، وعهده تعالى إياهم هو أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة .
وقيل العهد هنا هو عهد الله لآدم : فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 38 ) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( البقرة 38-39 ) .
وهذه العهود جميعها إن هي إلا عهد واحد في صميمها ، إنه العهد بين البارئ وعباده ، أن يصغوا قلوبهم إليه وأن يسلموا أنفسهم كلها له ، وهذا هو الذين الواحد ، وهذا هو الإسلام الذي جاءت به الرسل جميعا وسار موكب الإيمان يحمله شعارا له على مدار القرون ( 110 ) .
ووفاء بهذا العهد يدعو الله بني إسرائيل أن يخافوه وحده وأن يفردوه بالخشية .
وإياي فارهبون ( قال ابن عباس : أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره ) ( 111 ) .
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول والاتعاظ بالقرآن وزواجره وامتثال أوامره وتصديق أخباره ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ( 112 ) .
{ يا بني إسرائيل } لما قدم دعوة الناس عموما وذكر مبدأهم : دعا بني إسرائيل خصوصا وهم اليهود ، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء ، فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم ، وتارة بالتخويف ، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم ، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها .
فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء ، وهي :
1-{ وإذ نجيناكم من آل فرعون }[ البقرة :49 ] .
2-{ وإذا فرقنا بكم البحر }[ البقرة :50 ] .
3-{ وبعثناكم من بعد موتكم }[ البقرة :56 ] .
4-{ وظللنا عليكم الغمام }[ البقرة :57 ]
5-{ وأنزلنا عليكم المن والسلوى }[ البقرة :57 ] .
6-و{ وعفونا عنكم }[ البقرة :52 ] .
7-{ وتاب عليكم }[ البقرة :54 ] .
8-{ ويغفر لكم خطاياكم }[ البقرة :58 ] .
9-{ وآتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون }[ البقرة :53 ] .
10-{ وانفجرت منه اثنتا عشرة عينا }[ البقرة :60 ] .
وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء :
1-قولهم :{ سمعنا وعصينا }[ البقرة :93 ] .
2-{ واتخذتم العجل }[ البقرة :51 ] .
3-وقالوا :{ أرنا الله جهرة }[ النساء :153 ] .
4- { فبدل الذين ظلموا }[ البقرة :59 ]
5-و{ لن نصبر على طعام واحد }[ البقرة :61 ] .
6-و{ يحرفونه }[ البقرة :75 ] .
7-و{ توليتم من بعد ذلك }[ البقرة :64 ]
8-و{ قست قلوبكم }[ البقرة :74 ] .
9-{ وكفرهم بآيات الله }[ النساء :155 ] .
10-{ وقتلهم الأنبياء بغير حق } [ آل عمران :181 ] .
1-{ وضربت عليهم الذلة }[ آل عمران :112 ] .
2-{ عليهم }[ آل عمران :112 ] .
3-{ وباءوا بغضب من الله }[ آل عمران :112 ] .
4-{ ويعطوا الجزية }[ التوبة :29 ] .
5-و{ فاقتلوا أنفسكم }[ النساء :66 ] .
6-و{ كونوا قردة }[ الأعراف :166 ] .
7-{ فأسلنا عليهم رجزا من السماء }[ الأعراف :162 ] .
8-{ فأخذتكم الصاعقة }[ البقرة :55 ] .
9-{ وجعلنا قلوبهم قاسية }[ المائدة :13 ] .
10-{ وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم }[ المائدة :160 ] .
وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين ، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم وقد وبخ المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم بتوبيخات أخر ، وهي :
1-كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، مع معرفتهم به .
2-{ ويحرفون الكلم }[ النساء :46 ] . و{ يقولون هذا من عند الله }[ البقرة :79 ] . 3-و{ تقتلون أنفسكم }[ البقرة :85 ] .
4-{ وتخرجون فريقا منكم من ديارهم }[ البقرة : 85 ] .
{ نعمتي } اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع ، ومعناه عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل ، مما اشترك فيه معهم غيرهم ، أو اختصهم به كالمن والسلوى ، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة ، واللفظ يعم النعم جميعا .
{ بعهدي } مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل : الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوي لأنه مقصود الكلام .
{ وإياي } مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير ، وليفيد الحصر يفسره فارهبون ، ولا يصح أن يعمل فيه فارهبون ؛ لأنه قد أخذ معموله ، وكذلك { إياي فاتقون } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.