إلا المودة في القربى : لكنني حريص على تبليغ الرسالة لكم لأنكم أهلي وقرابتي ، وآمل في إيمانكم ، وفي أن تودوني لقرابتي فيكم ، فتكفوا عني أذاكم ، وتمنعوا عني أذى غيركم .
23- { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } .
في الآية السابقة قارن الله بين عقوبة الظالمين وبين الفصل الكبير للصالحين في روضات الجنات ، وهنا يقول : ذلك الفضل الكبير هو الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، حيث يعجل لهم البشرى والأخبار السارة بمنازلهم في الجنة .
ثم يلقن الله تعالى رسوله بأن يتودد إلى قومه من قريش ، حيث لم تكن قبيلة من قبائل قريش إلا وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبينها نسب وقرابة ، فهو يقول لهم : لا أريد منكم أجرا على تبليغ الرسالة ، لكنني حريص على إيمانكم بسبب ما بيني وبينكم من قرابة ، فإذا لم تؤمنوا بي كرسول فكفوا أذاكم عني وحافظوا علي حتى أؤدي رسالة الله ، بسبب ما بيني وبينكم من قرابة .
وقد أورد ابن كثير طائفة كبيرة من الأحاديث عند تفسيره لهذه الآية ، وذكر عدة آراء ، كذلك ذكر الطبري وأبو السعود وغيرهما .
( أ ) معناها : إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم مثل : علي وفاطمة وولديهما .
( ب ) لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا إلا التقرب والتودد إلى الله تعالى بالعمل الصالح .
( ج ) الرأي الثالث - وهو الذي رجحه الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن - وهو أنه صلى الله عليه وسلم لا يطلب منهم أجرا ، إنما تدفعه المودة للقربى ، وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة بكل بطن من بطون قريش ، ليحاول هدايتهم بما معه من الهدى ، ويحقق الخير لهم إرضاء لتلك المودة التي يحملها لهم ، وهذا أجره وكفى .
روى البخاري بسنده ، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : { إلا المودة في القربى . . . } فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد . فقال ابن عباس : عجلت ، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من بطون قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة .
وعند التأمل نجد أن القرآن لوَّن في أساليب الدعوة إلى الهدى ، ومن بينها آصرة الأخوة الإنسانية تارة ، والرغبة في مشاركة الناس في الخير الذي يحمله الرسول في دعوته تارة ، فلا يستبعد هنا أن يطلب الرسول منهم أن يكفوا أذاهم عنه مراعاة للقرابة ، وأن يسمعوا ويلينوا لما يحمله محمد صلى الله عليه وسلم من أسباب الهداية ، فيكون هذا هو الأجر الذي يطلبه منهم لا سواه .
{ ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا . . . }
ومن يعمل عملا صالحا ، ويتزود بطاعة من الطاعات نضاعف له الثواب ، ونزيد الحسنة إلى عشر أمثالها وإلى سبعمائة ضعف ، ومن الحسنات المودة في القربى ، وروى أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه لشدة محبته لأهل البيت .
{ إن الله غفور . . . } واسع المغفرة عظيم الستر على عيوب عباده .
{ شكور } . عظيم الشكر لمن أطاعه ، حيث يوفيه حقه من الجزاء العظيم ويضاعف ثوابه ، ألا ما أجلَّ فضل الله ، إنه صاحب النعم وصاحب التوفيق والهداية ، وصاحب المغفرة والشكر ، فيا للفضل الذي يعجز الإنسان عن متابعته ، فضلا على شكره وتوفيته .
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - : { ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } .
أى : ذلك الفضل الكبير ، هو البشارة العظمى ؛ والعطاء الجزيل ، الذى يمنحه الله - تعالى - يوم القيامة لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
قال الآلوسى قوله : { ذَلِكَ } أى : الفضل الكبير ، أو الثواب المفهوم من السياق ، هو { الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أى : يبشر به فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول ، كما هو عادتهم فى التدريج فى الحذف ولا مانع من حذفهما دفعة .
وجوز كون { ذَلِكَ } إشارة إلى التبشير المفهوم من " يبشر " . أى : ذلك التبشير يبشره الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم - أن يؤكد لأولئك المشركين من قومه ، أنه لا يسألهم أجرا على دعوته ، وإنما يسألهم المودة والمعاملة الحسنة لقرابته منهم فقال : { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى } .
والضمير المجرور فى { عَلَيْهِ } يعود إلى التبليغ والتبشير والإِنذار الذى يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - معهم { القربى } مصدر كالقرابة والخطاب لكفار قريش .
وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال : أولها : أن المراد بالقربى : الصلة والقرابة التى تربط بين الرسول وبين كفار قريش .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إنى لا اسألكم على التبليغ أجرا ، لكن أسألكم أن تودونى لقرابتى فيكم ، فتكفوا عنى أذاكم ، وتمنعوا عنى أذى غيركم ، وتستجيبوا لدعوتى ، فإن صلة القرابة والرحم التى بينى وبينكم توجب عليكم ذلك .
فالقربى هنا : بمعنى القرابة وصلة الرحم . و { فِي } للسببية بمعنى لام التعليل كما جاء فى الحديث الشريف : " دخلت امرأة النار فى هرة " .
ولا شك أن منع أذاهم عنه - صلى الله عليه وسلم - بسبب قرابته فيهم ليس أجرا .
وثانيها : أن المراد بالقربى : هنا : أقاربه وعشيرته وعترته فيكون المعنى لا أسألكم أجرا على دعوتى لكم إلى الخير والحق ، ولكن أسألكم أن تحفظونى فى قرابتى وأهل بيتى ، بأن تحسنوا إليهم ولا تؤذوهم بأى نوع من الأذى .
ولا شك - أيضا - أن إحسانهم إلى أقاربه ، ليس أجرا منهم له على ذلك لأن الإِحسان إلى الناس ، شئ قررته جميع الشرائع وتقتضيه مكارم الأخلاق .
وثالثها : أن المراد بالقربى هنا : التقرب إلى الله - تعالى - بالإِيمان والعمل الصالح .
أى : لا أسألكم على التبليغ أجرا ، ولكن أسألكم أن تتقربوا إلى الله - تعالى - بما يرضيه بأن تتركوا الكفر والفسوق والعصيان ، وتدخلوا فى الإِيمان والطاعة لله - تعالى - .
وهذا الذى طلبه منهم ، ليس أجرا على التبليغ ، لأن التقرب إلى الله بالطاعات فرض عليهم . وقد رجح العلماء القول الأول ، واستدلوا على هذا الترجيح بأحاديث منها : ما رواه البخارى عن ابن عباس أن سئل عن معنى قوله - تعالى - { إِلاَّ المودة فِي القربى } ، فقال سعيد بن جبير : " قربى آل محمد " فقال ابن عباس : عَجِلت . إن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة . فقال : إلا أن تصلوا ما بينى وبينكم من القرابة .
وقال ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث وغيره ، وبهذا الرأى قال مجاهد وعكرمة ، وقتادة ، والسدى ، وأبو مالك ، وعبد الرحمن بن زيد ، وغيرهم .
وقال الإِمام ابن جرير - بعد أن ساق هذه الأقوال فى ذلك بالصواب ، وأشببها بظاهر التنزيل ، قول من قال معناه : لا أسألكم عليه أجرا يا معشر قريش ، إلا أن تودونى فى قرابتى منكم ، وتصلوا الرحم حتى بينى وبينكم .
وإنما قلت هذا التأويل أولى بتأويل الآية ، لدخول { فِي } فى قوله : { إِلاَّ المودة فِي القربى } .
ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال إلا أن تودوا قرابتى ، أو تتقربوا إلى الله ، لم يكن لدخول { فِي } فى الكلام فى هذا الموضع وجه معروف ولكان التنزيل إلا مودة القربى ، إن عنى به الأمر بمودة قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو إلا المودة بالقربى إن عنى به الأمر بالتودد والتقرب إلى الله - تعالى - .
وفى دخول { فِي } فى الكلام أوضح الدليل على أن معناه إلا مودتى فى قرابتى منكم .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال : { وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ } .
وقوله { يَقْتَرِفْ } من القرف بفتح إلى الله تعالى ، نضاعف له - بفضلنا وإحساننا - ثوابها ، إن الله تعالى واسع المغفرة لعباده . كثير الشكر للطائعين بأن يعطيهم من فضله أكثر مما يستحقون ويرجون .
قوله تعالى : { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ( 23 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .
يبشر الله عباده المؤمنين الصالحين بالنعيم المقيم في روضات الجنات . وهو قوله : { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } والإشارة عائدة إلى الفضل الكبير . وثمة حذف . والتقدير هو : ذلك الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ؛ فقد عجَّل الله لهم البشرى ليتعجلوا السرور ويزدادوا رغبة في الطاعة وعمل الصالحات .
قوله : { قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } قال ابن عباس : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يديه لذلك سعة فقال الأنصار : إن هذا الرجل قد هداكم الله تعالى به وهو ابن أختكم وتنوبه نوائب وحقوق وليس في يده لذلك سعة ، فاجمعوا له من أموالكم ما لا يضرُّكم ففعلوا ثم أتوا به فقالوا : يا رسول الله إنك ابن أختنا وقد هدانا الله تعالى على يديك وتنوبك نوائب وحقوق ، وليست لك عندنا سعة فرأينا أن نجمع لك من أموالنا فنأتيك به فتستعين على ما ينوبك وهو هذا فنزلت هذه الآية .
وقيل : اجتمع المشركون ف مجمع لهم ، فقال بعضهم لبعض : أترون محمدا صلى الله عليه وسلم يسأل على ما يتعاطاه أجرا . فأنزل الله تعالى هذه الآية{[4101]} { قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لقريش : لا أسألكم على دعائي لكم وتبليغي إياكم رسالة الله أجرا أو جعلا . والجعل بالضم ، هو ما جُعل للإنسان من شيء على فعل . وكذا الجعالة . {[4102]}
قوله : { إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } { المودّة } منصوب على الاستثناء من غير الجنس{[4103]} والمعنى : إلا أن تودوني لقرابتي منكم فتحفظوني . قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط الناس في قريش . فليس بطن من بطونهم إلا قد ولده . فقال الله له : { قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } أي لا أسألكم ثوابا ولا نفعا إلا أن تودوني في قرابتي منكم فتراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني . والمراد بالقربى هنا ، قرابة الرحم . فكأنه قال لقريش : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة وتذكِّرنا هذه الآية بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجوب حبهم وإكرامهم وعدم الإساءة إليهم بقول أو فعل . وأيما إساءة من ذلك على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الأبرار الأطهار ، فإنها ( الإساءة ) عصيان وخطيئة . وأهل بيته عليه الصلاة والسلام من ذرية طاهرة فُضْلى بل إن هذا البيت المصون الطهور لهو أشرف بيت على وجه الأرض ، ولاسيما إن كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة ، ملتزمين شرع الله وأحكام دينه الحنيف .
قوله : { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } { يَقْتَرِفْ } من الاقتراف وهو الاكتساب . يعني ومن يكتسب حسنة ، وهو أن يعمل عملا فيه طاعة لله { نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } أي نضاعف له الحسنة بعشر أمثالها فأكثر { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } غفور لذنوب عباده ، شكور لحسناتهم وطاعاتهم .