{ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } .
الله تعالى بدأ خلق الكون كله قال تعالى : { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } . ( غافر : 57 ) .
والله تعالى يعيد هذا الكون بالبعث بعد الموت والإعادة أهون من البدء بالنسبة للمخاطبين وإلا فالله تعالى ليس عليه هين أهون ، فجميع الأمور في قبضته وتحت قدرته .
قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } . ( يس : 82-83 ) .
والمقصود من الآية التقريب بالنسبة لعقول المنكرين للبعث والإعادة ، فإن إعادة شيء من مادته الأولى أهون على الناس من إيجاده ابتداء .
إنه أهون عليه بالإضافة إلى أعمالكم ، وبالقياس إلى أقداركم وذهب بعض المفسرين إلى أن " أفعل التفضيل " على غير بابها فيكون معنى : { وهو أهون عليه } . وهو هين عليه .
{ وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } .
وله الوصف الأعلى الذي ليس لغيره ما يدانيه فيهما ، كالقدرة العامة والحكمة التامة ، فكل شيء بدءا وإعادة وإيجادا وإعداما عنده على حد سواء ، ولا مثل له ولا ند فهو منزه عن النظير والمثيل . { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } . ( الشورى : 11 ) .
{ وهو العزيز } . الغالب الذي لا يغلب ولا يغالب .
{ الحكيم } . في تدبير خلقه وتصريف شؤونه فيما أراد وفق الحكمة والسداد .
ثم أكد - سبحانه - ما يدل على إمكانية البعث ، فقال - تعالى - : { وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ . . . } .
أى : وهو - سبحانه - الذى يبدأ الخلق بدون مثال سابق ، ثم يعيد هذه المخلوقات بعد موتها إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء .
والضمير فى قوله : { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } للإِعادة المفهومة من قوله { ثُمَّ يُعِيدُهُ } والتذكير للضمير باعتبار المعنى ، أى : والعود أم الرد ، أو الإِرجاع أهون عليه .
أى : وهو - سبحانه - وحده الذى يخلق المخلوقات من العدم ، ثم يعيدها إلى الحياة مرة أخرى فى الوقت الذى يريده ، وهذه الإِعادة للأموات أهون عليه ، أى : أسهل عليه من البدء .
وهذه الأسهلية على طريقة التمثيل والتقريب ، بما هو معروف عند الناس من أن إعادة الشئ من مادته الأولى أسهل من ابتدائه .
ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد وضح هذا المعنى فقال : قوله : { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } أى : فيما يجب عندكم ، وينقاس على أصولكم ، ويقتضيه معقولكم لأن من أعاد منكم صنعة شئ كانت أسهل عليه من إنشائها ، وتعتذرون للصانع اذا خَطِئَ فى بعض ما ينشئه بقولكم : أول الغزل أخرق ، وتسمون الماهر فى صناعته معاودا ، تعنون أنه عاودها كرة بعد أخرى ، حتى مرن عليها وهانت عليه .
فإن قلت لم أخرت الصلة فى قوله : { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } وقدمت فى قوله { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } قلت . هناك قصد الاختصاص وهو محزه ، فقيل : هو عليه هين ، وأن كان مستصعبا عندكم أن يولد بين هِملّ . أى : شيخ فان - وعاقر . وأما هنا فلا معنى للاختصاص ، كيف والأمر مبنى على ما يعقلون ، من أن الإِعادة أسهل من الابتداء ، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى .
ومنهم من يرى أن أهون هنا بمعنى هين ، إرجاعكم إلى الحياة بعد موتكم هين عليه . والعرب تجعل أفعل بمعنى فاعل فى كثير من كلامهم ، ومنه قول الشاعر :
إن الذى سمك السماء بنى لنا . . . بيتا دعائمه أعز وأطول
أى : بنى لنا بيتا دعائمه عزيزة طويلة منه قولهم : الله أكبر أى : كبير .
وقوله - تعالى - : { وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض . . } أى : وله - سبحانه - الوصف الأعلى الذى ليس لغيره مثله ، لا فى السماوات ولا فى الأرض ، إذ لا يشاركه أحد فى ذاته و صفاته فهو - سبحانه - ليس كمثله شئ .
{ وَهُوَ العزيز } الذى يَغلب ولا يُغلب { الحكيم } فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته
قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الله الذي تجلت قدرته فيما بيناه من الآيات والدلالات والحجج لهو الذي يبدأ الخلق من العدم ثم يعيده يوم البعث للحساب { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } أي بعثُ الخلق يوم القيامة هين على الله فهو سبحانه المبدئ والمعيد . وهو لا يعز عليه أن يعيد الحياة إلى الخلائق يوم القيامة . وقيل : أهون على ما يقوله بعضكم لبعض ؛ لأنه لا شيء أهون على الله من شيء بل كل شيء على الله هين ويسير .
قوله : { وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } { الْمَثَلُ الْأَعْلَى } شهادة أن لا إله إلا الله . وقيل : المثل الأعلى يعني وصفه الأعلى ؛ فالله سبحانه له الوصف بالوحدانية في السماوات والأرض ؛ فهو خالقهما ومبدعهما من غير شريك له في ذلك ولا نديد .
قوله : { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الله جل جلاله القوي الذي لا يغالَب ، الجبار الذي لا يقهر . وهو سبحانه الحكيم في أقواله وأفعاله ، وفي خلقه وتدبيره وتصريفه للأمور .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.