الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا} (110)

{ قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ } الآية ، قال ابن عباس : تهجّد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فجعل يقول في سجوده : يا الله يا رحمن يا رحيم ، فقال المشركون : كان محمد يدعو إلهاً واحداً فهو الآن يدعوا إلهين اثنين الله والرحمن ، والله ما نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية .

قال ميمون بن مهران : كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحي إليه يكتب : باسمك اللهم حتى نزلت هذه الآية :

{ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [ النمل : 30 ] فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال مشركو العرب : هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية .

الضحاك : قال أهل الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّك لتقلّ ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم ، فأنزل الله تعالى : { قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ } الآية .

{ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ } من هذين الاسمين ومن جميع أسمائه { فَلَهُ الأَسْمَآءَ الْحُسْنَى } [ . . . . . . . ] مجازه : أيّاً تدعوا ، كقوله :

{ عَمَّا قَلِيلٍ } [ المؤمنون : 40 ] و

{ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ } [ ص : 11 ] .

{ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فاذا سمع ذلك المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن تلا به كما حكاه القرآن :

{ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَواْ فِيهِ } [ فصلت : 26 ] ربما صفّروا ليغلّطوا النبي صلى الله عليه وسلم ويخلطوا عليه قراءته فأنزل الله تعالى { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً } أي في الصلاة فيسمع المشركون فيؤذوك ، ولا تخافت بها فلا يسمع أصحابك حتى يأخذوا عنك .

وقال سعيد : كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بقراءة القرآن في المسجد الحرام ، فقالت قريش : لا تجهر بالقراءة فتؤذي آلهتنا فنهجو ربك ، وقال مقاتل : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي في دار أبي سفيان بن حرب عند الصفا ، يجهر بقرائته فمرَّ به أبو جهل فقال : لا تفتر على الله ، فجعل يخفت صوته ، فقال أبو جهل للمشركين : ألا ترون ما فعلت بابن أبي كبشة ، رددته عن قراءته فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وروى [ علقمة ] عن ابن سيرين في هذه الآية قال : كان أبو بكر ( رضي الله عنه ) يخافت بالقراءة في الصلاة ويقول : أناجي ربي ، وقد علم بحاجتي ، وكان عمر بن الخطاب يرفع صوته ويقول : أزجر الشيطان وأوقظ المنان ، فأمر أبو بكر حين نزلت هذه الآية أن يرفع صوته شيئاً ، وأمر عمر أن يخفض شيئاً .

وقالت عائشة رضي ( رضي الله عنه ) : نزلت هذه الآية في التشهد ، كان الأعرابي يجهر فيقول : التحيات لله والصلوات ويرفع بها صوته ، فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن : ( لا تراءِ ) بصلاتك في العلانية ولا [ تُسئها ] في السر .

الوالبي عن ابن عباس : لا تصلِّ مرائياً الناس ، ولا تدعها مخافة الناس ، ابن زيد : كان أهل الكتاب يخافتون في الصلاة ، لم يجهر أحدهم بالحرف فيصيح ويصيح من وراءه ، فنهاه الله أن يصيح كما يصيحون ، وخافت كما يخافتون ، والسبيل الذي بين ذلك الذي بيّن له جبرئيل في الصلاة .

وقال : علي والنخعي ومجاهد وابن مكحول : هي في الدعاء ، [ وبه قال أشعث عن ] عطية عن ابن عباس ، وقال عبد الله بن شدّاد : " كان أعراب من بني تميم إذا سلّم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : " اللهم ارزقنا " ، فقال لهم : أتجهرون ؟ فأنزل الله هذه الآية " .

ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح أن شيخاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّثه " أن رسول الله قال في هذه الآية : إنما أُنزلت في الدعاء ، يقول : لا ترفع صوتك في الدعاء عند استغفارك واذكر ذنوبك فيسمع منك فتعبِّر بها وتخافت في الصوت والسكون " ، ومنه يقال للميّت إذا برد خفت .

{ وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ } أي بين الجهر والإخفات { سَبِيلاً }