تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

{ هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب }

المفردات :

محكمات : واضحات .

متشابهات : محتملات لعدة معان لا يتضح مقصودها فاشتبه أمرها على الناس .

زيغ : ميل عن الحق إلى الباطل .

ابتغاء الفتنة : طلبا لها .

الراسخون في العلم : الثابتون فيه .

الألباب : العقول الخالصة .

المعنى العام للآية :

هو الذي انزل عليك القرآن وكان من حكمته أن جعل منه آيات محكمات محددة المعنى بينة المقاصد ، هي الأصل وإليها المرجع وأخر متشابهات يبق معناها على أذهان كثير من الناس وتشتبه على الراسخين في العلم وقد نزلت هذه المتشابهات لتبعث العلماء على العلم والنظر ودقة الفكر في الاجتهاد وفي البحث في الدين .

و شأن الزائغين عن الحق أن يتبعوا ما تشابه من القرآن رغبة في إثارة الفتنة وهم يؤولون الآيات حسب أهوائهم وهذه الآيات لا يعلم تأويلها الحق إلا الله والذين ثبتوا في العلم وتمكنوا منه وأولئك المتمكنون منه يقولون إننا نوقن بأن ذلك من عند الله لا نفرق في الإيمان بالقرآن بين محكمه ومتشابهه وما يعقل ذلك إلا أصحاب العقول السليمة التي لا تخضع للهوى والشهوة .

و يتعلق بتفسير الآية ما يأتي :

1- المحكم والمتشابه

المحكمات : من أحكم الشيء بمعنى وثقه وأتقنه والمعنى العام لهذه المادة المنع فإن كل محكم يمنع بإحكامه تطرق الخلل إلى نفسه او غيره ومنه الحكم وحكمة الفرس قيل وهي أصل المادة .

و المتشابه : يطلق في اللغة على ما له أفراد أو أجزاء يشبه بعضها بعضا وعلى ما يشتبه من الأمر أي يلتبس قال في الأساس ( وتشابه الشيئان واشتبها وشبهته به وشبهته إياه واشتبهت الأمور وتشابهت :

التبست لأشباه بعضها بعضا وفي القرآن المحكم والمتشابه ) .

2- آراء العلماء في المحكم .

( أ ) هو الحلال والحرام . . . روى عن ابن عباس ومجاهد .

( ب ) هو ما علم العلماء تأويله . . .

( ج ) هو ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى البيان .

( د ) هو ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا .

( ه ) هو الأمر والنهي والوعد والوعيد والحلال والحرام .

( و ) عن ابن مسعود قال أنزل القرآن على خمسة أوجه :

حرام وحلال ومحكم ومتشابه وأمثال فأحل الحلال وحرم الحرام وآمن بالمتشابه واعمل بالمحكم واعتبر بالأمثال .

( ز ) قال ابن عباس : { هن أم الكتاب } هن أصل الكتاب اللاتي يعمل عليهن في الأحكام ومجمع الحلال والحرام .

3- آراء العلماء في المتشابه

( أ ) هو ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل كقيام الساعة .

( ب ) هو الحروف المقطعة في فواتح السورة كقوله { آلم } ونحو ذلك وقد جاء في تفسير المنار أن المفسرين قد اختلفوا في المحكم والمتشابه على أقوال :

( أحدهما ) أن المحكمات هي قوله : { قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا . . } ( الأنعام 101 ) . إلى آخر الآية والآيتين اللتين بعدها ( 123 ) . والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود وهي أسماء حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور .

( ثانيها ) أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ .

( ثالثها ) أن المحكم ما كان دليله واضحا لائحا كدلائل الوحدانية والقدرة والحكمة والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل .

( ورابعها ) أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم بدليل جلي أو خفي والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به كوقت قيام الساعة ومقادير الجزاء على الأعمال ( 124 ) .

4- الوقف والوصل

في قوله تعالى :

{ و ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } .

العلماء في تفسير هذه الآية رأيان :

1- رأى بعض السلف وهو الوقوف على لفظ الجلالة وجعل قوله والراسخون في العلم كلام مستأنف وعلى هذا المتشابه لا يعلم نأو يله إلا الله واستدلوا على ذلك بأمور منها :

( أ‌ ) أن الله ذم الذين يتبعون تأويله .

( ب‌ ) أن قوله : { يقولون آمنا به كل من عند ربنا } ظاهر في التسليم المحض لله تعالى ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض .

و هذا رأي كثير من الصحابة رضوان الله عليهم كأبي بن كعب وعائشة .

2- ويرى بعض آخرون الوقف على لفظ " العلم " ويجعل قوله : { يقولون آمنا } كلام مسأنف وعلى هذا فالمتشابه يعلمه الراسخون وإلى هذا ذهب ابن عباس وجمهرة من الصحابة وكان ابن عباس يقول أنا من الراسخين في العلم ، أنا أعلم تاويله .

وردوا على أدلة الأولين بأن الله تعالى إنما ذم الذين يتبعون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة والراسخون في العلم ليسوا كذلك فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه فالله يفيض عليهم فهو المتشابه بما يتفق مع فهم المحكم ( 165 ) ويشهد لصحة هذا الرأي أمران :

أحدهما : إن الله تعالى ما أنزل القرآن إلا ليعلم به فلا ينبغي أن يكون فيه ألغاز ومعميات لا يمكن فهمها وإدراكها فمتشابهه يجب أن يرد إلى محكمه كما قال تعالى : { هن أم الكتاب } أي مرجعه عند الاشتباه .

و ثانيهما : أن الله تعالى أثنى على الراسخين في العلم بقوله : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } ففي وصفهم بأنهم أصحاب العقول الخالصة المتذكرة دليل على أنهم استعملوها في كشف المتشابهات والتذكر به .

5- الحكمة في وجود المتشابه

( أ ) امتحان قلوب المؤمنين في التصديق به .

( ب ) هو حافز للعقول على النظر فيه .

( ج ) البحث في المتشابه ومحاولة فهمه من حظ الخاصة كما ان التسليم والتفويض من حظ العامة

قال الزمخشري : فإن قلت فهلا كان القرآن كله محكما ؟

قلت : لو كان كله محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل والنظر والاستدلال ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به ( 162 ) .

و لما في المتشابه من الابتلاء بين الثابت على الحق والتزلزل فيه ولما في تقادح العلماء وإتعاب القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجلية والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله ولا اختلاف فيه إذا رأى فيه ما يناقض ظاهره وأهمه طلب ما للمحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده و قوة إيمانه . .

6- زعم التناقض

زعم النصارى أن القرآن فيه تناقض حين نفي بنوة عيسى لله ثم أثبتها حين ذكر أنه روح منه وهذا زيغ منهم يبتغون به الفتنة فإن المراد من قوله : " وروح منه " أنه صادر من الله فكما أن كل شيء صادر من الله بالخلق والإبداع فكذلك روح عيسى وصدق الله إذ يقول : { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } ( الإخلاص 3-4 ) .

7- صفات الله

جاء في القرآن الكريم آيات تدل بظاهرها على ان لله وجها ويدين وجهة في السماء ومكانها هو العرش ونحو ذلك مما يوهم التشبيه والجسمية والانتقال وآيات أخرى تثبت له صفات مختلفة من العلم والقدرة والكلام ونحوها .

وطائفة ثالثة : منها ما يصرح بأنه لا تركه الأبصار ومنها ما يدل على جواز رؤيته تعالى .

فرأى رجال السلف الصالح متابعة الصحابة والتابعين في موقفهم منها .

" فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها وعلموا استحالة التشبيه وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل ( 127 ) وقد سئل الإمام مالك عن معنى قوله تعالى : " الرحمن على العرش استوى " فقال " الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة " ( 128 ) .

و يقول الدكتور عبد الحليم محمود في تفسير سورة آل عمران :

و نشأت المشكلة حينما بدأ الباحثون يتعرضون للآيات التي وردت في القرآن الكريم والتي توهم التشبيه كاليد والوجه والاستواء أو التي وردت في الأحاديث كالنزول والصورة والأصابع .

بدأت المشكلة حينما تعرض بعض الباحثين لهذه الألفاظ وأمثالها : تأويلا لها أو نفيا لمعناها أو تفسيرا او شرحا . . . ( . . . والموقف الذي يقفه من أراد متابعة السلف الصالح إذن تجاه كلمات الصورة واليد والنزول إنما هو الإيمان بها مع التنزيه لله تعالى عن الجسمية وتوابعها وليس كمعنى ذلك أن هذه الألفاظ معطلة عن المعنى بل لها معنى يليق بجلال الله وعظمته مما ليس بجسم ولا عرض في جسم وأن يؤمن بأن ما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذي أراده وعلى الوجه الذي قال وأن لا يحاول لها تفسيرا ولا تأويلا .

و شعار السلف معروف في هذه الكلمات وهو :

" أمروها كما جاءت " - يقول الإمام الرازي في كتابه ( أساس التقديس ) : " إن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى فيها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها . " .

إن الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة قاطعة الدلائل مدركة المقاصد وهي أصل هذا الكتاب .

و الذين في قلوبهم زيغ يتركوا الأصول الواضحة ويجرون وراء المتشابه لأنهم يجدون فيه مجالا لإيقاع الفتنة بالتأويلات المزلزلة للعقيدة والاختلافات التي تنشأ عن بلبلة الفكر نتيجة إقحامه فيما لا مجال للفكر في تأويله وأما الراسخون في العلم فيقولون في طمأنينة وثقة آمنا به كل من عند ربنا أي الجميع في المحكم والمتشابه حق وصدق وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد .

و روى الإمام أحمد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع قوما يتدارسون فقال ( إنما هلك من كان من قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما أنزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا به وما جهلتم فكلوه إلى عالمه ) ( 129 ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

آيات محكمات : محكمة العبارة لا تقبل الصرف عن ظاهرها .

أُم الكتاب : أصله الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود .

وأخر متشابهات : محتملات لعدة معان لا يتضح المقصود فيها إلا بتدقيق النظر . زيغ : عدول عن الحق .

ابتغاء الفتنة : طلبا للفتنة .

الراسخون في العلم : المتمكنون منه .

لقد أنزل الله عليك القرآن وجعل فيه آيات محكمات ، محدّدة المعنى بينة المقاصد ، هي الأصل وإليها المرجع في الدين والفرائض والحدود . كما جعل فيه آيات متشابهات يدِقُّ معناها على كثير من الناس وتشتبه على غير الراسخين في العِلم . فأما الآيات المتشابهات فقد أُنزلت بحكمته تعالى لتبعث العلماء على تدقيق النظر ودقة الفكر في الاجتهاد . لكن أهل الشك والذين في قلوبهم ميل عن الحق ، يتّبعون ما تشابه من الآيات رغبةً في إثارة الفتنة . . يؤوّلونها حسب أهوائهم ، فيُضلّون وراءهم خلقاً كثيرا .

ولا يعلم تأويل هذه الآيات المتشابهات إلا الله والذين تثبتوا في العلم وتمكنوا منه ، وهؤلاء يقولون : إننا نؤمن بالقرآن كاملاً ، لا نفرق بين مُحكمه ومتشابهه . وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا ذوو البصائر المستنيرة ، والعقول الراجحة .

هذا وقد استفاض الحديث حول أن في القرآن محكماً ومتشابهاً ، وأن العلماء أمام هذه المتشابه فريقان : فريق السلف : الذي يرى التفويض وعدم الخوض في معناه ، وفريق الخلف : الذي يرى التأويل وصرف اللفظ عن دلالته المعروفة إلى معنى يتفق مع ما دل عليه المحكم . ويعتبرون من ذلك أمثال قوله تعالى «الرحمنُ على العرش استوى » ، «يد الله فوق أيديهم » ، «بل يداه مبسوطتان » «والأرض جميعاً قبضتُهُ يوم القيامة والسّماواتُ مطويات بيمينه » ، فيقولون أن معنى الاستواء هو : الاستيلاء . واليد بمعنى : القدرة . واليمين بمعنى : القوة . وبسطُ اليد بمعنى : كثرة المنح والعطاء ، إلى غير ذلك .

وهناك أقوال كثيرة واختلافات كبيرة في هذا الموضوع لا طائل منها ولا فائدة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

قوله تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) .

يتضمن القرآن صنفين من الآيات . أحدهما : آيات محكمات هن أم الكتاب . أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ، والأم في اللغة تعني الأصل الذي يكون منه الشيء ، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، باتت المحكمات كالأم للمتشابهات{[394]} .

وثانيهما : آيات متشابهات ، وقد اختلف العلماء في المراد بالمحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة . ولعل أحسن ما قيل في ذلك أن المحكمات من القرآن : ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره . أما المتشابه : فما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعمله دون خلقه ، وهو قول كثير من أهل العلم . وجملة ذلك أن الآيات المحكمات ، ما أحكمت عباراتها بأن حفظت من الاحتمال والإجمال والاشتباه فكانت واضحة مستبية ، وذلك كقوله تعالى من سورة الأنعام ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) إلى ثلاث آيات بعدها . وقوله تعالى من سورة الإسراء : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) إلى ثلاثة آيات بعدها .

أما الآيات المتشابهات ، فهي المحتملات أو المجملات التي لا يتضح مقصودها إلا بالفحص الدقيق والنظر العميق من أولي الألباب ، ومثال ذلك الحروف التي في فواتح السور كقوله : ( الم ) ، ( الر ) ، ( حم عسق ) ، ( كهيعص ) . وكذلك كقوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) وغير ذلك من الآيات المحتملة مما يكون دلالة الألفاظ بالنسبة إليها وإلى غيره على السوية .

ومن أحسن ما قيل في هذا الصدد : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه . والمتشابهات لكهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد .

قال القرطبي في ذلك : المحكم اسم مفعول من أحكم ، والإحكام الإتقان ، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال{[395]} .

قوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) الزيغ معناه الميل عن الحق . زاغ البصر إذا كلّ ، وزاغت الشمس ، أي مالت . وذلك إذا فاء الفيء{[396]} . ومنه قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) والذين في قلوبهم زيغ ، أي انحراف عن القصد ، وميل عن الحق ، وجنوح مريض نحو الباطل بدلا من السبيل المستقيم . هؤلاء المائلون عن جادة الصواب ، الجانحون صوب الباطل من أولي الطبائع الضالة والقلوب المريضة يستنكفون عن اتباع الآيات المحكمات الواضحات التي يعوّل عليها في إدراك هذا الدين عقيدة وشريعة ، لكنهم تستخفهم قلوبهم الزائغة لاتباع ما تشابه من الكتاب الحكيم . فهم إنما يتمسكون بالمتشابه من الآيات ؛ لما يمكنهم من تحريفه إلى مقاصدهم الفاسدة ؛ نظرا لاحتمال لفظه ما يديرون عليه من تأويل مريب .

أما المحكم فلاحظ لهم فيه ؛ لوضوحه وبيانه فهو دافع لمقاصدهم وحجة عليهم . وهذا الصنف الجانح من الناس إنما يصطنع مثل هذا التأويل ( ابتغاء الفتنة ) أي طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام . وذلك ديدان التائهين المضللين من العباد الذين لا يستمرئون غير طريق الضلال والفساد ولا يستطيبون غير ظواهر المرض والعمه تغشى المجتمع فتطيح به إطاحة أو تنسفه من القواعد نسفا ليظل أشباها من الناس التائهين الشاطحين الحائرين . وأمثال هؤلاء المفسدين المضلين كثير في أوساط المسلمين ، بل إن تاريخهم طويل ومرير في زعزعة العقيدة الإسلامية وتشويه العلوم الإسلامية وإشاعة الريبة والفتن بين فئات المسلمين كالزنادقة على اختلاف مقولاتهم وإفرازاتهم الضالة المضلة . ومن جملتهم القرامطة والحشاشون والسبئية والنصيرية ( العلويون ) والبهائية والقاديانية والدروز . وكذا المجسمة والمشبهة والمعطلة ، إلى غير هؤلاء من أصحاب الملل والنحل الضالة الفاسدة . كل أولئك من حيث الضلال والانحراف والزيغ في جانب ، والجماعة المؤمنة المستقيمة في جانب آخر مميز . وهؤلاء هم أهل السنة الذين لا يتبعون ما تشابه من القرآن وإنما يتبعون آيات المحكمات فهم دوما على جادة الصواب . وفي وسط المحجة اللاحبة البيضاء سائرون ماضون إلى أن يلقوا الله على هذه الحال من الاستقامة والإخبات .

وعلى هذا فإن هذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة متبع لما تشابه من القرآن ، وإن كانت الإشارة بهذه الآية في ذلك الوقت إلى نصارى نجران الين حاوروا النبي صلى الله عليه و سلم في قصة عيسى المسيح وجادلوه في ذلك بغير حق متبعين لما تشابه من آيات الكتاب الحكيم في هذه المسألة{[397]} .

وقوله : ( وابتغاء تأويله ) التأويل هو التفسير ما يؤول إليه الشيء . وقد أوله تأويلا وتأوله أي دبره وقدره وفسره{[398]} .

قال الرازي في بيان التأويل : اعلم أن التأويل هوالتفسير ، وأصله في اللغة المرجع والمصير . من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه ، وأولته تأويلا إذا صيرته إليه . هذا معنى التأويل في اللغة ، ثم يسمى التفسير تأويلا . قال تعالى : ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) وقال تعالى : ( وأحسن تأويلا ) وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى . واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان ، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم ؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون ؟ {[399]} .

والذين يتبعون ما تشابه من القرآن إنما يطلبون بذلك- فوق طلبهم الفتنة- تأويله . أي يؤولونه التأويل الذي يشتهونه بتحريفه على ما يروق لهواهم الجانف وقلوبهم الزائغة الجانحة{[400]} .

قوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ذكر إلا أولوا الألباب ) .

اختلف العلماء في معنى الواو قبل ( الراسخون ) هل هي للاستئناف ( الابتداء ) أم للعطف ؟ فثمة قولان في ذلك .

أحدهما : أن الواو للاستئناف . فالوقف بذلك على لفظ الجلالة ( الله ) ثم يأتي الكلام بعد ذلك مستأنفا . فالواو هنا لابتداء الكلام بعد تمامه . وعلى هذا فإنه لا يعلم تأويل المتشابه من الكتاب الحكيم إلا الله . وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك ابن أنس والكسائي والفراء والأخفش . ومن المعتزلة قول الجبائي . واختاره الرازي .

ثانيهما : أن الواو تفيد العطف ، فالراسخون معطوف على لفظ الجلالة . وعلى هذا يكون العلم بالمتشابه حاصلا عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم . وهو قول أكثر المتكلمين . وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس{[401]} وفي تقديري أن القول الأول هو الراجح . ووجه ذلك من عدة وجوه منها :

أولا : أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم حيث قال سبحانه ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزا لما ذم الله تعالى ذلك .

ثانيا : لو كان قوله : ( والراسخون في العلم ) معطوفا على قوله ( إلا الله ) لصار قوله : ( يقولون آمنا به ) ابتداء كلام ، وهذا بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنا به . أو ويقولون آمنا به .

ثالثا : ما ذكر عن ابن عباس قوله : التفسير على أربعة أنحاء : فتفسير لا يعذر أحد في فهمه ، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها ، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم ، وتفسير لا يعلمه إلا الله .

ويؤيد ذلك ما ذكر أن مالك بن أنس رحمه الله لما سئل عن الاستواء قال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة{[402]} .

وقوله : ( والراسخون في العلم ) من الرسوخ وهو الثبوت في الشيء . وكل ثابت راسخ . ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا ، فالراسخون في العلم هم الذين ثبتوا وتمكنوا فيه . وقال الرازي في هذا الصدد : واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئا متشابها ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردودا شبهة في الطعن في صحة القرآن{[403]} .

ثم حكى الله عن الراسخين في العلم قولهم : ( آمنا به كل من عند ربنا ) أي أنهم يعلنون عن إيمانهم القاطع أن هذا المتشابه من عند الله أو هو كلام الله ونحن مؤمنون به . وقالوا أيضا : ( كل من عند ربنا ) أي أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند الله فهما ( المحكم والمتشابه ) كلاهما حق وصدق وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له ؛ لأن الجميع منزل من عند الله{[404]} .

قوله : ( وما يذكر إلا أولوا الألباب ) أي ما يعي هذا ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لبّ ، وهو العقل . ولب كل شيء خالصه{[405]} .


[394]:- التفسير الكبير للرازي جـ 7 ص 186 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 344.
[395]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 10، 11 وانظر البيضاوي ص 67 والكشاف للزمشخري جـ 1 ص 412 وتفسير الرازي جـ 7 ص 187 وما بعدها.
[396]:- مختار الصحاح ص 280
[397]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 13، 14 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 344، 345 وتفسير الرازي جـ 7 ص 187، 188.
[398]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 341 ومختار الصحاح ص 33.
[399]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 191.
[400]:- الكشاف للزمخشري جـ 1 ص 413 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 15.
[401]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 190 وانظر الكشاف جـ 1 ص 412 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 16.
[402]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 346 وتفسير الرازي جـ 7 ص 191، 192.
[403]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 192.
[404]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 347 وتفسير البيضاوي ص 67.
[405]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 347 ومختار الصحاح ص 589 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 19.