تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82)

{ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون( 82 ) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون( 83 ) حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون( 84 ) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون( 85 ) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون( 86 ) } .

المفردات :

وقع القول : قرب وقوع ما وعدوا به من العذاب بعد البعث .

دابة : هي دابة كبيرة يخرجها الله قرب قيام الساعة .

تكلمهم : تكلم الناس ، وتنطق بكلام الناس ، من الكلام .

تكلمهم : قراءة بفتح التاء وسكون الكاف وكسر اللام ، من الكلْم وهو الجرح .

82

التفسير :

82- { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } .

{ وإذا وقع القول عليهم . . }

أي : إذا اقترب قيام الساعة ، وتحقيق كلمة الله في عذاب الكافرين ، والإحسان إلى المحسنين ؛ أخرجنا لهم دابة عظيمة في هيكلها تخرج من أرض مكة ، وتكلّم الناس بكلام فصيح واضح مبين ؛ تقول للكافرين : لقد كنتم لا تؤمنون بالقرآن ، ولا بدلائل قدرة الله في الأنفس والآفاق ، وها أنتم تشاهدون القيامة وأهوالها وعلاماتها ، ومن هذه العلامات ما يأتي :

1- طلوع الشمس من مغربها .

2- خروج دابة من الأرض تكلم الناس بكلام واضح مفهوم ، تقول : { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } .

3-ظهور المسيح الدجال ، كما ورد في الأحاديث الصحيحة ، روى الإمام مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها ، والدجّال ، ودابة الأرض22 .

ما يلحق بتفسير الآية :

1- الدابة معجزة أو آية جعلها الله من علامات قيام الساعة ، وهي من العلامات الكبرى التي جعلها الله من علامات القيامة .

2- من عادة الناس أن الدواب لا تنطق ، ولا تتكلم ، فجعل الله نطقها بكلام واضح بين دليلا على نهاية الدنيا وقرب قيام الساعة .

3- القول في قوله تعالى : { وإذا وقع القول عليهم . . } يراد به تحقيق ما وعد به الله ، مثل : { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } [ السجدة : 13 ] .

4- ورد في القرآن وفي الأحاديث الصحيحة ، ما يفيد أن خروج الدابة من علامات الساعة ، وفي هذا ما يكفي المسلم للاعتقاد به ، ولا يحتاج بعد ذلك إلى السؤال عن أوصاف هذه الدابة ، فقد وردت آثار غير صحيحة في وصفها لا يعوّل عليها ، وحسبنا أن نعرف أنها حيوان أعجم ضخم الجثة يتكلم قائلا : { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } . أي : لا يصدقون بعظيم آيات الله ، وعظيم قدرته .

5- ورد في صحيح مسلم بسنده ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى ، وأيتهما كانت قبل صاحبتها ، فالأخرى على إثرها قريبا " 23 .

6- وروى الإمام مسلم ، وأهل السنن ، والإمام أحمد ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري ، قال : أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة ، فقال : ( لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم عليه السلام ، والدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق-أو تحشر- الناس ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا )24 قال الترمذي : حسن صحيح .

7- روى مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدجال ، والدابة ، وخاصة أحدكم ، وأمر العامة )25 .

8- خلاصة معنى الآية ، إذا قرب وقوع ما قلناه على الكافرين من قيام الساعة وعقابهم على كفرهم ، أخرجنا لهم من الأرض دابة عظيمة ، تكلمهم بما يفهمونه عنها فتوبخهم على كفرهم ، وتنعى عليهم أنهم كانوا لا يؤمنون بالله وآياته وبراهينه ، ولا يصدقون بالبعث ولا يستيقنون به ، وقد حان وقت الجزاء العادل في القيامة ، على الإحسان إحسانا وعلى السوء سوءا .

9- قرأ بعض القراء : { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم . . } بسكون الكاف وكسر اللام من الكلم وهو الجرح ، أي : أن الدابة تجرحهم بكلام جارح ؛ عتابا ولوما على عدم الإيمان ، أو تجرحهم جرحا حسيا ، وهذا أمر محتمل ، لكن الآراء السابقة هي المفهوم لأول وهلة من كلام القرآن الكريم والسنة الصحيحة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82)

أي : إذا وقع على الناس القول الذي حتمه الله وفرض وقته . { أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً } خارجة { مِنَ الأرْضِ } أو دابة من دواب الأرض ليست من السماء . وهذه الدابة { تُكَلِّمُهُمْ } أي : تكلم العباد أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ، أي : لأجل أن الناس ضعف علمهم ويقينهم بآيات الله ، فإظهار الله هذه الدابة من آيات الله العجيبة ليبين للناس ما كانوا فيه يمترون .

وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث [ ولم يأت دليل يدل على كيفيتها ولا من أي : نوع هي وإنما دلت الآية الكريمة على أن الله يخرجها للناس وأن هذا التكليم منها خارق للعوائد المألوفة وأنه من الأدلة على صدق ما أخبر الله به في كتابه والله أعلم ]{[597]}


[597]:- ما بين القوسين المركنين زيادة من هامش أ بخط الشيخ -رحمه الله- وفي ب زيادة أخرى، يبدو أنها بخطه -رحمه الله- هي: (لم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة، وإنما ذكر أثرها، والمقصود منها، وأنها من آيات الله تكلم الناس كلاما خارقا للعادة حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين وحجة على المعاندين).
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82)

ولما فرغ من عظيم زجرهم بتسليته صلى الله عليه وسلم في أمرهم وختم بالإسلام ، عطف عليه ذكر ما يوعدون مما تقدم استعجالهم له استهزاء به ، وبدأ منه بالدابة التي تميز المسلم من غيره ، فقال محققاً بأداة التحقيق : { وإذا وقع القول } أي حان حين وقوع الوعيد الذي هو معنى القول ، وكأنه لعظمه لا قول غيره { عليهم } بعضه بالإتيان حقيقة وبعضه بالقرب جداً { أخرجنا } أي بما لنا من العظمة { لهم } من أشراط الساعة { دآبة } وأيّ دابة في هولها وعظمها خلقاً وخلقاً { من الأرض } أي أرض مكة التي هي أم الأرض ، لأنه لم يبق بعد إرسال أكمل الخلق بأعلى الكتب إلا كشف الغطاء .

ولما كان التعبير بالدابة يفهم أنها كالحيوانات العجم لا كلام لها قال : { تكلمهم } أي بكلام يفهمونه ، روى البغوي من طريق مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى ، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً " ومن طريق ابن خزيمة عن أبي شريحة الغفاري رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : " يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر ، فتخرج خروجاً بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية ، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة ، ثم تمكن زماناً طويلاً ، ثم تخرج خرجة أخرى قريباً من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية ، ثم بينما الناس يوماً في أعظم المساجد على الله عز وجل حرمة وأكرمها على الله عز وجل - يعني المسجد الحرام ، لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو - كذا قال عمرو - يعني ابن محمد العبقري أحد رواة الحديث - ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط ذلك ، فارفض الناس عنها وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب ، فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ، ولا يعجزها هارب ، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة ، فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان ‍‍‍ ! الآن تصلي ، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه ، فيتجاور الناس في ديارهم ، ويصطحبون في أسفارهم ، ويشتركون في الأموال ، يعرف الكافر من المؤمن ، فيقال للمؤمن : يا مؤمن ، ويقال للكافر : يا كافر " ؛ ومن طريق الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تخرج الدابة ومعها عصا موسى ، وخاتم سليمان عليهما السلام ، فتجلو وجه المؤمن بالعصا ، وتخطم أنف الكافر بالخاتم ، حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا : يا مؤمن ، وهذا : يا كافر " .

ثم علل سبحانه إخراجه لها بقوله : { أن الناس } أي بما هم ناس لم يصلوا إلى أول أسنان الإيمان ، وهو سن { الذين آمنوا } بل هم نائسون مترددون مذبذبون تارة ، وتارة { كانوا } أي كوناً هو لهم كالجبلة { بآياتنا } أي المرئيات التي كتبناها بعظمتنا في ذوات العالم ، والمسموعات المتلوات ، التي أتيناهم بها على ألسنة أكمل الخلق : الأنبياء والرسل ، حتى ختمناهم بإمامهم الذي هو أكمل العالمين ، قطعاً لحجاجهم ، ورداً عن لجاجهم ، ولذا عممنا برسالته وأوجبنا على جميع العقل أتباعه { لا يوقنون* } من اليقين ، وهو إتقان العلم بنفي الشبه ، بل هم فيها مزلزلون ، فلم يبق بعده صلى الله عليه وسلم إلا كشف الغطاء عما ليس من جنس البشر بما لا تثبت له عقولهم .