أما قوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذا الكلام يوهم حجاجا وكلاما تقدم من قبل في باب القبلة عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجة تزول الآن باستقبال الكعبة ، وفي كيفية تلك الحجة روايات ( أحدها ) : أن اليهود قالوا : تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا ( وثانيها ) : قالوا : ألم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه . ( وثالثها ) : أن العرب قالوا إنه كان يقول : أنا على دين إبراهيم والآن ترك التوجه إلى الكعبة ، ومن ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم عليه السلام فصارت هذه الوجوه وسائل لهم إلى الطعن في شرعه عليه الصلاة والسلام ، إلا أن الله تعالى لما علم أن الصلاح في ذلك أوجب عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين ، لأن قولهم لا يؤثر في المصالح ، وقد بينا من قبل تلك المصلحة ، وهي تميز من اتبعه بمكة ممن أقام على تكذيبه ، فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة ، فلهذا قال الله تعالى : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } يعني تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل ، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أنه يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى ، وهو قول بعض العرب : إن محمدا عليه الصلاة والسلام عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية وكان التمسك بهذه الشبهة والاستمرار عليها سببا للبقاء على الجهل والكفر ، وذلك ظلم على النفس على ما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } فلا جرم قال الله تعالى : { إلا الذين ظلموا منهم } .
المسألة الثانية : قرأ نافع : { ليلا } يترك الهمزة وكل همزة مفتوحة قبلها كسرة فإنه يقلبها ياء والباقون بالهمزة وهو الأصل .
المسألة الثالثة : { لئلا } موضعه نصب ، والعامل فيه { ولوا } أي ولو الئلا ، وقال الزجاج التقدير : عرفتكم ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة .
المسألة الرابعة : قيل : الناس هم أهل الكتاب عن قتادة والربيع وقيل : هو على العموم .
المسألة الخامسة : ههنا سؤال ، وهو أن شبهة هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ليست بحجة ، فكيف يجوز استثناؤها عن الحجة وقد اختلف الناس فيه على أقوال . ( الأول ) : أنه استثناء متصل ثم على هذا القول يمكن دفع السؤال من وجوه :
( الوجه الأول ) : أن الحجة كما أنها قد تكون صحيحة ، قد تكون أيضا باطلة ، قال الله تعالى { حجتهم داحضة عند ربهم } وقال تعالى : { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم } والمحاجة هي أن يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى بالحجة ولأن الحجة اشتقاقها من حجة إذا علا عليه فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة ، وقال بعضهم : إنها مأخوذة من محجة الطريق ، فكل كلام يتخذه الإنسان مسلكا لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة ، وإذا ثبت أن الشبهة قد تسمى حجة كان الاستثناء متصلا .
( الوجه الثاني ) : في تقرير أنه استثناء متصل : أن المراد بالناس أهل الكتاب فإنهم وجدوه في كتابهم أنه عليه الصلاة والسلام يحول القبلة فلما حولت ، بطلت حجتهم إلا الذين ظلموا بسبب أنهم كتموا ما عرفوا عن أبي روق .
( الوجه الثالث ) : أنهم لما أوردوا تلك الشبهة على اعتقاد أنها حجة سماها الله . ( حجة ) بناء على معتقدهم أو لعله تعالى سماها ( حجة ) تهكما بهم .
( الوجه الرابع ) : أراد بالحجة المحاجة والمجادلة فقال : { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم } فإنهم يحاجونكم بالباطل .
( القول الثاني ) : أنه استثناء منقطع ، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة ، وهو كقوله تعالى : { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } وقال النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب
ومعناه : لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال ما له على حق إلا التعدي يعني لكنه يتعدى ويظلم ، ونظيره أيضا قوله تعالى : { إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم } وقال : { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب .
القول الثالث : زعم أبو عبيدة أن { إلا } بمعنى الواو كأنه تعالى قال : لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد :
وكل أخ مفارقه أخوه *** لعمر أبيك إلا الفرقدان
القول الرابع : قال قطرب : موضع { الذين } خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل : لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار ، قال علي ابن عيسى : هذان الوجهان بعيدان .
أما قوله تعالى : { فلا تخشوهم واخشوني } فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج ، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضررنكم واخشوني . يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه : خشية عقاب الله ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء البتة ، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم ، ولا ملتفت الخاطر إليهم .
أما قوله تعالى : { ولأتم نعمتي عليكم } فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه . ( أحدها ) : أنه راجع إلى قوله تعالى : { لئلا يكون للناس عليكم حجة ولأتم نعمتي عليكم } فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين . ( إحداهما ) : لانقطاع حجتهم عنه . ( والثانية ) : لتمام النعمة ، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة ( وثانيها ) : أن متعلق اللام محذوف ؛ معناه : ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك ( وثالثها ) : أن يعطف على علة مقدرة ، كأنه قيل : واحشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل : إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم ، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية : { ولأتم نعمتي عليكم } قلنا : تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به ، وفي الحديث : ( تمام النعمة دخول الجنة ) وعن علي رضي الله عنه : تمام النعمة الموت على الإسلام .
واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه الله من التشكك في صلاة الرسول وصلاة أمته إلى بيت المقدس ، فإن كان مراده أن ألفاظ القرآن لا تدل على ذلك فقد أصاب ، لأن شيئا من ألفاظ القرآن لا دلالة فيه على ذلك البتة على ما بيناه ، وإن أراد به إنكاره أصلا ، فبعيد . لأن الأخبار في ذلك قريبة من المتواتر ، ولأبي مسلم رحمه الله أن يمنع التواتر ، وعند ذلك يقول : لا يصح التعويل في القطع بوقوع النسخ في شرعنا على خبر الواحد والله أعلم .
{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } معطوف على مجموع قوله تعالى : { وَلِكُلّ وِجْهَةٌ } [ البقرة : 8 14 ] الخ أو على قوله تعالى : { قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ } [ البقرة : 144 ] الخ عطف القصة على القصة وليس معطوفاً على قوله تعالى : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } [ البقرة : 149 ] الداخل تحت فاء السببية الدالة على ترتبه على قوله تعالى : { وَلِكُلّ وِجْهَةٌ } [ البقرة : 148 ] لأنه معلل بقوله تعالى : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } وهو وإن كان علة لولوا لا لمحذوف أي عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم والحجة في ذلك كما قيل به : إلا أنه يفهم منه كونه علة لول لأن انقطاع الحجة بالتولية إذا حصل للأمة كان حصوله بها للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى ، ولو جعل الخطاب عاماً للرسول صلى الله عليه وسلم والأمة ولم يلتزم تخصيصه بالأمة على حد خطابات الآية كان علة لهما وإنما كرر هذا الحكم لتعدد علله ، والحصر المستفاد من { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } الخ إضافي/ أو ادعائي فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل ، أولاً : تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته ، وجري العادة الإلهية على أن يؤتي كل أهل ملة وجهة ثانياً : ودفع حجج المخالفين ثالثاً : فإن التولية إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة لا الصخرة وهذا النبي يصلي إلى الصخرة فلا يكون النبي الموعود ، وبأنه صلى الله عليه وسلم يدعي أنه صاحب شريعة ويتبع قبلتنا وبينهما تدافع لأن عادته سبحانه وتعالى جارية بتخصيص كل صاحب شريعة بقبلة ، وتدفع احتجاج المشركين بأنه عليه الصلاة والسلام يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته وترك سبحانه التعميم بعد التخصيص في المرتبة الثالثة اكتفاءً بالعموم المستفاد من العلة ، وزاد { مّنْ حَيْثُ * خَرَجْتَ } دفعاً لتوهم مخالفة حال السفر لحال الحضر بأن يكون حال السفر باقياً على ما كان كما في الصلاة حيث زيد في الحضر ركعتان أو يكون مخيراً بين التوجهين كما في الصوم .
وقد يقال : فائدة هذا التكرار الاعتناء بشأن الحكم لأنه من مظان الطعن وكثرة المخالفين فيه لعدم الفرق بين النسخ والبداء ، وقيل : لا تكرار فإن الأحوال ثلاثة ، كونه في المسجد كونه في البلد خارج المسجد وكونه خارج البلد ، فالأول : محمول على الأول ، والثاني : على الثاني ، والثالث : على الثالث ، ولا يخفى أنه مجرد تشه لا يقوم عليه دليل .
{ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } إخراج من الناس ، وهو بدل على المختار ، والمعنى عند القائلين بأن الاستثناء من النفي إثبات : لئلا يكون لأحد من الناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا بالعناد فإن لهم عليكم حجة فإن اليهود منهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً لدين قومه وحباً لبلده ، والمشركين منهم يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ، ويوشك أن يرجع إلى دينهم ، وتسمية هذه الشبهة الباطلة حجة مع أنها عبارة عن البرهان المثبت للمقصود لكونها شبيهة بها باعتبار أنهم يسوقونها مساقها ، واعترض بأن صدر الكلام لو تناول هذا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وإلا لم يصح الاستثناء لأن الحجة مختصة بالحقيقة ، ولا محيص سوى أن يراد بالحجة المتمسك حقاً كان أو باطلاً ، وأجيب بأنه لم يستثن شبهتهم عن الحجة بل ذواتهم عن الناس إلا أنه لزم تسمية شبهتهم حجة باعتبار مفهوم المخالفة فلا حاجة إلى تناول الصدر إياها ، وأنت تعلم أن مراد المعترض إن الاستثناء وإن كان من الناس إلا أنه يثبت به ما نفي عن المستثني منه للمستثني بناءً على أن الاستثناء من النفي إثبات فإن كان الصدر مشتملاً على ما أثبت للمستثني لزم الجمع وإلا لم يتحقق الاستثناء بمقتضاه إذ الثابت للمستثنى منه شيء وللمستثنى شيء آخر ، ولا محيص للتفصي عن ذلك إلا أن يراد بالحجة المتمسك أو ما يطلق عليه الحجة في الجملة فيتحقق حينئذٍ الاستثناء بمقتضاه لأن الشبهة حجة بهذا المعنى كالبرهان ، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، ولك أن تحمل الحجة على الاحتجاج والمنازعة كما في قوله تعالى :
{ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } [ الشورى : 5 1 ] فأمر الاستثناء حينئذٍ واضح إلا أن صوغ الكلام بعيد عن الاستعمال عند إرادة هذا المعنى ، وقيل : الاستثناء منقطع ، وهو من تأكيد الشيء بضده وإثباته بنفيه ، والمعنى إن يكن لهم حجة فهي الظلم والظلم لا يمكن أن يكون حجة فحجتهم غير ممكنة أصلاً فهو إثبات بطريق البرهان على حد قوله :
ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم *** ( يلام ) بنسيان الأحبة والوطن
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ( ألا ) بالفتح والتخفيف وهي حرف يستفتح به الكلام لينبه السامع إلى الإصغاء ، و{ الذين } مبتدأ خبره قوله تعالى : { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } والفاء زائدة فيه للتأكيد ، وقيل : لتضمن المبتدأعنى الشرط ، وجوز أن يكون الموصول نصباً على شريطة التفسير ، والمشهور أن الخشية مرادفة للخوف أي فلا تخافوا الظالمين لأنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر ، وجوز عود الضمير إلى الناس وفيه بعد . { واخشونى } أي وخافوني فلا تخالفوا أمري فإن القادر على كل شيء ، واستدل بعض أهل السنة بالآية على حرمة التقية التي يقول بها الإمامية ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك في محله .
{ ولأتمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } الظاهر من حيث اللفظ أنه عطف على قوله تعالى : { لِئَلاَّ يَكُونَ } كأنه قيل : فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ولأتم الخ فهو علة لمذكور أي أمرتكم بذلك لأجمع لكم خير الدارين ، أما دنيا فلظهور سلطانكم على المخالفين ، وأما عقبى فلإثابتكم الثواب الأوفى ولا يرد الفصل بالاستثناء وما بعده لأنه كلا فصل إذ هو من متعلق العلة الأولى ، نعم اعترض ببعد المناسبة وبأن إرادة الاهتداء المشعر بها الترجي إنما تصلح علة للأمر بالتولية لا لفعل المأمور به كما هو الظاهر في المعطوف عليه ، فالظاهر معنى جعله علة لمحذوف أي وأمرتكم بالتولية والخشية لإتمام نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءكم والجملة المعللة معطوفة على الجملة المعللة السابقة ، أو عطف على علة مقدرة مثل { واخشوني } لأحفظكم ولأتم الخ ، ورجح بعضهم هذا الوجه بما أخرجه البخاري في «الأدب المفرد » والترمذي من حديث معاذ بن جبل «تمام النعمة دخول الجنة » ولا يخفى أنه على الوجه الأول قد يؤول الكلام إلى معنى فاعبدوا ، وصلوا متجهين شطر المسجد الحرام لأدخلكم الجنة والحديث لا يأبى هذا بل يطابقه حذو القذة بالقذة فكونه مرجحاً لذلك بمعزل عن التحقيق فإن قيل : إنه تعالى أنزل عند قرب وفاته صلى الله عليه وسلم : { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } [ المائدة : 3 ] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم فكيف قال قبل ذلك بسنين في هذه الآية : { ولأتم نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } ؟ أجيب بأن تمام النعمة في كل وقت بما يليق به فتدبر .
ثم خاطب الأمة عموما فقال : { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } وقال : { وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } أكده ب " إن " واللام ، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة ، ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا الامتثال .
{ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بل هو مطلع عليكم في جميع أحوالكم ، فتأدبوا معه ، وراقبوه بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فإن أعمالكم غير مغفول عنها ، بل مجازون عليها أتم الجزاء ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
وقال هنا : { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } أي : شرعنا لكم استقبال الكعبة المشرفة ، لينقطع عنكم احتجاج الناس من أهل الكتاب والمشركين ، فإنه لو بقي مستقبلا بيت المقدس ، لتوجهت عليه الحجة ، فإن أهل الكتاب ، يجدون في كتابهم أن قبلته المستقرة ، هي الكعبة البيت الحرام ، والمشركون يرون أن من مفاخرهم ، هذا البيت العظيم ، وأنه من ملة إبراهيم ، وأنه إذا لم يستقبله محمد صلى الله عليه وسلم ، توجهت نحوه حججهم ، وقالوا : كيف يدعي أنه على ملة إبراهيم ، وهو من ذريته ، وقد ترك استقبال قبلته ؟
فباستقبال الكعبة{[107]} قامت الحجة على أهل الكتاب والمشركين ، وانقطعت حججهم عليه .
{ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } أي : من احتج منهم بحجة ، هو ظالم فيها ، وليس لها مستند إلا اتباع الهوى والظلم ، فهذا لا سبيل إلى إقناعه والاحتجاج عليه ، وكذلك لا معنى لجعل الشبهة التي يوردونها على سبيل الاحتجاج محلا يؤبه لها ، ولا يلقى لها بال ، فلهذا قال تعالى : { فَلَا تَخْشَوْهُمْ } لأن حجتهم باطلة ، والباطل كاسمه مخذول ، مخذول صاحبه ، وهذا بخلاف صاحب الحق ، فإن للحق صولة وعزا ، يوجب خشية من هو معه ، وأمر تعالى بخشيته ، التي هي أصل{[108]} كل خير ، فمن لم يخش الله ، لم ينكف عن معصيته ، ولم يمتثل أمره .
وكان صرف المسلمين إلى الكعبة ، مما حصلت فيه فتنة كبيرة ، أشاعها أهل الكتاب ، والمنافقون ، والمشركون ، وأكثروا فيها من الكلام والشبه ، فلهذا بسطها الله تعالى ، وبينها أكمل بيان ، وأكدها بأنواع من التأكيدات ، التي تضمنتها هذه الآيات .
منها : الأمر بها ، ثلاث مرات ، مع كفاية المرة الواحدة ، ومنها : أن المعهود ، أن الأمر ، إما أن يكون للرسول ، فتدخل فيه الأمة تبعا ، أو للأمة عموما ، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله : { فَوَلِّ وَجْهَكَ } والأمة عموما في قوله : { فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ }
ومنها : أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة ، التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهة شبهة ، كما تقدم توضيحها ، ومنها : أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب ، ومنها قوله : { وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف ، ولكن مع هذا قال : { وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ }
ومنها : أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم ، صحة هذا الأمر ، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم .
ولما كان توليته لنا إلى استقبال القبلة ، نعمة عظيمة ، وكان لطفه بهذه الأمة ورحمته ، لم يزل يتزايد ، وكلما شرع لهم شريعة ، فهي نعمة عظيمة قال : { وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ }
فأصل النعمة ، الهداية لدينه ، بإرسال رسوله ، وإنزال كتابه ، ثم بعد ذلك ، النعم المتممات لهذا الأصل ، لا تعد كثرة ، ولا تحصر ، منذ بعث الله رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا ، وقد أعطاه الله من الأحوال والنعم ، وأعطى أمته ، ما أتم به نعمته عليه وعليهم ، وأنزل الله عليه : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }
فلله الحمد على فضله ، الذي لا نبلغ له عدا ، فضلا عن القيام بشكره ، { وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي : تعلمون الحق ، وتعملون به ، فالله تبارك وتعالى - من رحمته - بالعباد ، قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير ، ونبههم على سلوك طرقها ، وبينها لهم أتم تبيين ، حتى إن من جملة ذلك أنه يقيض للحق ، المعاندين له فيجادلون فيه ، فيتضح بذلك الحق ، وتظهر آياته وأعلامه ، ويتضح بطلان الباطل ، وأنه لا حقيقة له ، ولولا قيامه في مقابلة الحق ، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق ، وبضدها تتبين الأشياء ، فلولا الليل ، ما عرف فضل النهار ، ولولا القبيح ، ما عرف فضل الحسن ، ولولا الظلمة ما عرف منفعة النور ، ولولا الباطل ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا ، فلله الحمد على ذلك .