تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ} (130)

المفردات :

يا معشر : المشعر جماعة أمرهم واحد .

يقصون : يتلون .

وغرتهم : وخدعتهم .

التفسير :

يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا . . . الآية .

جاءت هذه الآية لتقريع الإنس والجن على معاصيهم .

جاء في تفسير الطبري :

( وهذا خبر من الله جل ثناؤه ، عما هو قائل يوم القيامة ، لهؤلاء العادلين به ، من مشركي الإنس والجن ، يخبر أنه تعالى يقول لهم : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي .

يقول : يخبرونكم بما أوحي إليهم ، من تنبيهي إياكم على مواضع حججي ، وتعريفي لكم أدلتي على توحيدي ، وتصديق أنبيائي والعلم بأمري ، والانتهاء إلى حدودي .

وينذرونكم لقاء يومكم هذا . يقول : يحذرونكم لقاء عذابي في يومكم هذا ، وعقابي على معصيتكم إياي ، فتنتهوا عن معاصي . وهذا من الله تعال تقريع لهم ، وتوبيخ على ما سلف منهم في الدنيا من الفسوق والمعاصي ، ومعناه : قد أتاكم رسل منكم ينبهونكم على خطإ ما كنتم عليه مقيمين بالحجج البالغة ، وينذرونكم وعيد الله فلم تقبلوا ولم تتذكروا ) ا . ه .

قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين . ( الأنعام : 130 ) .

تحكي الآية موقفا من مواقف القيامة ، حين يوبخ الله جماعة المكذبين بالرسل من الإنس والجن .

ولا يملك كفار الإنس والجن ، إلا أن يعترفوا على أنفسهم ، بأن الرسل قد بشروهم وأنذروهم ، ولم يقصروا في تبليغهم وإرشادهم .

ولكن الكفار غرتهم الحياة الدنيا ، من الشهوات والمال والجاه وحب الرياسة ، فاستحبوا العمى على الهدى ، وباعوا آخرتهم بدنياهم .

وشهدوا على أنفسهم أمام الله يوم القيامة ، أنهم كانوا كافرين في الدنيا بما جاءتهم به الرسل .

والآية تشتمل على التحذير للسامعين في الدنيا ؛ حتى لا يتعرضوا لمثل هذه المواقف ، في يوم الحشر والحساب .

ونلاحظ أن مشاهد الآخرة متعددة . ومواقف الحساب كثيرة . فأحيانا ينكر الكفار شركهم بالله ، ويقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ( الأنعام : 23 ) . وحينا آخر يعترفون بخطئهم وغرورهم ، ويشهدون على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين ، وهو دليل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم ، كما ذكر الإمام الزمخشري في تفسير الكشاف .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ} (130)

قوله تعالى : " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم " أي يوم نحشرهم نقول لهم{[6718]} ألم يأتكم رسل فحذف ، فيعترفون بما فيه افتضاحهم . ومعنى " منكم " في الخلق والتكليف والمخاطبة . ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال : " منكم " وإن كانت الرسل من الإنس وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث . وقال ابن عباس : رسل الجن هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي ، كما قال : " ولوا إلى قومهم منذرين{[6719]} " [ الأحقاف : 29 ] . وقال مقاتل والضحاك : أرسل الله رسلا من الجن كما أرسل من الإنس . وقال مجاهد : الرسل من الإنس ، والنذر من الجن ، ثم قرأ " إلى قومهم منذرين{[6720]} " [ الأحقاف : 29 ] . وهو معنى قول ابن عباس ، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في " الأحقاف " {[6721]} . وقال الكلبي{[6722]} : كانت الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الإنس والجن جميعا .

قلت : وهذا لا يصح ، بل في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود ) الحديث . على ما يأتي بيانه في " الأحقاف " . وقال ابن عباس : كانت الرسل تبعث إلى الإنس وإن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس ، ذكره أبو الليث السمرقندي . وقيل : كان قوم من الجن : استمعوا إلى الأنبياء ثم عادوا إلى قومهم وأخبروهم ، كالحال مع نبينا عليه السلام . فيقال لهم رسل الله ، وإن لم ينص على إرسالهم . وفي التنزيل : " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان{[6723]} " [ الرحمن : 22 ] أي من أحدهما ، وإنما يخرج من الملح دون العذب ، فكذلك الرسل من الإنس دون الجن ، فمعنى " منكم " أي من أحدكم . وكان هذا جائزا ؛ لأن ذكرهما سبق . وقيل : إنما صير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع ؛ لأن الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة ، والحساب عليهم دون الخلق ، فلما صاروا في تلك العرصة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة ؛ لأن بدء خلقهم للعبودية ، والثواب والعقاب على العبودية ، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار ، وأصلنا من تراب ، وخلقهم غير خلقنا ، فمنهم مؤمن وكافر . وعدونا إبليس عدوهم ، يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم . وفيهم أهواء : شيعة وقدرية ومرجئة يتلون كتابنا . وقد وصف الله عنهم في سورة " الجن " من قوله : " وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون " [ الجن : 14 ] . " وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا " {[6724]} [ الجن : 11 ] على ما يأتي بيانه هناك . " يقصون " في موضع رفع نعت لرسل . " قالوا شهدنا على أنفسنا " أي شهدنا أنهم بلغوا . " وغرتهم الحياة الدنيا " قيل : هذا خطاب من الله للمؤمنين ، أي أن هؤلاء قد غرتهم الحياة الدنيا ، أي خدعتهم وظنوا أنها تدوم ، وخافوا زوالها عنهم إن آمنوا . " وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين " أي اعترفوا بكفرهم . قال مقاتل : هذا حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك وبما كانوا يعملون{[6725]} .


[6718]:من ك.
[6719]:راجع ج 16 ص 210.
[6720]:راجع ج 16 ص 210.
[6721]:راجع ج 16 ص 210.
[6722]:في ك: قال مقاتل: وهو معنى الخ.
[6723]:راجع ج 17 ص 161.
[6724]:راجع ج 19 ص 14.
[6725]:من ك.