تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (111)

{ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون111 } .

المفردات :

عبرة : عظة .

لأولي الألباب : لأصحاب العقول .

يفترى : يخترع ويلفق .

بين يديه : ما تقدم عليه .

التفسير :

111 { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب . . . } .

تأتي هذه الآية في ختام سورة يوسف ؛ فتبرز الهدف من ذكر هذه القصة فتقول : لقد كان في ذكر قصص الرسل والأنبياء عبرة وعظة لأصحاب العقول ؛ حيث تعرض يوسف لألوان من البلاء فصبر وتمسك بالتقوى ؛ وكان جزاء ذلك الفلاح في الدنيا ، والنجاة في الآخرة .

{ ما كان حديثا يفترى } .

أي : ما كان هذا القرآن حديثا يختلق ويكذب من دون الله ؛ لأنه كلام أعجز رواة الأخبار ، وحملة الأحاديث ، وإنما هو كلام الله من طريق الوحي والتنزيل ، المشتمل على العقائد والأخلاق ، وقصص الأمم الخالية في أعلا درجات الفصاحة والبلاغة ، وذلك كله فوق طاقة الإنس والجن .

قال تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } . ( الإسراء : 88 ) .

{ ولكن تصديق الذي بين يديه } .

جاء القرآن مصدقا للكتب السماوية التي سبقته ، كالتوراة والإنجيل والزبور ، أي : تصديق ما جاء فيها من الصحيح والحق ، ونفى ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير ، فهو مصدق أصولها الصحيحة ومبين ما وقع فيها من اختلاف .

قال تعالى : { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون } . ( النمل : 76 ) .

{ وتفصيل كل شيء } .

والقرآن أيضا فيه تفصيل كل شيء من الحلال والحرام ، والمحبوب والمكروه ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، وصفات الله الحسنى ، وقصص الأنبياء .

{ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

أي : هداية للناس من الضلال والحيرة ، ورحمة لقوم يؤمنون به ويسلكون سبيله ، ويهتدون بهديه .

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره :

" وتفصيل كل شيء من تحليل وتحريم ، ومحبوب ومكروه ، وغير ذلك من الأمر بالطاعات ، والواجبات والمستحبات ، والنهي عن المحرمات ، وما شاكلها من المكروهات ، والإخبار عن الأمور الجلية ، وعن الغيوب المجملة والتفصيلية ، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى بالأسماء والصفات ، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات ؛ فلهذا كان : { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد ، ومن الضلال إلى السداد ، ويبتغون به الرحمة من رب العباد في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد " 62 .

ختام السورة:

خاتمة سورة يوسف

لقد كانت قصة يوسف مشتملة على العظات والعبر ؛ ففيها محن ليوسف في الجب وفي بيت العزيز وفي السجن ، ومحن لإخوة يوسف حتى ضاقت ذات يدهم ؛ فقالوا : { مسنا وأهلنا الضر } ، وفيها محن ليعقوب وابتلاء ؛ بغياب يوسف ؛ وغياب بنيامين ، { حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } ، ثم جمع الله الشمل ، ورفع الحسد والحقد ، فعفا يوسف عن إخوته ، وقدموا جميعا إلى مصر ، وتم سجودهم ليوسف ، ثم إكرام يوسف لوالديه وإخوته ، ثم حسن إدارته لمصر ، وعزوفه عن كل مظاهر الترف ، واعترافه لله تعالى بالفضل .

وفي ختام القصة اجتماع بعد فرقه ، وتكامل وتآلف ، وكأن الله تعالى يذكر ذلك لرسوله ؛ مذكرا بعاقبة الصبر والإيمان والتقوى ؛ وبهذا كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

1 من كتاب : أهداف كل سورة ومقاصدها في القرآن الكريم ، د . عبد الله شحاتة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ص 139 .

2 الرؤيا يراها الرجل :

رواه البخاري في التعبير ( 6990 ) من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قالوا : وما المبشرات ؟ ! قال : ( الرؤيا الصالحة ) . ورواه مسلم في الصلاة ( 479 ) ، وأحمد ح ( 1903 ) ، والنسائي في التطبيق ح ( 1054 ، 1120 ) ، وأبو داود في الصلاة ح ( 876 ) ، وابن ماجة في تعبير الرؤيا ح ( 3899 ) ، و الدارمي في الصلاة ح ( 1325 ) ، من حديث ابن عباس قال : كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ، فقال : ( أيها الناس ، إنه لم يبق من مبشرات النبوة ؛ إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم ، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل ، وأما السجود ، فاجتهدوا في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم ) . ورواه الترمذي في الرؤيا ( 2272 ) ، وأحمد في مسنده ( 13412 ) ، من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : ( إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ، فلا رسول بعدي ، ولا نبي . قال : فشق ذلك على الناس فقال : ( لكن المبشرات ) ! قالوا : يا رسول الله ، ما المبشرات ؟ ! قال : ( رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة ) . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب ، ورواه ابن ماجة في تعبير الرؤيا ( 3896 ) ، والدارمي في الرؤيا( 2138 ) ، وأحمد في مسنده ( 26600 ) ، من حديث أم كرز الكعبية قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ذهبت النبوة ، وبقيت المبشرات ) . ورواه أحمد في مسنده ( 23283 ) ، من حديث أبي الطفيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا نبوة بعدي إلا المبشرات ) ، قال : قيل : وما المبشرات يا رسول الله ؟ ! ، قال : ( الرؤيا الحسنة ، أو قال الرؤيا الصالحة " . ورواه أحمد في مسنده( 24456 ) ، من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات " ، قالوا : يا رسول الله ، وما المبشرات ؟ ! قال : الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له ) ورواه مالك في الموطأ كتاب الجامع ( 1783 ) من حديث عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات ) ، فقالوا : وما المبشرات يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! قال : ( الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) .

3 انظر : تفسير ابن كثير ، حيث نقل ذلك بتوسع عن محمد بن إسحاق فيما رواه ابن أبي حاتم .

4 تفسير القرطبي .

5 انظر تفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية ، وتفسير الآلوسي ، وتفسير سورة يوسف ، للدكتور محمد طنطاوي .

6 لا سبق إلا في خف أو في حافر أو نصل :

رواه أبو داود في الجهاد ( 2578 ) ، والترمذي في الجهاد ( 1700 ) ، والنسائي في الخيل ( 3585 ) ، وابن ماجة في الجهاد ( 2878 ) ، وأحمد في مسنده ( 257445 ) ، من حديث أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا سبق إلا في خف أو في حافر أو نصل ) .

7 هذه بتلك السبقة :

رواه أبو داود في الجهاد ( 2578 ) ، وأحمد في مسنده ( 25745 ) ، من حديث عائشة رضي الله عنها : أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم : ( في سفر ، قالت : فسابقته ، فسبقته على رجلي ، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني ، فقال : ( هذه بتلك السبقة ) .

8 الكريم ابن الكريم :

رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3382 ، 339 ) ، وفي التفسير ( 4688 ) ، وأحمد في مسنده ( 5679 ) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام " . ورواه الترمذي في التفسير ( 3116 ) ، من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ) . قال : ( ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الرسول أجبت ثم قرأ { فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) ، قال : ( ورحمة الله على لوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال : { لو أن لي بكم قوة أو آوي ركن شديد } ، فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه ) . وقال الترمذي : حديث حسن .

9 إن الله تجاوز لأمتي :

رواه البخاري في الأيمان والنذور ( 6664 ) ، وابن ماجة في الطلاق ( 2040 ، 2044 ) ، ( 7421 ) ، من حديث أبي هريرة يرفعه ، قال : ( إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم ) .

10 إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها :

رواه البخاري في التوحيد ( 7501 ) ، ومسلم في الإيمان ( 129 ) ، والترمذي في التفسير ( 3073 ) ( 27441 ) ، من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله : إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها ؛ فإن عملها ، فاكتبوها بمثلها ، وإن تركها من أجلي ، فاكتبوها له حسنة ، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها ؛ فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ) .

11 المصحف المفسر للأستاذ : محمد فريد وجدي ، ص 306 .

12 تفسير الآلوسي للآية .

13 تفسير الكشاف الجزء الثالث ، ص 17 .

14 انظر : تفسير الآلوسي 12/195 ، والتفسير الكبير ، للإمام فخر الدين الرازي ، فقد أشاد بعبقرية المرأة ، ودهائها ومكرها وسيطرتها على زوجها ، واستمرار تهديدها ليوسف حتى تلين قناته في يدها .

15 انظر تفسير القرطبي للآية ، المسألة الثالثة .

16 تفسير النسفي 2/219 .

17 تفسير محمد بن جرير الطبري ، المتوفى سنة : 310 ه ، مطبعة بولاق بمصر ، الطبعة الأولى سنة 1327 ه ، ج 12 ، ص 124 .

18 في ظلال القرآن ، للأستاذ : سيد قطب 12 /110 ، طبع دار إحياء الكتب العربية ، عيسى البابي الحلبي وشركاه .

19 انظر : التفسير الوسيط : تأليف لجنة من العلماء ، الحزب الرابع والعشرون ، ص 329 .

20 الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان :

رواه البخاري في بدء الخلق ( 3292 ) ، وفي الطب ( 5747 ) ، ( 6984 ، 6986 ، 6995 ، 7005 ) ، ومسلم في الرؤيا ( 2261 ) ، ومالك في الموطأ كتاب الجامع ( 1784 ) ، وأبو داود في الأدب ( 5031 ) ، والترمذي في الرؤيا ( 2277 ) ، وابن ماجة في تعبير الرؤيا ( 3909 ) ، و الدارمي في الرؤيا ( 2141 ) ، واحمد في مسنده ( 22019 ) ، من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه ؛ فليبصق عن يساره ، وليتعوذ بالله من شرها ؛ فإنها لا تضره ) .

21 اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت :

رواه أبو داود في الطب ( 3919 ) ، من حديث عروة بن عامر قال أحمد القرشي : قال : ذكرت الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أحسنها الفأل ولا ترد مسلما فإذا رأى أحدكم ما يكره ؛ فليقل : اللهم ، لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) .

22 في ظلال القرآن 12/114 .

23 إن الكريم ابن الكريم :

رواه الترمذي في التفسير ( 3116 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ) . قال : ( ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الرسول أجبت ثم قرأ : { فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) ، قال : ( ورحمة الله على لوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال : { لو أن لي بكم قوة أو آوي ركن شديد } ، فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه ) . وقال الترمذي : حديث حسن .

والحديث رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3382 ، 339 ) ، وفي التفسير ( 4688 ) ، وأحمد في مسنده ( 5679 ) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ) . وقد تقدم ص ( 2307 ) .

تمت الهوامش وتخريج الأحاديث

بحمد الله وبها تم الجزء( الثاني عشر )

24 يا عبد الرحمان بن سمرة ، لا تسأل الإمارة :

رواه البخاري في الأيمان والنذور( 6622 ) وفي كفارات الأيمان( 6722 ) وفي الأحكام( 7147 ، 7146 ) ومسلم في الأيمان ( 1652 ) من حديث عبد الرحمان بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عبد الرحمان بن سمرة ، لا تسأل الإمارة ؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة ؛ وكلت إليها وإن واتيتها من غير مسألة ؛ أعنت عليها ، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها ؛ فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير ) .

25 { ما }هنا استفهامية ، الاستفهام للتعجب من كرم عزيز مصر .

26 العين حق :

رواه البخاري في الطب( 5740 ) وفي اللباس( 5944 ) ومسلم في السلام( 2187 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العين حق ) ، ونهى عن الوشم ، وفي الباب : عن عائشة وابن عباس .

27 العين تدخل الرجل القبر :

قال السيوطي في الدر المنثور : وأخرج أبو نعيم في الحلية : عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر ) .

28 أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان :

رواه البخاري في أحاديث الأنبياء( 3371 ) وأبو داود في السنة( 4737 ) والترمذي في الطب( 2060 ) وابن ماجة في الطب( 3525 ) وأحمد في مسنده( 2113 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول : ( إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق ؛ أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) .

29 ويقول : إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل :

تقدم فيما قبله .

30 التفسير الوسيط ، د محمد سيد طنطاوي ، سورة يوسف ص121 ، 120 ، وزبدة التفسير من فتح القدير ص313 .

31 تفسير أبي السعود 4/294 .

32 انظر : زبدة التفسير من فتح القدير ص314 .

33 روح المعاني في تفسير القرآن العظيم ، والسبع المثاني للآلوسي 13/28 .

34 سعيد حوّى ، الأساس في التفسير ، دار السلام للطباعة والنشر ، القاهرة وبيروت5/2680 .

35 تفسير أبي السعود 4/298 .

36 انظر : تفسير الثعالبي ، وتفسير القاسمي .

37 زبدة التفسير من فتح القدير ص315 .

38 إن العين تدمع والقلب يحزن :

رواه البخاري في الجنائز( 1303 ) ومسلم في الفضائل( 2315 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين ، وكان ظئرا لإبراهيم عليه السلام ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان ؛ فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : وأنت يا رسول الله ! فقال : ( يا ابن عوف إنها رحمة ) ، ثم أتبعها بأخرى ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) .

39 تفسير روح المعاني للآلوسي 5/40 ، وورد المعنى في تفسير القرطبي ، والتفسير المنير ، والتفسير الوسيط .

40 التفسير الوسيط ، تأليف لجنة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر . الحزب 25 ص374 .

41 تفسير أبي السعود 4/303 ، وزبدة التفسير من فتح القدير ص316 .

42 تفسير الكشاف للزمخشري .

43 تفسير أبي السعود 4/305 .

44 تفسير المراغي 13/29 .

45 من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه :

رواه البخاري في المظالم( 2449 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح ؛ أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات ؛ أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) .

46 الكريم ابن الكريم :

رواه البخاري في أحاديث الأنبياء( 3390 ، 3382 ) وفي التفسير( 4688 ) وأحمد في مسنده( 5679 ) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ) ، ورواه الترمذي في التفسير( 3116 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ) قال : ( ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الرسول ؛ أجبت ) ثم قرأ : { فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } ، قال : ( ورحمة الله على لوط ، إن كان ليأوي إلى ركن شديد ، إذ قال : { لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } ، فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه ) . وقال الترمذي : حديث حسن .

47 أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : أن تجعل لله ندّا :

رواه البخاري في تفسير القرآن( 4477 ) ، ومسلم في الإيمان( 86 ) ، من حديث عبد الله بن مسعود قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : ( أن تجعل لله ندّا وهو خلقك ) قلت : إن ذلك لعظيم ، قلت : ثم أي ، قال : ( وأن تقتل ولدك ؛ تخاف أن يطعم معك ) قلت : ثم أي ، قال : ( أن تزاني حليلة جارك ) ، البخاري( 3239 ) .

48 انظر أيضا : تفسير المراغي للأستاذ/ أحمد مصطفى المراغي 13/50 ، 49 .

49 تفسير القاسمي 9/297 .

50 روح المعاني للآلوسى 13/68 ، وفيه من أهل العمور ، وهو خطأ ، والصواب : من أهل العمود ، أي : الخيمة التي تبنى على العمود الرئيس الذي يرفع الخيمة .

51 التفسير القرآني للقرآن ، للأستاذ/ عبد الكريم الخطيب 13/60 .

52 زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي4/296 .

53 إن الله تجاوز لأمتي :

رواه البخاري في الأيمان والنذور( 6664 ) ، وابن ماجة في الطلاق( 2044 ، 2040 ) ( 7421 ) ، من حديث أبي هريرة يرفعه قال : إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ؛ ما لم تعمل به أو تكلم .

54 نحن أحق بالشك من إبراهيم :

رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3372 ) ، وفي التفسير ( 4694 ، 4537 ) ، ومسلم في الإيمان ( 151 ) ، وأحمد في مسنده ( 8129 ) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } ) .

55 تفسير روح المعاني للآلوسي 13/70 .

56 تفسير روح المعاني للآلوسي 13/70 ، والاتساء : جعلهم أسوة وقدوة .

57 تفسير القاسمي 9/299 .

58 ما يصيب المسلم ، من نصب ، ولا وصب ، ولا هم :

رواه البخاري في المرضى باب : ما جاء في كفارة المرضى ( 5318 ) ، عن أبي سعيد الخدري ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما يصيب المسلم ، من نصب ، ولا وصب ، ولا هم ، ولا حزن ، ولا أذى ، ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها ؛ إلا كفر الله بها من خطاياه ) . ورواه البخاري فيما تقدم ( 5317 ) ، ومسلم في البر والصلة والآداب ، باب : ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ( 2572 ) عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مصيبة تصيب المسلم ؛ إلا كفر الله بها عنه ، حتى الشوكة يشاكها ) .

59 أشد الناس بلاء الأنبياء :

بوب به البخاري في كتاب المرضى ، ورواه الترمذي في الزهد ح2398 ، وابن ماجة في الفتن ح4023 ، وأحمد ح1610 ، 1558 ، 1497 ، 1484 ، والدارمي في الرقاق ح2783 ، من حديث سعد بن أبي وقاص ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

60إنما الصبر عند الصدمة الأولى :

رواه البخاري في الجنائز ( 1302 ، 1283 ) ، ومسلم في الجنائز ( 926 ) ، وأبو داود في الجنائز ( 3124 ) ، والترمذي في الجنائز ( 988 ، 987 ) ، والنسائي في الجنائز( 1869 ) ، وابن ماجة في الجنائز( 1596 ) ، وأحمد في مسنده ( 12860 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر ، فقال : ( اتقي الله واصبري ، قالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ! ولم تعرفه ، فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه وسلم ! فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك ! فقال : ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) .

61 الأساس في التفسير للأستاذ/ سعيد حوّى ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ص ب 161 ، غورية ت 935644 ، المجلد الخامس ص 2711 ، نقلا عن تفسير : في ظلال القرآن .

62 تفسير ابن كثير 2/498 .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (111)

{ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } أي : قصص الأنبياء والرسل مع قومهم ، { عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } أي : يعتبرون بها ، أهل الخير وأهل الشر ، وأن من فعل مثل فعلهم ناله ما نالهم من كرامة أو إهانة ، ويعتبرون بها أيضا ، ما لله من صفات الكمال والحكمة العظيمة ، وأنه الله الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له .

وقوله : { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى } أي : ما كان هذا القرآن الذي قص الله به عليكم من أنباء الغيب ما قص من الأحاديث المفتراة المختلقة ، { وَلَكِنْ } كان { تصديق الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب السابقة ، يوافقها ويشهد لها بالصحة ، { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } يحتاج إليه العباد من أصول الدين وفروعه ، ومن الأدلة والبراهين .

{ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فإنهم - بسبب ما يحصل لهم به من العلم بالحق وإيثاره - يحصل لهم الهدى ، وبما يحصل لهم من الثواب العاجل والآجل تحصل لهم الرحمة .

فصل

في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة التي قال الله في أولها { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } وقال { لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ } وقال في آخرها { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } غير ما تقدم في مطاويها من الفوائد .

فمن ذلك ، أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها ، لما فيها من أنواع التنقلات ، من حال إلى حال ، ومن محنة إلى محنة ، ومن محنة إلى منحة ومنَّة ، ومن ذل إلى عز ، ومن رقٍّ إلى ملك ، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف ، ومن حزن إلى سرور ، ومن رخاء إلى جدب ، ومن جدب إلى رخاء ، ومن ضيق إلى سعة ، ومن إنكار إلى إقرار ، فتبارك من قصها فأحسنها ، ووضحها وبيَّنها .

ومنها : أن فيها أصلا لتعبير الرؤيا ، وأن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده ، وإن أغلب ما تبنى عليه المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة ، فإن رؤيا يوسف التي رأى أن الشمس والقمر ، وأحد عشر كوكبا له ساجدين ، وجه المناسبة فيها : أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها ، وبها منافعها ، فكذلك الأنبياء والعلماء ، زينة للأرض وجمال ، وبهم يهتدى في الظلمات كما يهتدى بهذه الأنوار ، ولأن الأصل أبوه وأمه ، وإخوته هم الفرع ، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورا وجرما ، لما هو فرع عنه . فلذلك كانت الشمس أمه ، والقمر أباه ، والكواكب إخوته .

ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث ، فلذلك كانت أمه ، والقمر والكوا كب مذكرات ، فكانت لأبيه وإخوته ، . ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له ، والمسجود [ له ] معظم محترم ، فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظما محترما عند أبويه وإخوته .

ومن لازم ذلك أن يكون مجتبى مفضلا في العلم والفضائل الموجبة لذلك ، ولذلك قال له أبوه : { وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث } ومن المناسبة في رؤيا الفتيين ، أنه أول رؤيا ، الذي رأى أنه يعصر خمرا ، أن الذي يعصر في العادة ، يكون خادما لغيره ، والعصر يقصد لغيره ، فلذلك أوَّله بما يؤول إليه ، أنه يسقي ربه ، وذلك متضمن لخروجه من السجن .

وأوَّل الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ، بأن جلدة رأسه ولحمه ، وما في ذلك من المخ ، أنه هو الذي يحمله ، وأنه سيبرز للطيور ، بمحل تتمكن من الأكل من رأسه ، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه ، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل .

وأوَّل رؤيا الملك للبقرات والسنبلات ، بالسنين المخصبة ، والسنين المجدبة ، ووجه المناسبة أن الملك ، به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها ، وبصلاحه تصلح ، وبفساده تفسد ، وكذلك السنون بها صلاح أحوال الرعية ، واستقامة أمر المعاش أو عدمه .

وأما البقر فإنها تحرث الأرض عليها ، ويستقى عليها الماء ، وإذا أخصبت السنة سمنت ، وإذا أجدبت صارت عجافا ، وكذلك السنابل في الخصب ، تكثر وتخضر ، وفي الجدب تقل وتيبس وهي أفضل غلال الأرض .

ومنها : ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث قصَّ على قومه هذه القصة الطويلة ، وهو لم يقرأ كتب الأولين ولا دارس أحدا .

يراه قومه بين أظهرهم صباحا ومساء ، وهو أمِّيٌّ لا يخط ولا يقرأ ، وهي موافقة ، لما في الكتب السابقة ، وما كان لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون .

ومنها : أنه ينبغي البعد عن أسباب الشر ، وكتمان ما تخشى مضرته ، لقول يعقوب ليوسف { يا بني لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا } ومنها : أنه يجوز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره لقوله : { فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا }

ومنها : أن نعمة الله على العبد ، نعمة على من يتعلق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه ، وأنه ربما شملتهم ، وحصل لهم ما حصل له بسببه ، كما قال يعقوب في تفسيره لرؤيا يوسف { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ } ولما تمت النعمة على يوسف ، حصل لآل يعقوب من العز والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف .

ومنها : أن العدل مطلوب في كل الأمور ، لا في معاملة السلطان رعيته ولا فيما دونه ، حتى في معاملة الوالد لأولاده ، في المحبة والإيثار وغيره ، وأن في الإخلال بذلك يختل عليه الأمر ، وتفسد الأحوال ، ولهذا ، لما قدم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته ، جرى منهم ما جرى على أنفسهم ، وعلى أبيهم وأخيهم .

ومنها : الحذر من شؤم الذنوب ، وأن الذنب الواحد يستتبع ذنوبا متعددة ، ولا يتم لفاعله إلا بعدة جرائم ، فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه ، احتالوا لذلك بأنواع من الحيل ، وكذبوا عدة مرات ، وزوروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه ، وفي إتيانهم عشاء يبكون ، ولا تستبعد أنه قد كثر البحث فيها في تلك المدة ، بل لعل ذلك اتصل إلى أن اجتمعوا بيوسف ، وكلما صار البحث ، حصل من الإخبار بالكذب ، والافتراء ، ما حصل ، وهذا شؤم الذنب ، وآثاره التابعة والسابقة واللاحقة .

ومنها : أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية ، لا بنقص البداية ، فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر ، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم ، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح ، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم ، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة ، وإذا سمح العبد عن حقه ، فالله خير الراحمين .

ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ } وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم ، ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف ، أنه رآهم كواكب نيرة ، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء ، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة .

ومنها : ما منَّ الله به على يوسف عليه الصلاة والسلام من العلم والحلم ، ومكارم الأخلاق ، والدعوة إلى الله وإلى دينه ، وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوا بادرهم به ، وتمم ذلك بأن لا يثرب عليهم ولا يعيرهم به .

ثم برُّه العظيم بأبويه ، وإحسانه لإخوته ، بل لعموم الخلق .

ومنها : أن بعض الشر أهون من بعض ، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما ، فإن إخوة يوسف ، لما اتفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضا ، وقال قائل منهم : { لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ } كان قوله أحسن منهم وأخف ، وبسببه خف عن إخوته الإثم الكبير .

ومنها : أن الشيء إذا تداولته الأيدي وصار من جملة الأموال ، ولم يعلم أنه كان على غير وجه الشرع ، أنه لا إثم على من باشره ببيع أو شراء ، أو خدمة أو انتفاع ، أو استعمال ، فإن يوسف عليه السلام باعه إخوته بيعا حراما لا يجوز ، ثم ذهبت به السيارة إلى مصر فباعوه بها ، وبقي عند سيده غلاما رقيقا ، وسماه الله شراء{[450]} ، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم .

ومنها : الحذر من الخلوة بالنساء التي يخشى منهن الفتنة ، والحذر أيضا من المحبة التي يخشى ضررها ، فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى ، بسبب توحّدها بيوسف ، وحبها الشديد له ، الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة ، ثم كذبت عليه ، فسجن بسببها مدة طويلة .

ومنها : أن الهمَّ الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله ، مما يقربه إلى الله زلفى ، لأن الهمّ داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء ، وهو طبيعة لأغلب الخلق ، فلما قابل بينه وبين محبة الله وخشيته ، غلبت محبة الله وخشيته داعي النفس والهوى . فكان ممن { خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ، أحدهم : " رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله " وإنما الهم الذي يلام عليه العبد ، الهم الذي يساكنه ، ويصير عزما ، ربما اقترن به الفعل .

ومنها : أن من دخل الإيمان قلبه ، وكان مخلصا لله في جميع أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه ، وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه لقوله . { وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } على قراءة من قرأها بكسر اللام ، ومن قرأها بالفتح ، فإنه من إخلاص الله إياه ، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه ، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله ، وخلصه من السوء والفحشاء .

ومنها : أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا فيه فتنة وأسباب معصية ، أن يفر منه ويهرب غاية ما يمكنه ، ليتمكن من التخلص من المعصية ، لأن يوسف عليه السلام -لما راودته التي هو في بيتها- فر هاربا ، يطلب الباب ليتخلص من شرها ، ومنها : أن القرائن يعمل بها عند الاشتباه ، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار ، فما يصلح للرجل فإنه للرجل ، وما يصلح للمرأة فهو لها ، إذا لم يكن بينة ، وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة ، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر ، من هذا الباب ، فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة ، وحكم بها في قد القميص ، واستدل بقدِّه من دبره على صدق يوسف وكذبها .

ومما يدل على هذه القاعدة ، أنه استدل بوجود الصُّواع في رحل أخيه على الحكم عليه بالسرقة ، من غير بينة شهادة ولا إقرار ، فعلى هذا إذا وجد المسروق في يد السارق ، خصوصا إذا كان معروفا بالسرقة ، فإنه يحكم عليه بالسرقة ، وهذا أبلغ من الشهادة ، وكذلك وجود الرجل يتقيأ الخمر ، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيد ، حاملا فإنه يقام بذلك الحد ، ما لم يقم مانع منه ، ولهذا سمى الله هذا الحاكم شاهدا فقال : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا }

ومنها : ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن ، . فإن جماله الظاهر ، أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب ، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لمنها على ذلك أن قطعن أيديهن وقلن { مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ } وأما جماله الباطن ، فهو العفة العظيمة عن المعصية ، مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها ، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته ، ولهذا قالت امرأة العزيز : { وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } وقالت بعد ذلك : { الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } وقالت النسوة : { حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ }

ومنها : أن يوسف عليه السلام اختار السجن على المعصية ، فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين - إما فعل معصية ، وإما عقوبة دنيوية - أن يختار العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة ، ولهذا من علامات الإيمان ، أن يكره العبد أن يعود في الكفر ، بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن يلقى في النار .

ومنها : أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله ، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية ، ويتبرأ من حوله وقوته ، لقول يوسف عليه السلام : { وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ }

ومنها : أن العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير ، وينهيانه عن الشر ، وأن الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس ، وإن كان معصية ضارا لصاحبه .

ومنها : أنه كما على العبد عبودية لله في الرخاء ، فعليه عبودية له في الشدة ، ف " يوسف " عليه السلام لم يزل يدعو إلى الله ، فلما دخل السجن ، استمر على ذلك ، ودعا الفتيين إلى التوحيد ، ونهاهما عن الشرك ، ومن فطنته عليه السلام أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته ، حيث ظنا فيه الظن الحسن وقالا له : { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما ، فرآهما متشوفين لتعبيرها عنده - رأى ذلك فرصة فانتهزها ، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما ليكون أنجح لمقصوده ، وأقرب لحصول مطلوبه ، وبين لهما أولا ، أن الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم ، إيمانه وتوحيده ، وتركه ملة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، وهذا دعاء لهما بالحال ، ثم دعاهما بالمقال ، وبين فساد الشرك وبرهن عليه ، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه .

ومنها : أنه يبدأ بالأهم فالأهم ، وأنه إذا سئل المفتي ، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله ، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته ، وحسن إرشاده وتعليمه ، فإن يوسف - لما سأله الفتيان عن الرؤيا - قدم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له .

ومنها : أن من وقع في مكروه وشدة ، لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه ، أو الإخبار بحاله ، وأن هذا لا يكون شكوى للمخلوق ، فإن هذا من الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض ، ولهذا قال يوسف للذي ظن أنه ناج من الفتيين : { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ }

ومنها : أنه ينبغي ويتأكد على المعلم استعمال الإخلاص التام في تعليمه وأن لا يجعل تعليمه وسيلة لمعاوضة أحد في مال أو جاه أو نفع ، وأن لا يمتنع من التعليم ، أو لا ينصح فيه ، إذا لم يفعل السائل ما كلفه به المعلم ، فإن يوسف عليه السلام قد قال ، ووصى أحد الفتيين أن يذكره عند ربه ، فلم يذكره ونسي ، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى ، وجاءه سائلا مستفتيا عن تلك الرؤيا ، فلم يعنفه يوسف ، ولا وبخه ، لتركه ذكره بل أجابه عن سؤاله جوابا تاما من كل وجه .

ومنها : أنه ينبغي للمسئول أن يدل السائل على أمر ينفعه مما يتعلق بسؤاله ، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه ، فإن هذا من كمال نصحه وفطنته ، وحسن إرشاده ، فإن يوسف عليه السلام لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك ، بل دلهم - مع ذلك - على ما يصنعون في تلك السنين المخصبات من كثرة الزرع ، وكثرة جبايته .

ومنها : أنه لا يلام الإنسان على السعي في دفع التهمة عن نفسه ، وطلب البراءة لها ، بل يحمد على ذلك ، كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن حتى تتبين لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، ومنها : فضيلة العلم ، علم الأحكام والشرع ، وعلم تعبير الرؤيا ، وعلم التدبير والتربية ؛ وأنه أفضل من الصورة الظاهرة ، ولو بلغت في الحسن جمال يوسف ، فإن يوسف - بسبب جماله - حصلت له تلك المحنة والسجن ، وبسبب علمه حصل له العز والرفعة والتمكين في الأرض ، فإن كل خير في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته .

ومنها : أن علم التعبير من العلوم الشرعية ، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه ، وأن تعبير المرائي داخل في الفتوى ، لقوله للفتيين : { قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } وقال الملك : { أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ } وقال الفتى ليوسف : { أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ } الآيات ، . فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم .

ومنها : أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل ، إذا كان في ذلك مصلحة ، ولم يقصد به العبد الرياء ، وسلم من الكذب ، لقول يوسف : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وكذلك لا تذم الولاية ، إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده ، وأنه لا بأس بطلبها ، إذا كان أعظم كفاءة من غيره ، وإنما الذي يذم ، إذا لم يكن فيه كفاية ، أو كان موجودا غيره مثله ، أو أعلى منه ، أو لم يرد بها إقامة أمر الله ، فبهذه الأمور ، ينهى عن طلبها ، والتعرض لها .

ومنها : أن الله واسع الجود والكرم ، يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة ، وأن خير الآخرة له سببان : الإيمان والتقوى ، وأنه خير من ثواب الدنيا وملكها ، وأن العبد ينبغي له أن يدعو نفسه ، ويشوقها لثواب الله ، ولا يدعها تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها ، وهي غير قادرة عليها ، بل يسليها بثواب الله الأخروي ، وفضله العظيم لقوله تعالى : { وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }

ومنها : أن جباية الأرزاق - إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضرر يلحقهم - لا بأس بها ، لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات ، للاستعداد للسنين المجدبة ، وأن هذا غير مناقض للتوكل على الله ، بل يتوكل العبد على الله ، ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه .

ومنها : حسن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض ، حتى كثرت عندهم الغلات جدا حتى صار أهل الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرة منها ، لعلمهم بوفورها فيها ، وحتى إنه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصة أو أقل ، لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله .

ومنها : مشروعية الضيافة ، وأنها من سنن المرسلين ، وإكرام الضيف لقول يوسف لإخوته { أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ }

ومنها : أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم ، فإن يعقوب قال لأولاده بعد ما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشد المعالجة ، ثم قال لهم بعد ما أتوه ، وزعموا أن الذئب أكله { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } وقال لهم في الأخ الآخر : { هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ } ثم لما احتبسه يوسف عنده ، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم : { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } فهم في الأخيرة - وإن لم يكونوا مفرطين - فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال ، من غير إثم عليه ولا حرج .

ومنها : أن استعمال الأسباب الدافعة للعين أوغيرها من المكاره ، أو الرافعة لها بعد نزولها ، غير ممنوع ، بل جائز ، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر ، فإن الأسباب أيضا من القضاء والقدر ، لأمر يعقوب حيث قال لبنيه : { يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ }

ومنها : جواز استعمال المكايد التي يتوصل بها إلى الحقوق ، وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يحمد عليه العبد ، وإنما الممنوع ، التحيل على إسقاط واجب ، أو فعل محرم .

ومنها : أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره ، بأمر لا يحب أن يطلع عليه ، أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب ، كما فعل يوسف حيث ألقى الصُّواع في رحل أخيه ، ثم استخرجها منه ، موهما أنه سارق ، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته ، وقال بعد ذلك : { مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ } ولم يقل " من سرق متاعنا " وكذلك لم يقل " إنا وجدنا متاعنا عنده " بل أتى بكلام عام يصلح له ولغيره ، وليس في ذلك محذور ، وإنما فيه إيهام أنه سارق ليحصل المقصود الحاضر ، وأنه يبقى عند أخيه{[451]} وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعد ما تبينت الحال .

ومنها : أنه لا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما علمه ، وتحققه إما بمشاهدة أو خبر من يثق به ، وتطمئن إليه النفس لقولهم : { وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا }

ومنها : هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب عليه السلام ، حيث قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف ، الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة ، ويحزنه ذلك أشد الحزن ، فحصل التفريق بينه وبينه مدة طويلة ، لا تقصر عن خمس عشرة سنة ، ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه في هذه المدة { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } ثم ازداد به الأمر شدة ، حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف ، هذا وهو صابر لأمر الله ، محتسب الأجر من الله ، قد وعد من نفسه الصبر الجميل ، ولا شك أنه وفى بما وعد به ، ولا ينافي ذلك ، قوله : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر ، وإنما الذي ينافيه ، الشكوى إلى المخلوقين .

ومنها : أن الفرج مع الكرب ؛ وأن مع العسر يسرا ، فإنه لما طال الحزن على يعقوب واشتد به إلى أنهى ما يكون ، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسهم الضر ، أذن الله حينئذ بالفرج ، فحصل التلاقي في أشد الأوقات إليه حاجة واضطرارا ، فتم بذلك الأجر وحصل السرور ، وعلم من ذلك أن الله يبتلي أولياءه بالشدة والرخاء ، والعسر واليسر ليمتحن صبرهم وشكرهم ، ويزداد - بذلك - إيمانهم ويقينهم وعرفانهم .

ومنها : جواز إخبار الإنسان بما يجد ، وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما ، على غير وجه التسخط ، لأن إخوة يوسف قالوا : { يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ } ولم ينكر عليهم يوسف .

ومنها : فضيلة التقوى والصبر ، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر ، وأن عاقبة أهلهما ، أحسن العواقب ، لقوله : { قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }

ومنها : أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة بعد شدة وفقر وسوء حال ، أن يعترف بنعمة الله عليه ، وأن لا يزال ذاكرا حاله الأولى ، ليحدث لذلك شكرا كلما ذكرها ، لقول يوسف عليه السلام : { وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ }

ومنها : لطف الله العظيم بيوسف ، حيث نقله في تلك الأحوال ، وأوصل إليه الشدائد والمحن ، ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات .

ومنها : أنه ينبغي للعبد أن يتملق إلى الله دائما في تثبيت إيمانه ، ويعمل الأسباب الموجبة لذلك ، ويسأل الله حسن الخاتمة ، وتمام النعمة لقول يوسف عليه الصلاة والسلام : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }

فهذا ما يسر الله من الفوائد والعبر في هذه القصة المباركة ، ولا بد أن يظهر للمتدبر المتفكر غير ذلك .

فنسأله تعالى علما نافعا وعملا متقبلا ، إنه جواد كريم .

تم تفسير سورة يوسف وأبيه وإخوته عليهم الصلاة والسلام ، والحمد لله رب العالمين .


[450]:- كذا في أ، وفي ب: سيدا، ويبدو والله أعلم أن مراد الشيخ - رحمه الله - أن الله قال: (وشروه) فسمى الله فعلهم شراء مع كونه حراما.
[451]:- لعل المراد والله أعلم: (وأن يبقى عنده أخوه).