اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (150)

قوله تعالى : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ } هذه لام " كي " بعدها " أن " المصدرية الناصبة للمضارع ، و " لا " نافية واقعة بين الناصب ومنصوبه ، كما تقع بين الجازم ومجزومه نحو : { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ }

[ الأنفال : 73 ] و " أن " هنا واجبة الإظهار ، إذ لو أضمرت لثقل اللَّفظ بتوالي لامين ، ولام الجر متعلقة بقوله سبحانه وتعالى : { فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ } .

وقال أبو البقاء : متعلّقة بمحذوف تقديره : فعلنا ذلك لئلا ، ولا حاجة إلى ذلك ، و " للناس " خبر ل " يكون " مقدّم على اسمها ، وهو " حجّة " ، و " عليكم " في محل نصب على الحال ؛ لأنه في الأصل صفة النكرة ، فلما تقدم عليها انتصب حالاً ، ولا يتعلق ب " حجة " لئلاّ يلزم تقديم معمول المصدر عليه ، وهو ممتنع ؛ لأنه في تأويل صلة وموصول ، وقد قال بعضهم : يتعلّق ب " حجة " وهو ضعيف ، ويجوز أن يكون " عليكم " خبراً ل " يكون " ويتعلق " للناس " ب " يكون " على رأي من يرى أن " كان " الناقصة تعمل في الظرف وشبهه ، وذكر الفعل في قوله " يكون " ؛ لأن تأنيث الحجّة غير حقيقي ، وحسن ذلك الفصل أيضاً .

وقال أبو روق : المراد ب " النَّاس " : أهل الكتاب .

ونقل عن قتادة والربيع : أنهم وجدوا في كتابهم أنه - عليه الصلاة والسلام - تحوّل إلى القبلة ، فلما حوّلت بطلت حجّتهم .

" إلا الذين ظلموا " ؛ بسبب أنهم كتموا ما عرفوا .

وقيل : لما أوردوا تلك الشبهة معتقدين أنها حجّة سماها تعالى حجّة ، بناءً على معتقدهم ، أو لعله - تعالى - سمّاها حجّة تهكُّماً بهم .

وقيل : أراد بالحجة المحاجّة ، فقال : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } فإنهم يحاجونكم بالباطل ]{[5]} .

قوله تعالى : " إلاَّ الَّذِينَ " قرأ الجمهور " إلاَّ " بكسر " الهمزة " وتشديد " اللام " .

وقرأ{[6]} ابن عباس ، وزيد بن علي ، وابن زيد بفتحها ، وتخفيف " اللام " على أنها للاستفتاح .

فأما قراءة الجمهور فاختلف النحويون في تأويلها على أربعة أقوال :

أظهرها : وهو اختيار الطبري ، وبدأ به ابن عطية ، ولم يذكر الزمخشري غيره أنه استثناء متصل .

قال الزمخشري : معناه لئلا يكون حجّة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين : ما ترك قِبْلَتنا إلى الكعبة إلا ميلاً لدين قومه ، وحبّاً لهم ، وأطلق على قولهم : " حجّة " ؛ لأنهم ساقوه مساق الحجة .

والحجّة كما أنها تكون صحيحة ، فقد تكون أيضاً باطلة ، قال الله تعالى : { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ } [ الشورى : 16 ] .

وقال تعالى : { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ }

[ آل عمران : 61 ] والمحاجّة هي أن يورد كل واحد من المحق والمبطل على صاحبه حجّة ، وهذا يقتضي أن الذي يورده المبطل يسمى بالحجّة ، ولأن الحجّة اشتقاقها من حَجَّه إذا علا عليه ، فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجّة .

وقال بعضهم : إنها مأخوذة من محجّة الطريق ، فكل كلام يتّخذه الإنسان مسلكاً لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجّة .

وقال ابن عطية : المعنى أنه لا حجّة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا من اليهود وغيرهم الذين تكلموا في النازلة ، وسماها حجّة وحكم بفسادها حين كانت من ظالم .

الثاني : أنه استثناء منقطع ، فيقدر ب " لكن " عند البصريين ، وب " بل " عند الكوفيين ؛ لأنه استثناء من غير الأول ، والتقدير : لكن الذين ظلموا ، فإنهم يتعلقون عليكم بالشبهة يضعونها موضع الحجة [ نظيره قوله : { إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إَلاَّ مَن ظَلَمَ }

[ النمل : 10 - 11 ] .

وقال : { لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } [ هود : 43 ] .

ويقال : ما له عليّ مِنْ حقَ إلاّ التعدي ، أي : لكنه يتعدى ]{[7]} .

ومثار الخلاف هو : هل الحجّة هي الدليل الصحيح ، أو الاحتجاج صحيحاً كان أو فاسداً ؟

فعلى الأولى يكون منقطعاً ، وعلى الثاني يكون متصلاً .

الثالث : وهو قول أبي عبيدة أن " إلا " بمعنى " الواو " العاطفة وجعل من ذلك قوله : [ الوافر ]

843 - وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخْوهُ *** لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدانِ{[8]}

يَعْني : والفرقدان .

وقول الآخر : [ البسيط ]

844 - مَا بِالمَدِينَةِ دَارٌ غَيرُ وَاحِدَةٍ *** دَارُ الخَلِيفَةِ إِلاَّ دَارُ مَرْوَانَا{[9]}

تقدير ذلك عنده : " ولا الذين ظلموا ، والفرقدان ، ودار مروان " وقد خطأه النحاة في ذلك كالزجاج وغيره .

الرابع : أن " إلا بمعنى بعد ، أي : بعد الذين ظلموا ، وجعل منه قول الله تعالى : { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى } [ الدخان : 56 ] .

وقوله تعالى : { إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء : 22 ] تقديره : بعد الموتة ، وبعد ما قد سلف ، هذا من أَفْسَد الأقوال ، وأنكرها ، وإنما ذكرته لغرض التنبيه على ضعفه .

و " الذين " في محل نصب على الاستثناء على القولين اتّصالاً وانقطاعاً ، وأجاز قطرب أن يكون في موضع جَرّ بدلاً من ضمير الخطاب في " عليكم " ، والتقدير : لئلا تثبت حجّة للناس على غير الظالمين منهم ، وهم أنتم أيها المخاطبون بتولية وجوهكم إلى القِبْلة .

ونقل عنه أنه كان{[10]} يقرأ : " إلاَّ على الذين " كأنه يكرر العامل في البدل على حَدّ قوله :{ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ }

[ الأعراف : 75 ] .

وهذا عند جمهور البصريين ممتنع ؛ لأنه يؤدي إلى بدل ظاهر من ضمير حاضر بدل كلّ من كل ، ولم يجزه من البصريين إلا الأخفش ، وتأول غيره ما ورد من ذلك .

وأما قراءة ابن عباس ب " ألا " للاستفتاح ، ففي محل " الذين " حينئذ ثلاثة أوجه :

أظهرها : أنه مبتدأ ، وخبره قوله : " فَلاَ تَخْشَوْهُمْ " ، وإنما دخلت " الفاء " في الخبر ؛ لأن الموصول تضمن معنى الشرط ، والماضي الواقع صلة مستقبل معنى كأنه قيل : من يظلم الناس فلا تخشوهم ، ولولا دخول الفاء لترجّح النصب على الاشتغال ، أي : لا تخشوا الذين ظلموا لا تخشوهم .

الثاني : أن يكون منصوباً بإضمار فعل على الاشتغال ، وذلك على قول الأخفش ، فإنه يجيز زيادة الفاء .

الثالث : نقله ابن عطية أن يكون منصوباً على الإغراء .

ونقل عن ابن مجاهد أنه قرأ{[11]} : " إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا " وجعل " إلى " حرف جر متأولاً لذلك بأنها بمعنى " مع " ، والتقدير : لئلا يكون للناس عليكم حجة مع الذين ، والظاهر أن هذا الراوي وقع في سمعه " إلا الذين " بتخفيف " إلاَ " فاعتقد ذلك فيها ، وله نظائر مذكورة عندهم .

و " فهم " في محل نصب على الحال فيتعلّق بمحذوف ، ويحتمل أن تكون " من " للتبعيض ، وأن تكون للبيان .

فصل في الكلام على هذه الحجة

اعلم أن هذا الكلام يوهم حِجَاجاً وكلاماً تقدم من قبل في باب القِبْلَةِ عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجّة تزول الآن باستقبال الكعبة .

وفي كيفية تلك الحجة روايات :

إحداها : أن اليهود قالوا : تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا .

وثانيها : قالوا : ألم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه ؟

وثالثها : أن العرب قالوا : إنه كان يقول : أنا على دين إبراهيم ، والآن ترك التوجه إلى الكعبة ، ومن ترك التوجّه إلى الكعبة ، فقد ترك دين إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - فصارت هذه الوجوه وَسَائِلَ لهم إلى الطعن في شرعه عليه الصلاة والسلام ، إلاّ أن الله - تعالى - لما علم أن الصلاح في ذلك أوجب عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين ؛ لأن قولهم لا يؤثر في المصالح ، وقد بينا من قبل تلك المصلحة ، وهي تمييز من اتبعه ب " مكة " ممن أقام على تكذيبه فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة ، فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة ، فلهذا قال الله تعالى : " لئلا يكون للناس عليكم حجة يعني أنّ تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل ، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أن يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى ، وهو قول بعض العرب : إن محمداً عليه الصلاة والسلام - عاد إلى ديننا في الكَعْبة وسيعود إلى ديننا بالكلية ، وكان التمسك بهذه الشبهة ، والاستمرار عليها سبباً للبقاء على الجهل والكفر ، وذلك ظلم [ للنفس ]{[12]} على ما قال تعالى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] فلا جرم ، قال الله تعالى { إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ [ فَلاَ تَخْشَوهُمْ وَاخْشَوْنِ } .

أي : لا تخشوا من يتعنّت ويجادل ، ولا تخافوا طعنهم في قبلتكم ، فإنهم يضرونكم ، واخشوني ، واحذروا عقابي إن عدلتم عما ألزمتكم ، وفرضت عليكم .

و " الخَشْية " : أصلها : طمأنينة في القلب تبعث على التوقي والخوف ، و " الخوف " : فزع في القلب تخف له الأعضاء ، ولخفّة الأعضاء به يسمى خوفاً ، ومعنى التحقير لكل من سوى الله تعالى ، والأمر باطّراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى .

قال بعضهم : الخوف أوّل المراتب ، وهو الفزع ، ثم بعده الوَجَل ، ثم الخَشْية ، ثم الرَّهْبة ]{[13]} .

قوله : " وَلأُتِمَّ " فيه أربعة أوجه :

أظهرها : أنه معطوف على قوله : " لِئَلاَّ يَكُونَ " كأن المعنى : عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم ، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم ، ولإتمام النعمة ، فيكون التعريف معلّلاً بهاتين العلّتين :

[ إحداهما : لانقطاع حجّتهم عنه .

والثانية : لإتمام النعمة . وقد بَيَّن مسلم الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما يفعلون ، فلما حُوِّل - عليه الصلاة والسلام - إلى " بيت المقدس " لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يحب التحوّل إلى الكعبة ، لما فيها من شرف البُقْعة ، فهذا موضع النعمة ]{[14]} ، والفصل بالاستثناء وما بعده كَلاَ فَصْلٍ إذ هو من متعلق العلة الأولى .

الثاني : أنه معطوف على علّة محذوفة ، وكلاهما [ معلولها ]{[15]} الخشية السابقة ، فكأنه قيل : واخشوني [ لأوفقكم ]{[16]} ولأتم نعمتي عليكم .

الثالث : أنه متعلّق بفعل محذوف مقدر بعده تقديره : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عرفتكم أمر قبلتكم " .

الرابع : وهو أضعفها أن تكون متعلقة بالفعل قبلها ، و " الواو " زائدة ، تقديره : واخشوني لأتم نعمتي .

وهذه لام " كي " و " أن " مضمرة بعدها ناصبة للمضارع ، فينسبك منهما مصدر مجرور باللام وتقدم تحقيقه ، و " عليكم " فيه وجهان :

أحدهما : أن يتعلق ب " أتمّ " .

الثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " نعمتي " ، أي : كائنة عليكم .

فإن قيل : إنه - تعالى - أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي }

[ المائدة : 3 ] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم ، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } ؟ !

فالجواب : أنا قلنا تمام النعمة اللاَّئقة في كل وقت هو الذي خصه به .

وعن عليّ رضي الله عنه : تمام النعمة الموت على الإسلام .

وقوله : " لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " فيه سؤال ، وهو أن لَفْظَه التَّرَجِّي ، وهو في حق الله - تعالى - مُحَال ؛ لأنه يعلم الأشياء على ما هي عليه .

وأجيب عن ذلك بوجهين :

الأول : أن الترجي في الآية الكريمة بالنسبة إلى المخاطبين أي : بإتمام النعمة ترجون الثَّواب والاهتداء إلى دلائل التوحيد .

الثاني : قال بعض المفسرين : كل لفظ " لعلّ " في القرآن الكريم المراد به التحقيق كقول الملك لمن طلب منه حاجة وأراد ذلك قضاها ، فنقول لطالب الحاجة : لعلّ حاجتك تقضى .

والاهتداء يطلق ، ويراد به بيان الأدلة كقوله تعالى : { وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } [ النحل : 16 ] الآية ، ويطلق ويراد به الاهتداء إلى الحق .


[5]:تقدم.
[6]:سقط من: ب.
[7]:تقدم.
[8]:ينظر: تفسير القرطبي (20/93).
[9]:سقط من: ب.
[10]:الجامع لأحكام القرآن 20/91.
[11]:سقط في ب.
[12]:سقط في ب.
[13]:ستأتي في "المؤمنون" 1 وينظر: شرح الطيبة 4/ 145.
[14]:قال سيبويه في الكتاب 3/265 وزعم من يوثق به: أنه سمع من العرب من يقول: "ثلاثة أربعه" طرح همزة أربعه على الهاء ففتحها، ولم يحولها تاء لأنه جعلها ساكتة والساكن لا يتغير في الإدراج، تقول: اضرب، ثم تقول: اضرب زيدا.
[15]:ينظر: الكتاب 4/ 166.
[16]:ينظر: الدر المصون 2/35.