الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{۞يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} (219)

{ يسألونك عن الخمر والميسر } نزلت في عمر ومعاذ وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزل قوله عز وجل { يسألونك عن الخمر } وهو كل مسكر مخالط للعقل مغط عليه { والميسر } القمار { قل فيهما إثم كبير } يعني الإثم بسببهما لما فيهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور وغير ذلك { ومنافع للناس } ما كانوا يصيبونه من المال في بيع الخمر والتجارة فيها واللذة عند شربها ومنفعة الميسر ما يصاب من القمار ويرتفق به الفقراء ثم بين أن ما يحصل بسببهما من الإثم أكبر من نفعهما فقال { وإثمهما أكبر من نفعهما } وليست هذه الآية المحرمة للخمر والميسر إنما المحرمة التي في سورة المائدة وهذه الآية نزلت قبل تحريمها { ويسألونك ماذا ينفقون } نزلت في سؤال عمرو بن الجموح لما نزل قوله { فللوالدين والأقربين } في سؤاله أعاد السؤال وسأل عن مقدار ما ينفق فنزل قوله { قل العفو } أي ما فضل من المال عن العيال وكان الرجل بعد نزول هذه الآية يأخذ من كسبه ما يكفيه وينفق باقيه إلى أن فرضت الزكاة فنسخت آية الزكاة التي في براءة هذه الآية وكل صدقة أمروا بها قبل الزكاة { كذلك } أي كبيانه في الخمر والميسر أو في الإ نفاق { يبين الله لكم الآيات } لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة فتعرفوا فضل الآخرة على الدنيا

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} (219)

قوله تعالى : " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " فيه تسع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " يسألونك " السائلون هم المؤمنون ، كما تقدم . والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة . وكل شيء غطى شيئا فقد خمره ، ومنه " خمروا آنيتكم " فالخمر تخمر العقل ، أي تغطيه وتستره ، ومن ذلك الشجر الملتف يقال له : الخمر ( بفتح الميم لأنه يغطي ما تحته ويستره ، يقال منه : أخمرت الأرض كثر خمرها ، قال الشاعر :

ألا يا زيد والضحاكَ سيرا *** فقد جاوزتما خمر الطريق

أي سيرا مُدِلِّينَ فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره . وقال العجاج يصف جيشا يمشي برايات وجيوش غير مستخف :

في لامعِ العِقْبَانِ{[1940]} لا يمشي الخَمَرْ *** يُوجِّهُ الأرضَ ويَسْتَاقُ الشَّجَرْ

ومنه قولهم : دخل في غمار الناس وخمارهم ، أي هو في مكان خاف . فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك وقيل : إنما سميت الخمر خمرا ؛ لأنها تركت حتى أدركت ، كما يقال : قد اختمر العجين ، أي بلغ إدراكه . وخمر الرأي ، أي ترك حتى يتبين فيه الوجه . وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل ، من المخامرة وهي المخالطة ، ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس ، أي اختلطت بهم . فالمعاني الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل ، ثم خمرته ، والأصل الستر .

والخمر : ماء العنب الذي غلى أو طبخ ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه ؛ لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام . وإنما ذكر الميسر من بينه فجعل كله قياسا على الميسر ، والميسر إنما كان قمارا في الجزر خاصة ، فكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلتها .

الثانية : والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره ، والحد في ذلك واجب . وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال{[1941]} ، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه ، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر ، على ما يأتي بيانه في " المائدة والنحل " {[1942]} إن شاء الله تعالى .

الثالثة : قال بعض المفسرين : إن الله تعالى لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة ، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة ، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة ، فكذلك تحريم الخمر . وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر ، ثم بعده : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " [ النساء : 43 ] ثم قوله : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون " [ المائدة : 91 ] ثم قوله : " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " [ المائدة : 90 ] على ما يأتي بيانه في " المائدة " .

الرابعة : قوله تعالى : " والميسر " الميسر : قمار العرب بالأزلام . قال ابن عباس : ( كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله ) فنزلت الآية . وقال مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن وابن المسيب وعطاء وقتادة ومعاوية بن صالح وطاوس وعلي بن أبى طالب رضي الله عنه وابن عباس أيضا : ( كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب{[1943]} ، إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق ) ، على ما يأتي . وقال مالك : الميسر ميسران : ميسر اللهو ، وميسر القمار ، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها . وميسر القمار : ما يتخاطر الناس عليه . قال علي بن أبي طالب : الشطرنج ميسر العجم . وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء . وسيأتي في " يونس " {[1944]} زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى .

والميسر مأخوذ من اليسر ، وهو وجوب الشيء لصاحبه ، يقال : يسر لي كذا إذا وجب فهو ييسر يسرا وميسرا . والياسر : اللاعب بالقداح ، وقد يسر ييسر ، قال الشاعر :

فَأَعِنْهُمُ وايْسِرْ بما يَسَرُوا به *** وإذا هم نزلوا بِضَنْكٍ فانْزِلِ

وقال الأزهري : الميسر : الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ، سمي ميسرا لأنه يجزأ أجزاء ، فكأنه موضع التجزئة ، وكل شيء جزأته فقد يسرته . والياسر : الجازر ، لأنه يجزئ لحم الجزور . قال : وهذا الأصل في الياسر ، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : ياسرون ، لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك . وفي الصحاح : ويسر القوم الجزور أي اجتزروها واقتسموا أعضاءها . قال سحيم بن وثيل اليربوعي :

أقول لهم بالشِّعْبِ إذ يَيْسِرُونَنِي *** ألم تيأسوا أنِّي ابن فارسِ زَهْدَمِ{[1945]}

كان قد وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام . ويقال : يسر القوم إذا قامروا . ورجل يسر وياسر بمعنى . والجمع أيسار ، قال النابغة :

أنّى أتمِّمُ أيساري وأمنحُهم *** مَثْنَى الأيادي{[1946]} وأكسُو الجَفْنَةَ الأَدَمَا

وقال طرفة :

وهم أيسارُ لقمانَ إذا *** أغْلَتِ الشَّتْوَةُ{[1947]} أبداءَ الجُزُرْ

وكان من تطوع بنحرها ممدوحا عندهم ، قال الشاعر :

وناجية نحرتُ لقوم صدقٍ *** وما ناديت أيسارَ الجَزُورِ

الخامسة : روى مالك في الموطأ عن داود بن حصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين ، وهذا محمول عند مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد ، حيوانه بلحمه ، وهو عنده من باب المزابنة{[1948]} والغرر{[1949]} والقمار ؛ لأنه لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر ، وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا ، فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده إذا كانا من جنس واحد ، والجنس الواحد عنده الإبل والبقر والغنم والظباء والوعول وسائر الوحوش ، وذوات الأربع المأكولات كلها عنده جنس واحد ، لا يجوز بيع شيء من حيوان هذا الصنف والجنس كله بشيء واحد من لحمه بوجه من الوجوه ؛ لأنه عنده من باب المزابنة ، كبيع الزبيب بالعنب والزيتون بالزيت والشيرج بالسمسم ، ونحو ذلك . والطير عنده كله جنس واحد ، وكذلك الحيتان من سمك وغيره . وروي عنه أن الجراد وحده صنف . وقال الشافعي وأصحابه والليث بن سعد : لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على حال من الأحوال من جنس واحد كان أم من جنسين مختلفين ، على عموم الحديث . وروي عن ابن عباس ( أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فقسمت على عشرة أجزاء ، فقال رجل : أعطوني جزءا منها بشاة ، فقال أبو بكر : لا يصلح هذا ) . قال الشافعي : ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة . قال أبو عمر : قد روي عن ابن عباس ( أنه أجاز بيع الشاة باللحم ، وليس بالقوي ) . وذكر عبدالرزاق عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كره أن يباع حي بميت ، يعني الشاة المذبوحة بالقائمة . قال سفيان : ونحن لا نرى به بأسا . قال المزني : إن لم يصح الحديث في بيع الحيوان باللحم فالقياس أنه جائز ، وإن صح بطل القياس واتبع الأثر . قال أبو عمر : وللكوفيين في أنه جائز بيع اللحم بالحيوان حجج كثيرة من جهة القياس والاعتبار ، إلا أنه إذا صح الأثر بطل القياس والنظر . وروى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم . قال أبو عمر : ولا أعلمه يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت ، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب على ما ذكره مالك في موطئه ، وإليه ذهب الشافعي ، وأصله أنه لا يقبل المراسيل إلا أنه زعم أنه افتقد مراسيل سعيد فوجدها أو أكثرها صحاحا . فكره بيع أنواع الحيوان بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومه ؛ لأنه لم يأت أثر يخصه ولا إجماع . ولا يجوز عنده أن يخص النص بالقياس . والحيوان عنده اسم لكل ما يعيش في البر والماء وإن اختلفت أجناسه ، كالطعام الذي هو اسم لكل مأكول أو مشروب ، فأعلم .

السادسة : قوله تعالى : " قل فيهما " يعني الخمر والميسر " إثم كبير " إثم الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور ، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه ، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله ، إلى غير ذلك . روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته امرأة غوية ، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة ، فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة ، ولكن دعوتك لتقع علي ، أو تشرب من هذه الخمر كأسا ، أو تقتل هذا الغلام . قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا ، فسقته كأسا . قال : زيدوني ، فلم يرم{[1950]} حتى وقع عليها ، وقتل النفس ، فاجتنبوا الخمر ، فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر ، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه ، وذكره أبو عمر في الاستيعاب . وروي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدا صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لا تصل إليه ، فإنه يأمرك بالصلاة ، فقال : إن خدمة الرب واجبة . فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء . فقال : اصطناع المعروف واجب . فقيل له : إنه ينهى عن الزنى . فقال : هو فحش وقبيح في العقل ، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه . فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر . فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه ! فرجع ، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه ، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات . وكان قيس بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه ، وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة{[1951]} ابنته وهو سكران ، وسب أبويه ، ورأى القمر فتكلم بشيء ، وأعطى الخمار كثيرا من ماله ، فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه ، وفيها يقول :

رأيت الخمر صالحة وفيها *** خصال تُفْسِد الرجل الحليما

فلا والله أشربها صحيحاً *** ولا أشفَى بها أبدا سقيما

ولا أعطي بها ثمنا حياتي *** ولا أدعو لها أبدا نديما

فإن الخمر تفضح شاربيها *** وتجنيهم بها الأمر العظيما

قال أبو عمر : وروى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي أن هذه الأبيات لأبي محجن الثقفي قالها في تركه الخمر ، وهو القائل رضي الله عنه :

إذا مت فادفني إلى جنب كَرْمَةٍ *** تروي عظامي بعد موتي عُرُوقُهَا

ولا تدفنَنِّي بالفلاة فإنني *** أخاف إذا ما مت أن لا أذوقُها{[1952]}

وجلده عمر الحد عليها مرارا ، ونفاه إلى جزيرة في البحر ، فلحق بسعد فكتب إليه عمر أن يحبسه فحبسه ، وكان أحد الشجعان البهم{[1953]} ، فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروف حل قيوده وقال : لا نجلدك على الخمر أبدا . قال أبو محجن : وأنا والله لا أشربها أبدا ، فلم يشربها بعد ذلك . وفي رواية : قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها{[1954]} ، وأما إذ بهرجتني{[1955]} فوالله لا أشربها أبدا . وذكر الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر أبي محجن بأذربيجان ، أو قال : في نواحي جرجان ، وقد نبتت عليه ثلاث أصول كرم وقد طالت وأثمرت ، وهي معروشة على قبره ، ومكتوب على القبر " هذا قبر أبي محجن " قال : فجعلت أتعجب وأذكر قوله :

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة

ثم إن الشارب يصير ضُحْكَة للعقلاء ، فيلعب ببوله وعذرته ، وربما يمسح وجهه ، حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول : اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له : أكرمك الله .

وأما القمار فيورث العداوة والبغضاء ، لأنه أكل مال الغير بالباطل .

السابعة : قوله تعالى : " ومنافع للناس " أما في الخمر فربح التجارة ، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح ، وكانوا لا يرون المماسكة فيها ، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي . هذا أصح ما قيل في منفعتها ، وقد قيل في منافعها : إنها تهضم الطعام ، وتقوي الضعف ، وتعين على الباه ، وتسخي البخيل ، وتشجع الجبان ، وتصفي اللون ، إلى غير ذلك من اللذة بها . وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :

ونشربها فتتركنا ملوكا *** وأُسْداً ما يُنَهْنِهُنَا{[1956]} اللقاء

إلى غير ذلك من أفراحها . وقال آخر{[1957]} :

فإذا شربت فإنني *** ربُّ الخَورْنَقِ والسَّدِيرِ

وإذا صحوت فإنني *** رب الشُّويْهَةِ والبعير

ومنفعة الميسر مصير الشيء إلى الإنسان في القمار بغير كد ولا تعب ، فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم ، فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء ، ومن بقي سهمه آخر كان عليه ثمن الجزور كله ولا يكون له من اللحم شيء . وقيل : منفعته التوسعة على المحاويج ، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين .

وسهام الميسر أحد عشر سهما ، منها سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدد الحظوظ ، وهي : " الفذ " وفيه علامة واحدة له نصيب وعليه نصيب إن خاب . الثاني : " التوأم " وفيه علامتان وله وعليه نصيبان . الثالث : " الرقيب " وفيه ثلاث علامات على ما ذكرنا . الرابع : " حِلْس " وله أربع . الخامس : " النافز " والنافس أيضا وله خمس . السادس : " المُسْبِل " وله ست . السابع : " المُعَلَّى " وله سبع . فذلك ثمانية وعشرون فرضا ، وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعي . وبقي من السهام أربعة ، وهي الأغفال لا فروض لها ولا أنصباء ، وهي : " المصدر " و " المضعف " و " المنيح " و " السفيح " . وقيل : الباقية الأغفال الثلاثة : " السفيح " و " المنيح " و " الوغد " تزاد هذه الثلاثة لتكثر السهام على الذي يجيلها{[1958]} فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا . ويسمى المجيلُ المفيضَ{[1959]} والضارب والضريب والجمع الضُّرُبَاء . وقيل : يجعل خلفه رقيب لئلا يحابي أحدا ، ثم يجثو الضريب على ركبتيه ، ويلتحف بثوب ويخرج رأسه ويدخل يده في الربابة{[1960]} فيخرج . وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه السهام في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء ، يشترى الجزور ويضمن الأيسار ثمنها ويرضي صاحبها من حقه ، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ذلك منهم ، ويسمونه " البرم " قال متمم بن نويرة :

ولا بَرَماً تَهْدِي النساء لعُرْسِه *** إذا القَشْعُ من بَرْدِ الشتاء تقعقعا{[1961]}

ثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام . قال ابن عطية : وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور ، فذكر أنها على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرون قسما ، وليس كذلك ، ثم يضرب على العشرة فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدما أخذ أنصباءه وأعطاها الفقراء . والربابة ( بكسر الراء ) : شبيهة بالكنانة تجمع فيها سهام الميسر ، وربما سموا جميع السهام ربابة ، قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه :

وكأنهن رِبابةٌ وكأنه *** يَسَرٌ يُفيض على القداح ويصدع{[1962]}

والربابة أيضا : العهد والميثاق ، قال الشاعر{[1963]} :

وكنت امرأً أفضت إليك رِبَابتِي *** وقبلك رَبَّتْنِي فضِعتُ رُبُوبُ{[1964]}

وفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه ، كما تقدم . ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي ، ومنه قول الأعشى :

المطعمو الضيفَ إذا ما شَتَوْا *** والجاعلو القوتَ على اليَاسِرِ

ومنه قول الآخر{[1965]} :

بأيديهُم مقْرُومَةٌ{[1966]} ومغالقٌ *** يعود بأرزاق العُفَاةِ{[1967]} مَنِيحُهَا

و " المنيح " في هذا البيت المستمنح ، لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذي قد امَّلس وكثر فوزه ، فذلك المنيح الممدوح . وأما المنيح الذي هو أحد الأغفال فذلك إنما يوصف بالكر ، وإياه أراد الأخطل{[1968]} بقوله :

ولقد عَطَفْنَ على فَزَارَةَ عَطْفَةً *** كرَّ المَنِيحِ وجُلن ثم مَجَالاَ

وفي الصحاح : " والمنيح سهم من سهام الميسر مما لا نصيب له إلا أن يمنح صاحبه شيئا " . ومن الميسر قول لبيد{[1969]} :

إذا يَسَرُوا لم يورث اليسر بينهم *** فواحشَ ينعى ذكرُها بالمَصَايِفِ

فهذا كله نفع الميسر ، إلا أنه أكل المال بالباطل .

الثامنة : قوله تعالى : " وإثمهما أكبر من نفعهما " أعلم الله جل وعز أن الإثم أكبر من النفع ، وأعود بالضرر في الآخرة ، فالإثم الكبير بعد التحريم ، والمنافع قبل التحريم . وقرأ حمزة والكسائي " كثير " بالثاء المثلثة ، وحجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة : بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها . وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام . و " كثير " بالثاء المثلثة يعطي ذلك . وقرأ باقي القراء وجمهور الناس " كبير " بالباء الموحدة ، وحجتهم أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر ، فوصفه بالكبير أليق . وأيضا فاتفاقهم على " أكبر " حجة ل " كبير " بالباء بواحدة . وأجمعوا على رفض " أكثر " بالثاء المثلثة ، إلا في مصحف عبدالله بن مسعود فإن فيه " قل فيهما إثم كثير " " وإثمهما أكثر " بالثاء مثلثة في الحرفين .

التاسعة : قال قوم من أهل النظر : حرمت الخمر بهذه الآية ، لأن الله تعالى قد قال : " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم " {[1970]} فأخبر في هذه الآية أن فيها إثما فهو حرام . قال ابن عطية : ليس هذا النظر بجيد ؛ لأن الإثم الذي فيها هو الحرام ، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر .

قلت : وقال بعضهم : في هذه الآية ما دل على تحريم الخمر لأنه سماه إثما ، وقد حرم الإثم في آية أخرى ، وهو قوله عز وجل : " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم " وقال بعضهم : الإثم أراد به الخمر ، بدليل قول الشاعر :

شربت الإثمَ حتى ضل عقلي *** كذاك الإثم يذهب بالعقول

قلت : وهذا أيضا ليس بجيد ، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية ، وإنما قال : " قل فيهما إثم كبير " ولم يقل : قل هما إثم كبير . وأما آية " الأعراف " وبيت الشعر فيأتي الكلام فيهما هناك مبينا ، إن شاء الله تعالى . وقد قال قتادة : إنما في هذه الآية ذم الخمر ، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية " المائدة " وعلى هذا أكثر المفسرين .

قوله تعالى : " ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون " فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " قل العفو " قراءة الجمهور بالنصب . وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع . واختلف فيه عن ابن كثير . وبالرفع قراءة الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق . قال النحاس وغيره : إن جعلت " ذا " بمعنى الذي كان الاختيار الرفع ، على معنى : الذي ينفقون هو العفو ، وجاز النصب . وإن جعلت " ما " و " ذا " شيئا واحدا كان الاختيار النصب ، على معنى : قل ينفقون العفو ، وجاز الرفع . وحكى النحويون : ماذا تعلمت : أنحوا أم شعرا ؟ بالنصب والرفع ، على أنهما جيدان حسنان ، إلا أن التفسير في الآية على النصب .

الثانية : قال العلماء : لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى : " ويسألونك ماذا ينفقون " سؤالا عن النفقة إلى من تصرف ، كما بيناه ودل عليه الجواب ، والجواب خرج على وفق السؤال ، كان السؤال الثاني في هذه الآية عن قدر الإنفاق ، وهو في شأن عمرو بن الجموح - كما تقدم - فإنه لما نزل " قل ما أنفقتم من خير فللوالدين " [ البقرة : 215 ] قال : كم أنفق ؟ فنزل : " قل العفو " والعفو : ما سهل وتيسر وفضل ، ولم يشق على القلب إخراجه ، ومنه قول الشاعر :

خذي العفو مني تستديمي مودتي *** ولا تنطقي في سَوْرَتِي حين أغضب

فالمعنى : أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة ، هذا أولى ما قيل في تأويل الآية ، وهو معنى قول الحسن وقتادة وعطاء والسدي والقرظي محمد بن كعب وابن أبي ليلى وغيرهم ، قالوا : ( العفو ما فضل عن العيال ) ، ونحوه عن ابن عباس وقال مجاهد : صدقة عن ظهر{[1971]} غنى وكذا قال عليه السلام : ( خير الصدقة ما أنفقت عن غنى ) وفي حديث آخر : ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) . وقال قيس بن سعد : هذه الزكاة المفروضة . وقال جمهور العلماء : بل هي نفقات التطوع . وقيل : هي منسوخة . وقال الكلبي : كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره ، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوما وتصدق بالباقي ، حتى نزلت آيه الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها . وقال قوم : هي محكمة ، وفي المال حق سوى الزكاة . والظاهر يدل على القول الأول .

الثالثة : قوله تعالى : " كذلك يبين الله لكم الآيات " قال المفضل بن سلمة : أي في أمر النفقة . " لعلكم تتفكرون " فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها ، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها .


[1940]:- العقبان (جمع عقاب): الرايات. وقوله: "بوجه الأرض" أي لا يمرّ بشيء إلا جعله جهة واحدة؛ فيكون وجهه مع وجهه حيث يذهب. وقوله: "يستاق الشجر" أي يمر بالرمث (مرعى من مراعي الإبل) والعرفج وسائر الشجر فيستاقه معه، يذهب به من كثرته. وفي ب"العقيان" بالياء، وقال: العقيان الخالص من الذهب ويقال: هو ما ينبت نباتا وليس مما يحصل من الحجارة" وكذا في ج.
[1941]:- أي قليله.
[1942]:- راجع جـ6 ص 285 وما بعدها، وجـ10 ص 128 وما بعدها.
[1943]:- الكعاب: فصوص النرد.
[1944]:- راجع جـ8 ص 337 وما بعدها.
[1945]:- تيأسوا (من يئس) بمعنى علم. وزهدم (كجعفر): اسم فرس.
[1946]:- قوله: "مثنى الأيادي" هو أن يعيد معروفه مرتين أو ثلاثا.
[1947]:- الشتوة (واحد جمعه شتاء) والعرب تجعل الشتاء مجاعة؛ لأن الناس يلتزمون فيه البيوت ولا يخرجون للانتجاع. وأبداء (جمع بدء): خير عظم في الجزور. وقيل: هو خير نصيب فيها.
[1948]:- المزابنة: بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر. وعند مالك: كل جزاف لا يعلم كيله ولا عدده ولا وزنه بيع بمسمى من مكيل وموزون ومعدود، أو بيع معلوم بمجهول من جنسه، أو بيع مجهول بمجهول من جنسه.
[1949]:- الغرر: بيع السمك في الماء والطير في الهواء. وقيل: ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. وقال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان حتى تكون معلومة.
[1950]:- يرم (بفتح الياء وكسر الراء من رام يريم): أي فلم يبرح.
[1951]:- العكنة: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا.
[1952]:- بالرفع، إما على إهمال "أن" وإما على أنها مخففة من الثقيلة.
[1953]:- البهم (بضم ففتح جمع البهمة): الفارس الذي لا يُدرى من أين يؤتى له من شدة بأسه.
[1954]:- زيادة عن كتاب "الاستيعاب".
[1955]:- بهرجتني: أي أهدرتني بإسقاط الحدّ عني.
[1956]:- النهنهة: الكف والمنع.
[1957]:- هو المنخّل اليشكري.
[1958]:- يجيلها: هو من أجال يجيل إجالة إذا حركها، أي يضع يده في الخريطة ويحركها مرتين أو ثلاثا.
[1959]:- الإفاضة بالقداح: الضرب بها وإجالتها عند القمار.
[1960]:- سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى معنى الربابة.
[1961]:- البرم (بفتحتين): الذي يدخل مع القوم في الميسر. والقشع: بيت من جلد.
[1962]:-يفيض: يدفع، ومنه الإفاضة. وصدعت الشيء: أظهرته وبينته.
[1963]:- هو علقمة بن عبدة، كما في ديوانه.
[1964]:- ربتني أي ملكتني أرباب من الملوك فضعت حتى صرت إليك. والربوب (جمع رب): المالك.
[1965]:- هو عمر بن قميئة، كما في تاج العروس واللسان، مادة "غلق".
[1966]:- المقرومة: الموسومة بالعلامات. والمغالق قداح المسير، وقيل: المغالق من نعوت قداح الميسر التي يكون لها الفوز، وليست المغالق من أسمائها، وهي التي تغلق الخطر فتوجبه للمقامر الفائز، كما يغلق الرهن لمستحقه. (عن اللسان).
[1967]:- كذا في الأصول. والعفاة: الأضياف وطلاب المعروف. والذي في اللسان وتاج العرس: "العيال".
[1968]:- في الأصول: "جرير" والتصويب عن ديوان الأخطل. والبيت من قصيدة يهجو بها جريرا مطلعها: *كذبتك عينك أم رأيت بواسط*. راجع ديوانه ص 41 طبع بيروت.
[1969]:- كذا في الأصول. والذي في كتاب "المسير والقداح" لابن قتيبة والمفضليات أنه للمرقش الأكبر، وهو من قصيدة له، مطلعها: *ألا بان جيراني ولست بعائف* راجع المفضليات ص 474 طبع أوربا.
[1970]:- آية 33 سورة الأعراف.
[1971]:- قال ابن الأثير: "والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام وتمكينا، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال".
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} (219)

قوله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ) .

جاء في سبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعا الله في شأن الخمر قائلا : اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل قوله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر ) فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت الآية التي في النساء ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) فكان منادي رسول الله ( ص ) إذا أقام الصلاة ونادى : أن لا يقربّن الصلاة سكران فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : الله بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في المائدة : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) فقال عمر : انتهينا انتهينا{[296]} .

أما الخمر فهي مأخوذة من الفعل خمر أي سكر . ومنه خمار المرأة وهو ما يستر الرأس والجيب ، وسميت خمرة ؛ لأنها تستر العقل وتغطيه بتأثيرها وفعاليتها{[297]}

على أن الخمر يصنع من ماء العنب إذا طبخ وغلي ، ومن غير العنب إذا خامر العقل أو أسكر . وبذلك فمذهب الجمهور من علماء المسلمين أن ما كان من غير العنب إذا أسكر كثيره فإن قليله كذلك حرام استنادا إلى ما رواه الترمذي وأحمد وأبو داود عن ابن عمرو عن النبي ( ص ) قوله : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " وقوله : " كل مسكر خمر وكل خمر حرام " وهو ما رواه مسلم وأحمد وأبو دود والنسائي عن ابن عمر .

وذهب آخرون منهم أبو حنيفة وابن شبرمة والثوري وغيرهم إلى أن غير خمر العنب إذا كان قليله غير مسكر فهو مباح{[298]} . وبعبارة أخرى فإن ما كان من غير خمر العنب إذا كان كثيره هو المسكر دون قليله فإن قليله إذا مباح . وهم في ذلك يعتمدون على الحديث : " إنما الخمر من هذه " إشارة إلى العنب وحده . ولا نرى ذلك إلا مرجوحا لا يمكن الاطمئنان إليه . فالراجح هو القول الأول .

وأما الميسر فهو لغة قمار العرب بالأزلام . وهو من اليسر ، بفتح الياء والسين ، ومعناه وجوب الشيء لصاحبه . والياسر هو اللاعب بالقداح ، وقيل هو نقيض اليامن ( من اليمين ) . ويشمل الميسر كل وجوه القمار كالنرد والشطرنج واليانصيب وغير ذلك من أصناف اللعب المقترن بالكسب الحرام{[299]} .

وقوله : ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) وإثم الخمر كبير حقا . وهو ما يترتب على الشرب من فاسد الخلق كالشتم والغيبة والقذف والنيل من أعراض الناس وكراماتهم وكذلك الكذب والزور وفاحش القول والخصام ، ومن إثمه أن يفرط الشارب في الصلاة وأن يفتقد من شخصه كل ظاهرة من ظواهر التوازن أو الضبط والوعي .

ومن جليل ما يذكر في عاقبة الخمر ما رواه النسائي عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- قال : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد ، فعلقته امرأة غوية ، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة ، ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذه الخمر كأسا أو تقتل هذا الغلام . قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته كأسا . قال : زيدوني فلم يرم ( يبرح ) حتى وقع عليها وقتل النفس ، فاجتنبوا الخمر ، فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه .

أما إثم الميسر فهو كذلك كبير . وهو ينشأ عن مفاسد القمار في تلويث الصدور وإتراعها بالحسد والكراهية والرغبة في الانتقام من اللاعب المقامر الأخر لكسب ماله وإغاظته . وغير ذلك من مفاسد كالخصومات والعداوات والمباغضات وتوتر الأعصاب وشحن النفوس بالحقد . وتلك مفاسد وأضرار توقع المقامرين في الإثم الكبير .

أما نفع الخمر والميسر فهو هيّن صغير إذا ما قيس بمفاسد الخمر والميسر وأضرارهما وما يقتضيه ذلك من كبير الإثم . ونفع الخمرة كما قيل يظهر في نشوتها واستمتاع السكارى بها وما تبعث فيهم من النسيان أثناء الشرب وعقيبه . وأما نفع الميسر فلا يعدو كسبا للمال يحرزه المقامر الكاسب إذا ما أوتي حظا من البراعة أو الحيلة في اللعب . ومثل هذا النفع لكلا المحظورين يكاد لا يُذكر لدى المقارنة بالضرر الفادح الناجم عنهما ؛ لذلك يقول سبحانه في تعبير قصير واضح : ( وإثمهما أكبر من نفعهما ) .

وجدير بالقول هنا أن بعض العلماء استدلوا بهذه الآية على تحريم الخمر ؛ لتسميتها إثما ؛ ولا يكون الإثم إلا حراما . ونحسب أن هذا الحكم وتوجيهه ضعيفان . ولا نستطيع أن نحكم بتحريم الخمر بناء على ما جاء في الآية أن الخمر فيها إثم ، ولم يقل إنها إثم . والصواب في ذلك أن الآية جاءت في ذم الخمر لا تحريمها ، أما الحريم فقد علم من آية أخرى وهي آية المائدة .

قوله : ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) السؤال ههنا عن حجم النفقة أو مقدارها ، والجواب ( العفو ) مرفوع على الإخبار لمبتدأ تقديره هو . وقرئ بالنصب على المفعولية لفعل تقديره ينفقون .

ومما قيل في تأويل العفو ما ذكر عن جماعة بأنه ما فضل عن العيال ، وهو مروي عن ابن عباس . وقال مجاهد : العفو صدقة عن ظهر غنى . وقيل : المراد بالعفو الزكاة المفروضة ، وهو قول مرجوح ، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن العفو هنا يدخل في نطاق التطوع .

ويمكن استخلاص الصواب من القول في المراد من العفو ، وهو أنه الفضل ، فما فضل عن الحوائج ولم يكن في أدائه ما يؤذي النفس أو العيال فهو عفو . ويمكن الاستئناس لذلك بقول النبي ( ص ) : " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى " وأخرج الإمام مسلم في ذلك عن جابر أن رسول الله ( ص ) قال لرجل : " ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " وذلك ما يدفع القول بنسخ هذه الآية . فالصحيح أنها محكمة غير منسوخة بآية الزكاة . ومما هو معلوم في قواعد الشريعة أن المسلم يبيت مكلفا بالتصديق بما يفضل عن الحاجة إذا دهمت المسلمين ظروف عصيبة شاذة عم فيها الفقر ومست الحاجة . وفي الحديث الشريف : " إن في المال حقا سوى الزكاة " .

219


[296]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 44 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 255.
[297]:- المصباح المنير جـ 1 ص 195.
[298]:- تفسير القرطبي جـ 3 ص 52 وبداية المجتهد جـ 1 ص 406، 407.
[299]:- مختار الصحاح ص 473.