تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ} (2)

المفردات :

قدم صدق عند ربهم : مكانة سابقة محققة في حسن الجزاء عند ربهم في الجنة والقدم والقدمة بضم فسكون : السابقة في الآمر .

لساحر مبين : أي : لساحر بين السحر واضحه : كذا قال الكافرون وهم كاذبون .

التفسير :

2 { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس . . . } الآية .

سبب النزول :

أخرج ابن جرير : عن ابن عباس قال : لما بعث الله محمدا رسولا ، أنكرت العرب ذلك فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فأنزل الله : { أكان للناس عجبا . . . } . الآية وأنزل : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا . . . } الآية . ( يوسف : 109 ) .

فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا : وإذا كان بشرا فغير محمد كان أحق بالرسالة : { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } . ( الزخرف : 31 ) ؛ يعنون : الوليد بن المغيرة من مكة ، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف ، فأنزل الله ردا عليهم : { أهم يقسمون رحمة ربك . . . } الآية . ( الزخرف : 32 ) .

المعنى : أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم ؛ أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم ، يعرفهم ويعرفونه ؛ لكي يبلغهم الدين الحق أمرا عجبا ، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه صلى الله عليه وسلم حتى لكأن النبوة في زعمهم تتنافى مع البشرية ؟ !

إن الذي يدعو إلى العجب حقا ، هو ما تعجبوا منه ؛ لأن الله جل جلاله اقتضت حكمته أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس المرسل إليهم ؛ لأن كل جنس يأنس إلى جنسه وينفر من غيره ، وقد عجبوا أن يكون الرسول بشرا لا ملكا ، فقال تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } . ( الأنعام : 9 ) .

كما سخروا من اليتيم الفقير ، وقالوا : أما وجد الله من يرسله رسولا سوى يتيم أبي طالب ، وقد بين الله سبحانه أنه أعلم حيث يجعل رسالته ؛ فالله يصطفي للرسالة من هو أقدر على حملها ؛ بخلقه وقوته النفسية والمعنوية ، وما يتمتع به من صبر واحتمال ، وشجاعة وإخلاص ، وهذه صفات لا يقتصر توافرها على الأغنياء والوجهاء ، بل إن نعم الله موزعة على جميع خلقه ، فرب فقير بلغ القمة في مكارم أخلاقه ، قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } . ( القلم : 4 ) ، ورب غنى ليس أهلا لتحمل أعباء الرسالة ؛ لأنه عنيد مكابر ، قال تعالى : { ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا . . . } ( المدثر : 1112 ) .

وقال تعالى مخاطبا رسوله الكريم : { ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى . . . } ( الضحى : 58 ) .

{ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } . أي : لا ينبغي أن يعجب الناس من اختيار الله لمحمد رسولا ؛ لينذر أهل مكة ، ويبشر المؤمنين بأن لهم سابقة محققة في الفضل وحسن الجزاء عند ربهم ؛ فالنبوة للبشر لا للملائكة ، والتفاوت بين الناس ، ليس بالمال ، بل بالعقل والكمال والاستقامة .

{ قال الكافرون إن هذا لسحر مبين } . أي : لا يملك الضعيف أو الخاسر المفلس ، سوى الاتهام الرخيص الكاذب الذي لا فائدة منه ؛ لذلك قال الكافرون : إن محمدا لساحر ظاهر السحر ، أو إن القرآن لسحر مبين .

قال الإمام الرازي :

ووصف القرآن بأنه سحر يدل على عظم محل القرآن عندهم ، وكونه معجزا ، وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة ، فاحتاجوا إلى هذا الكلام الذي ذكروه في معرض الذم ، على ما يظهر ، وأرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر ؛ ولكنه باطل في الحقيقة ، ولا حاصل له ، أو ذكروه في معرض المدح ، وأرادوا به : أنه لكمال فصاحته ، وتعذر جار مجرى السحر .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ} (2)

قوله تعالى : " أكان للناس عجبا " استفهام معناه التقرير والتوبيخ . " وعجبا " خبر كان ، واسمها " أن أوحينا " وهو في موضع رفع ، أي كان إيحاؤنا عجبا للناس . وفي قراءة عبد الله " عجب " على أنه اسم كان . والخبر " أن أوحينا " . " إلى رجل منهم " ، قرئ " رَجْل " بإسكان الجيم . وسبب النزول فيما روي عن ابن عباس أن الكفار قالوا لما بعث محمد : إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا . وقالوا : ما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب ، فنزلت : " أكان للناس " يعني أهل مكة " عجبا " . وقيل : إنما تعجبوا من ذكر البعث .

قوله تعالى : " أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا " في موضع نصب بإسقاط الخافض ، أي بأن أنذر الناس ، وقد تقدم معنى النذارة والبشارة{[8415]} وغير ذلك من ألفاظ الآية . " أن لهم قدم صدق " اختلف في معنى " قدم صدق " فقال ابن عباس : قدم صدق منزل صدق ، دليله قوله تعالى : " وقل رب أدخلني مدخل صدق{[8416]} " [ الإسراء : 80 ] . وعنه أيضا أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم . وعنه أيضا " قدم صدق " سبق السعادة في الذكر الأول ، وقاله مجاهد . الزجاج : درجة عالية . قال ذو الرمة :

لكم قَدَمٌ لا ينكر الناس أنها*** مع الحسب العالي{[8417]} طَمَّت على البحر

قتادة : سلف صدق . الربيع : ثواب صدق . عطاء : مقام صدق . يمان : إيمان صدق . وقيل : دعوة الملائكة . وقيل : ولد صالح قدموه . الماوردي : أن يوافق صدق الطاعة الجزاء . وقال الحسن وقتادة أيضا : هو محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه شفيع مطاع يتقدمهم ، كما قال : ( أنا فرطكم على الحوض{[8418]} ) . وقد سئل صلى الله عليه وسلم فقال : ( هي شفاعتي توسلون بي إلى ربكم ) . وقال الترمذي الحكيم : قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود . وعن الحسن أيضا : مصيبتهم في النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عبد العزيز بن يحيى : " قدم صدق " قوله تعالى : " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون{[8419]} " [ الأنبياء : 101 ] وقال مقاتل : أعمالا قدموها ، واختاره الطبري . قال الوضاح :

صلِّ لذي العرشِ واتَّخِذْ قَدَمًا*** تُنْجِيك يوم العِثَارِ والزَّلَل وقيل : هو تقديم الله هذه الأمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة . كما قال : ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المفضي لهم قبل الخلائق ) . وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح ، فكني عنه بالقدم كما يكنى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان . وأنشد حسان :

لنا القدم العليا إليك وخلفُنا*** لأوَّلنا في طاعة الله تابع

يريد السابقة بإخلاص الطاعة ، والله أعلم . وقال أبو عبيدة والكسائي : كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم ، يقال : لفلان قدم في الإسلام ، له عندي قدم صدق وقدم شر وقدم خير . وهو مؤنث وقد يذكر ، يقال : قدم حسن وقدم صالحة . وقال ابن الأعرابي : القدم التقدم في الشرف ، قال العجاج :

زل بنو العوام عن آل الحكم*** وتركوا الملك لملك ذي قدم

وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لي خمسة أسماء . أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب ) يريد آخر الأنبياء ، كما قال تعالى : " وخاتم النبيين{[8420]} " [ الأحزاب : 40 ] .

قوله تعالى : " قال الكافرون إن هذا لساحر مبين " قرأ ابن محيصن وابن كثير والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش " لساحر " نعتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقرأ الباقون " لسحر " نعتا للقرآن وقد تقدم معنى السحر في " البقرة{[8421]} " .


[8415]:راجع ج 1 ص 184 وص 238.
[8416]:راجع ج 10 ص 312.
[8417]:في ديوانه وتفسير الطبري "العادي".
[8418]:أي متقدمكم إليه.
[8419]:راجع ج 11 ص 345
[8420]:راجع ج 14 ص.
[8421]:راجع ج 3 ص 43