تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا} (110)

105

المفردات :

ادعوا الله أو ادعوا الرحمان : أي : سموه بهذين الاسمين .

أياما تدعو فله الأسماء الحسنى : ما زائدة ، والمعنى : ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أي : هذين الاسمين تدعون فله أحسن الأسماء والحسنى مؤنث الأحسن .

ولا تخافت بها : خفت الرجل بقراءته : إذا لم يبينها برفع الصوت ، وتخافت القوم : تسأروا فيما بينهم .

التفسير :

110- { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيّا ما تدعو فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } .

قل لهؤلاء المشركين : سموا الله باسم الله ، أو اسم الرحمان ، فأي اسم تسمونه فهو حسن ، وهو تعالى له الأسماء الحسنى ولا شبهة لكم من أن تعدد الأسماء يستوجب تعدد المسمى ، وإذا قرأت القرآن في صلاتك ، فلا ترفع صوتك به ؛ لئلا يسمع المشركون فيسبونك ويؤذونك ، ولا تسر به فلا يسمع المؤمنون ، وكن وسطا في قراءتك .

قال الطبري والنيسابوري والنسفي : عن ابن عباس : أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يا الله يا رحمان ، فقال : إن محمدا ينهانا أن نعبد إلهين ، وهو يدعو إلها آخر . وقيل : إن أهل الكتاب قالوا : إنك لتقل ذكر الرحمان ، وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم ؛ فنزلت{[526]} .

وفي تفسير القاسمي :

{ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان } . رد لما أنكره المشركون من تسمية الرحمان ، وإذن بتسميته بذلك ، أي : سموه بهذا الاسم أو بهذا و( أو ) للتخيير . { أيّا ما تدعو فله الأسماء الحسنى } أي : أيُّ هذين الاسمين سميتم وذكرتم فهو حسن . وقد وضع موضعه قوله : { فله الأسماء الحسنى } ؛ للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه ، إذ حسن جميع أسماءه يستدعي حسن دينك الاسمين ، فأقيم فيه دليل الجواب مقامه وهو أبلغ . ومعنى كونها أحسن الأسماء : أنها مستقلة بمعاني الحمد والتقديس والتعظيم{[527]} وهذه الآية كقوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } . ( الأعراف : 180 ) .

وقد روى الطبري بإسناده : عن أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله تسعا وتسعون اسما كلهن في القرآن من أحصاهن ؛ دخل الجنة ) . ومعناه : من عرف معانيها وآمن بها وقيل : معناه : من أحصاها بحسن الرعاية لها وتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها{[528]} وقد وردت أسماء الله الحسنى كاملة في الحديث الذي رواه الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ووردت في تفسير الجلالين ، ثم شرحت معاني هذه الأسماء شرحا مستفيضا في حاشية الجمل على الجلالين{[529]} .

{ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } .

أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتوسط في صلاته بين الجهر والخفوت ؛ لما كانوا يقابلون به صلاته من استهزاء وإيذاء ، أو من نفور وابتعاد ، ولعل الأمر كذلك ؛ لأن التوسط بين الجهر والخفاء أليق بالوقوف في حضرة الله تعالى .

وروي : أن الرسول صلى الله عليه وسله طاف بالليل على دور الصحابة ، فكان أبو بكر يخفي صوته ، وكان عمر يرفع صوته ، وفي الصباح سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر عن قراءته فقال يا رسول الله ، أناجي ربي وقد علم حاجتي ، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عمر فقال : أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلا ، وأمر عمر أن يخفض صوته قليلا ؛ فنزلت الآية على حسب ذلك ، وقيل معناه : لا تجهر بصلاتك كلها ، ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار ، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد : أن الصلاة هنا : الدعاء . وقد يروى هذا مرفوعا قال الحسن : لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها{[530]} .


[526]:- تفسير النيسابوري 15/102 وتفسير النسفي 2/255، وقال أبو جعفر الطبري: ولدخول ما في قوله: {أياما تدعوا} وجهان: أحدهما: أن تكون صلة كما قيل: ما إن رأيت كالليلة ليلة- تفسير الطبري 15/122.
[527]:- تفسير القاسمي 10/4011، 4012 وهذا المعنى في تفسير النيسابوري 15/102.
[528]:- انظر حاشية الجمل 2/655، وفيها أن الإمام النووي فسر الإحصاء بالحفظ وهكذا فسره البخاري والأكثرون، ويؤيده أن في رواية الصحيح: (من حفظها دخل الجنة) ونرى أن حفظهما لا بد أن يرافقه فهم معناها والعمل بمقتضاه.
[529]:- انظر حاشية الجمل على الجلالين 2/655 – 667 وأسماء الله الحسنى كما وردت في الحديث الصحيح هي (الله الذي لا إله إلا هو الرحمان، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواحد، الماجد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الولي، المتعال، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور).
[530]:- وردت هذه الآراء في تفسير الطبري وتفسير النيسابوري.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا} (110)

قوله تعالى : " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " سبب نزول هذه الآية أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا ( يا الله يا رحمن ) فقالوا : كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين ، قاله ابن عباس . وقال مكحول : تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال في دعائه : ( يا رحمن يا رحيم ) فسمعه رجل من المشركين ، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن ، فقال ذلك السامع : ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة . فنزلت الآية مبينة أنهما اسمان لمسمى واحد ، فإن دعوتموه بالله فهو ذاك ، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك . وقيل : كانوا يكتبون في صدر الكتب : باسمك اللهم ، فنزلت " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم{[10405]} " [ النمل : 30 ] فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال المشركون : هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن ؟ فنزلت الآية . وقيل : إن اليهود قالت : ما لنا لا نسمع في القرآن اسما هو في التوراة كثير ، يعنون الرحمن ، فنزلت الآية . وقرأ طلحة بن مصرف " أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى " أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وأشرف المعاني . وحسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع ؛ لإطلاقها والنص عليها . وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معاني حسانا شريفة ، وهي بتوقيف لا يصح وضع اسم لله ينظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث أو الإجماع . حسبما بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) .

قوله تعالى : " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا " فيه مسألتان :

الأولى :اختلفوا في سبب نزولها على خمسة أقوال :

الأول : ما روى ابن عباس في قوله تعالى : " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة ، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به ، فقال الله تعالى " ولا تجهر بصلاتك " فيسمع المشركون قراءتك . " ولا تخافت بها " عن أصحابك . أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر . " وابتغ بين ذلك سبيلا " قال : يقول بين الجهر والمخافتة ، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم . واللفظ لمسلم . والمخافتة : خفض الصوت والسكون ، يقال للميت إذا برد : خفت . قال الشاعر :

لم يبق إلا نَفَس خافتُ *** ومقلةٌ إنسانُها باهتُ

رثى لها الشامت مما بها *** يا ويحَ من يرثَي له الشامتُ

الثاني : ما رواه مسلم أيضا عن عائشة في قوله عز وجل : " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " قالت : أنزل هذا في الدعاء . الثالث : قال ابن سيرين : كان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك .

قلت : وعلى هذا فتكون الآية متضمنة لإخفاء التشهد ، وقد قال ابن مسعود : من السنة أن تخفي التشهد ، ذكره ابن المنذر . الرابع : ما روي عن ابن سيرين أيضا أن أبا بكر رضي الله عنه كان يُسِر قراءته ، وكان عمر يجهر بها ، فقيل لهما في ذلك ، فقال أبو بكر : إنما أناجي ربي ، وهو يعلم حاجتي . إليه . وقال عمر : أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان ، فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر : ارفع قليلا ، وقيل لعمر اخفض أنت قليلا ، ذكره الطبري وغيره . [ الخامس ] ما روي عن ابن عباس أيضا أن معناها ولا تجهر بصلاة النهار ، ولا تخافت بصلاة الليل ؛ ذكره يحيى بن سلام والزهراوي . فتضمنت أحكام الجهر والإسرار بالقراءة في النوافل والفرائض ، فأما النوافل فالمصلي مخير في الجهر والسر في الليل والنهار ، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل الأمرين جميعا . وأما الفرائض فحكمها في القراءة معلوم ليلا ونهارا . [ وقول سادس ] قال الحسن : يقول الله لا ترائي بصلاتك تحسنها في العلانية ولا تسيئها في السر . وقال ابن عباس : لا تصل مرائيا للناس ولا تدعها مخافة الناس .

الثانية : عبر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله : " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " [ الإسراء : 78 ] لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر ؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها ، فعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز وهو كثير ، ومنه الحديث الصحيح : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ) أي قراءة الفاتحة على ما تقدم .


[10405]:راجع ج 13 ص 191 فما بعد.