{ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } .
المسألة الأولى : لم يقل : قد كانت لكم آية ، بل قال : { قد كان لكم ءاية } وفيه وجهان :
الأول : أنه محمول على المعنى ، والمراد : قد كان لكم إتيان هذا آية .
والثاني : قال الفراء : إنما ذكر للفصل الواقع بينهما ، وهو قوله { لكم } .
المسألة الثانية : وجه النظم أنا ذكرنا أن الآية المتقدمة ، وهي قوله تعالى : { ستغلبون وتحشرون } نزلت في اليهود ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا ألسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدة فإنكم ستغلبون ثم ذكر الله تعالى ما يجري الدلالة على صحة ذلك الحكم ، فقال : { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة } يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورين وذلك يدل على أن تلك الغلبة كانت بتأييد الله ونصره ، ومن كان كذلك فإنه يكون غالبا لجميع الخصوم ، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك فهذا ما يجري مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا أرباب السلاح والقوة ، فصارت هذه الآية كالدلالة على صحة قوله { قل للذين كفروا ستغلبون } الآية ، فهذا هو الكلام في وجه النظم .
المسألة الثالثة : { الفئة } الجماعة ، وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر ومشركوا مكة روي أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلا ، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل ، وقادوا مائة فرس ، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير ، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر ، وكان في الرجال دروع سوى ذلك ، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا بين كل أربعة منهم بعير ، ومعهم من الدروع ستة ، ومن الخيل فرسان ، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية بينة ومعجزة قاهرة .
واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوها الأول : أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور ، منها : قل العدد ، ومنها : أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا ، ومنها قلة السلاح والفرس ، ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها : كثرة العدد ، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب ، ومنها كثرة سلاحهم وخيلهم ، ومنها أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة ، والمقاتلة في الأزمنة الماضية ، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة ، ولما كان ذلك خارجا عن العادة كان معجزا .
والوجه الثاني : في كون هذه الواقعة آية أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } [ الأنفال : 7 ] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان ، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخبارا عن الغيب ، فكان معجزا .
والوجه الثالث : في بيان كون هذه الواقعة آية ما ذكره تعالى بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : { يرونهم مثليهم رأى العين } والأصح في تفسير هذه الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون ، والمعنى أن المشركين كانوا يرون المؤمنون مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين ، أو مثلي عدد المسلمين وهو ستمائة ، وذلك معجز .
فإن قيل : تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضي إلى السفسطة .
قلنا : نحمل الرؤية على الظن والحسبان ، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة ، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين والجواب الأول أقرب ، لأن الكلام مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة .
والوجه الرابع : في بيان كون هذه القصة آية ، قال الحسن : إن الله تعالى أمد رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه قال : { فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف } [ الأنفال : 9 ] وقال : { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملائكة } [ آل عمران : 125 ] والألف مع الأربعة آلاف : خمسة آلاف من الملائكة وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض ، وهو المراد بقوله { والله يؤيد بنصره من يشاء } والله اعلم .
ثم قال الله تعالى : { فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : القراءة المشهورة { فئة } بالرفع ، وكذا قوله { وأخرى كافرة } وقرىء { فئة تقاتل وأخرى كافرة } بالجر على البدل من فئتين ، وقرىء بالنصب إما على الاختصاص ، أو على الحال من الضمير في التقتا ، قال الواحدي رحمه الله : والرفع هو الوجه لأن المعنى إحداهما تقاتل في سبيل الله فهو رفع على استئناف الكلام .
المسألة الثانية : المراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون ، لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله .
وقوله { وأخرى كافرة } المراد بها كفار قريش .
ثم قال تعالى : { يرونهم مثليهم رأى العين } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ نافع وأبان عن عاصم { ترونهم } بالتاء المنقطة من فوق ، والباقون بالياء فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود ، والمعنى ترون أيها اليهود المسلمين مثل ما كانوا ، أو مثلي الفئة الكافرة ، أو تكون الآية خطابا مع مشركي قريش والمعنى : ترون يا مشركي قريش المسلمون مثلي فئتكم الكافرة ، ومن قرأ بالياء فللمغالبة التي جاءت بعد الخطاب ، وهو قوله { فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم } فقوله { يرونهم } يعود إلى الإخبار عن إحدى الفئتين .
المسألة الثانية : اعلم أنه قد تقدم في هذه الآية ذكر الفئة الكافرة وذكر الفئة المسلمة فقوله { يرونهم مثليهم } يحتمل أن يكون الراءون هم الفئة الكافرة ، والمرئيون هم الفئة المسلمة ، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك فهذان احتمالان ، وأيضا فقوله { مثليهم } يحتمل أن يكون المراد مثلي الرائين وأن يكون المراد مثلي المرئين فإذن هذه الآية تحتمل وجوها أربعة الأول : أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين .
والاحتمال الثاني : أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفا وعشرين ، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم .
فإن قيل : هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال { ويقللكم في أعينهم } [ الأنفال : 44 ] .
فالجواب : أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين ، فقللوا أولا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم ، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا معلوبين ، ثم إن تقليلهم في أول الأمر ، وتكثيرهم في آخر الأمر ، أبلغ في القدرة وإظهار الآية .
والاحتمال الثالث : أن الرائين هم المسلمون ، والمرئيين هم المشركون ، فالمسلمون رأوا المشركين مثلى المسلمين ستمائة وأزيد ، والسبب فيه أن الله تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى : { إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } [ الأنفال : 66 ] .
فإن قيل : كيف يرونهم مثليهم رأي العين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم ؟ .
الجواب : أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم ، وذلك لأنه تعالى قال : { إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم ، وإزالة للخوف عن صدورهم .
والاحتمال الرابع : أن الرائين هم المسلمون ، وأنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد ، لأن هذا يوجب نصرة المشركين بإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين ، والآية تنافي ذلك ، وفي الآية احتمال خامس ، وهو أنا أول الآية قد بينا أن الخطاب مع اليهود ، فيكون المراد ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة .
فإن قيل : كيف رأوهم مثليهم فقد كانوا ثلاثة أمثالهم فقد سبق الجواب عنه .
بقي من مباحث هذا الموضع أمران :
البحث الأول : أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئيا ، والاحتمال الثالث يقتضي أن ما وجد وحضر لم يصر مرئيا أما الأول : فهو محال عقلا ، لأن المعدوم لا يرى ، فلا جرم وجب حمل الرؤية على الظن القوي ، وأما الثاني : فهو جائز عند أصحابنا ، لأن عندنا مع حصول الشرائط وصحة الحاسد يكون الإدراك جائزا لا واجبا ، وكان ذلك الزمان زمان ظهور المعجزات وخوارق العادات ، فلم يبعد أن يقال : إنه حصل ذلك المعجز ، وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند اجتماع الشرائط وسلامة الحاسد ، فلهذا المعنى اعتذر القاضي عن هذا الموضع من وجوه أحدها : أن عند الاشتغال بالمحاربة والمقاتلة قد لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر وينظر إليهم على سبيل التأمل التام ، فلا جرم يرى البعض دون البعض وثانيها : لعله يحدث عند المحاربة من الغبار ما يصير مانعا عن إدراك البعض وثالثها : يجوز أن يقال : إنه تعالى خلق في الهواء ما صار مانعا عن إدراك ثلث العسكر ، وكل ذلك محتمل .
البحث الثاني : اللفظ وإن احتمل أن يكون الراءون هم المشركون ، وأن يكون هم المسلمون فأي الاحتمالين أظهر فقيل : إن كون المشرك رائيا أولى ، ويدل عليه وجوه الأول : أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول ، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلا ، وأبعدهما مفعولا أولى من العكس ، وأقرب المذكورين هو قوله { وأخرى كافرة } والثاني : أن مقدمة الآية وهو قوله { قد كان لكم ءاية } خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطابا مع أولئك الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم ، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركا الثالث : أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية الكفار ، حيث قال : { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا } فوجب أن تكون هذه الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه ، أما لو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله اعلم .
واحتج من قال : الراءون هم المسلمون ، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال ، ولو كان الراءون هم المؤمنون لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال ، وكان ذلك أولى والله اعلم .
ثم قال : { رأى العين } يقال : رأيته رأيا ورؤية ، ورأيت في المنام رؤيا حسنة ، فالرؤية مختص بالمنام ، ويقول : هو مني مرأى العين حيث يقع عليه بصري ، فقوله { رأى العين } يجوز أن ينتصب على المصدر ، ويجوز أن يكون ظرفا للمكان ، كما تقول : ترونهم أمامكم ، ومثله : هو مني مناط العنق ومزجر الكلب .
ثم قال : { والله يؤيد بنصره من يشاء } نصر الله المسلمين على وجهين : نصر بالغلبة كنصر يوم بدر ، ونصر بالحجة ، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين لجاز أن يقال : هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة ، وبالعاقبة الحميدة ، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره ، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح .
ثم قال : { إن في ذلك لعبرة } والعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر ، ومنه العبارة وهي كلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب ، وعبارة الرؤيا من ذلك ، لأنها تعبير لها ، وقوله { لأولى الأبصار } أي لأولي العقول ، كما يقال : لفلان بصر بهذا الأمر ، أي علم ومعرفة ، والله أعلم .
{ قَدْ كَانَ لَكُمْ } من تتمة القول المأمور به جيء به لتقرير مضمون ما قبله وتحقيقه والخطاب لليهود أيضاً واختاره شيخ الإسلام وذهب إليه البلخي أي قد كان لكم أيها اليهود المغترون بعددهم وعددهم { ءايَةً } أي علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم أنكم ستغلبون { فِي فِئَتَيْنِ } أي فرقتين أو جماعتين من الناس كانت المغلوبة منهما مدلة بكثرتها معجبة بعزتها فأصابها ما أصابها { التقتا } يوم بدر { فِئَةٌ تقاتل في سَبِيلِ الله } فهي في أعلى درجات الإيمان ولم يقل مؤمنة مدحاً لهم بما يليق بالمقام ورمزاً إلى الاعتداد بقتالهم ، وقرئ يقاتل على تأويل الفئة بالقوم أو الفريق { وأخرى كَافِرَةٌ } بالله تعالى فهي أبعد من أن تقاتل في سبيله وإنما لم توصف بما يقابل صفة الفئة الأولى إسقاطاً لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذاناً بأنه لم يتصدوا له لما عراهم من الهيبة الوجل ، و { كَانَ } ناقصة وعليه جمهور المعربين و { ءايَةً } اسمها وترك التأنيث في الفعل لأن المرفوع غير حقيقي التأنيث ولأنه مفصول ولأن الآية والدليل بمعنى ، وفي الخبر وجهان : أحدهما { لَكُمْ } و { فِي فِئَتَيْنِ } نعت لآية والثاني أن الخبر هو هذا النعت و { لَكُمْ } متعلق ب { كَانَ } على رأي من يرى ذلك ، وجوز أن يكون { لَكُمْ } في موضع نصب على الحال وقد تقدم مراراً أن وصف النكرة إذا قدم عليها كان حالاً و ( التقتا ) في حيز الجر نعت لفئتين وفئة خبر لمحذوف أي إحداهما فئة وأخرى نعت لمقدر أي وفيه أخرى والجملة مستأنفة لتقرير ما في الفئتين من الآية ، وقيل : فئة وما عطف عليها بدل من الضمير في { التقتا } وما بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوف عائد إلى المبدل منه مسوغ لوصف البدل بالجملة العارية عن ضمير أي فئة منهما تقاتل الخ ، وجوز أن يكون كل من المتعاطفين مبتدأ وما بعدهما خبر أي فئة منهما تقاتل الخ ، وفئة أخرى كافرة ، وقيل : كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي منهما فئة الخ ، وقرئ ( وأخرى ) كافرة بالنصب فيهما وهو على المدح في الأولى والذم في الثاني ، وقيل : على الاختصاص ، واعترضه أبو حيان بأن المنصوب عليه لا يكون نكرة ، وأجيب بأن القائل لم يعن الاختصاص المبوب له في النحو كما في «نحن معاشر الأنبياء لا نورث » وإنما عنى النصب بإضمار فعل لائق وأهل البيان يسمون هذا النحو اختصاصاً كما قاله الحلبي / وجوز أن يكونا حالين كأنه قيل : التقتا مؤمنة وكافرة ، وفئة وأخرى على هذا توطئة للحال ، وقرئ بالجر فيهما على البدلية من ( فئتين ) بدل بعض من كل والضمير العائد إلى المبدل منه مقدر على نحو ما مر ويسمى بدلاً تفصيلياً كما في قوله :
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ***ورجل رماها صائب الحدثان
وقوله سبحانه : { يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } في حيز الرفع صفة للفئة الأخيرة أو مستأنفة مبينة لكيفية الآية . والمراد كما قال السدي : ترى الفئة الأخيرة الكافرة الفئة الأولى المؤمنة مثل عدد الرائين وقد كانوا تسعمائة وخمسين مقاتلاً كلهم شاكو السلاح ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه ، وابن مسعود كانوا ألفاً وسقف بيت حلهم وربطهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وفيهم من صناديد قريش ورؤساء الضلال ، أبو جهل وأبو سفيان وغيرهما ، ومن الإبل والخيل سبعمائة بعير ومائة فرس ، روى محمد بن الفرات عن سعيد بن أوس أنه قال : أسر المشركون رجلاً من المسلمين فسألوه كم كنتم ؟ قال : ثلثمائة وبضعة عشر قالوا : ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا وأرادوا ألفاً وتسعمائة وهو المراد من { يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } وزعم الفراء أنه يحتمل إرادة ثلاثة أمثالهم لأنك إذا قلت : عندي ألف وأحتاج إلى مثليها فإنما تريد إلى ألفين مضافين إليها لا بدلاً منها فهم كانوا يرونهم ثلاثة أمثالهم ، وأنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام ، أو مثلي عدد المرئيين أي ستمائة ونيفاً وعشرين حيث كانوا عدة المرسلين سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين ومائتا وستة وثلاثون من الأنصار وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين عليّ الكرار كرم الله تعالى وجهه ، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة وكان معهم من الإبل سبعون بعيراً ، ومن الخيل فرسان فرس للمقداد بن عمرو ، وفرس لمرثد بن أبي مرثد ، ومن السلاح ست أدرع وثمانية سيوف وكان أكثرهم رجالة ، واستشهد منهم يومئذ أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار وقد مرت إليه الإشارة وإنما أراهم الله تعالى كذلك مع أنهم ليسوا كذلك ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم وهو نوع من التأييد والمدد المعنوي وكان ذلك عند تداني الفئتين بعد أن قللهم الله تعالى في أعينهم عند الترائي ليجترءوا عليهم ولا يرهبوا فيهربوا حيث ينفع الهرب ، وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي أنفسهم مع كونهم ثلاثة أمثالهم ليثبتوا ويطمئنوا بالنصر الموعود في قوله تعالى : { فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } [ الأنفال : 66 ] قال شيخ الإسلام مولانا مفتي الديار الرومية : والأول : هو أولى ؛ لأن رؤية المثلين غير متعينة من جانب المؤمنين بل وقد وقعت رؤية المثل بل أقل منه أيضاً فإنه روي أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فلما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً ثم قللهم الله تعالى أيضاً في أعينهم حتى رأوهم عدداً يسيراً أقل من أنفسهم قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة فأسرنا منهم رجلاً فقلنا كم كنتم ؟ قال : ألفاً فلو أريد رؤية المؤمنين المشركين أقل من عددهم في نفس الأمر كما في الأنفال لكانت رؤيتهم إياهم أقل من أنفسهم أحق بالذكر في كونها آية من رؤيتهم مثليهم على أن إبانة آثار قدرة الله تعالى وحكمته للكفرة بإراءتهم القليل كثيراً والضعيف قوياً وإلقاء الرعب في قلوبهم بسبب ذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة عليهم وأقرب إلى اعتراف المخاطبين بذلك لكثرة مخالطتهم للكفرة المشاهدين للحال وكذا تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلاً وأبعدهما مفعولاً سواء جعل الجملة صفة أو مستأنفة أولى من العكس انتهى .
/ ويمكن أن يقال من طرف الجمهور الذاهبين إلى أن المراد رؤية المؤمنين المشركين مثلي أنفسهم بأنه التفسير المأثور عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، ولا نسلم أن رؤيتهم إياهم أقل من أنفسهم أحق بالذكر في كونها آية من رؤيتهم مثليهم لجواز أن تكون الآية والعلامة لليهود على أنهم سيغلبون قتال المؤمنين لهؤلاء المشركين وغلبتهم عليهم مع وجود السبب العادي للجبن وهو رؤية المؤمنين إياهم أكثر من أنفسهم وأوفر من عددهم فكأنه قيل : يا معشر اليهود تحققوا قتال المسلمين لكم وغلبتهم عليكم ولا تغتروا بعلمهم بقلتهم وكثرتكم فإنهم يقدمون على قتال من يرونه أكثر منهم عدداً ولا يجبنون ولا يهابون وينتصرون فما ذاك إلا لأن الله تعالى قد ملأ قلوبهم إيماناً وشدة على من خالفهم وأحاطهم بتأييده ونصره ووعدهم الوعد الجميل .
لا يقال : إن الأوفق لهذا الغرض أن يرى المؤمنون المشركين على ما هم عليه من كون المشركين ثلاثة أمثالهم أو يرونهم أكثر من ذلك لأن إقدامهم حينئذٍ على قتالهم أدل على سبب الغلبة على اليهود لأنا نقول : نعم الأمر كما ذكر/ إلا أن هذه الرؤية لوفائها بالمقصود مع تضمنها مدح المؤمنين بالثبات الناشىء من قوة الإيمان بالنصر الموعود آخراً بقوله تعالى : { فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } [ الأنفال : 66 ] اختيرت على ما ليس فيها إلا أمر واحد غير متضمن لذلك المدح المخصوص وعلى هذا لا يحتاج إلى التزام كون التثنية مجازاً عن التكثير كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [ الملك : 4 ] ولا إلى القول بأن ضمير { مّثْلَيْهِمْ } راجع إلى الفئة الأخيرة أي ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي عدد الفئة الكافرة أعني قريباً من ألفين وإن ذهب إلى ذلك البعض ويرد أيضاً على قوله : على أن إبانة الخ بعد تسليم أن الإراءة نفسها كانت هي الآية أن إراءة القليل كثيراً لم تقع لليهود المخاطبين بصدر الآية لتكون إبانة آثار قدرته تعالى بذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة عليهم وكون ذلك أقرب لاعترافهم لكثرة مخالطتهم الكفرة الرائين يتوقف على أن الرائين قد أخبروهم بذلك وأنهم صدقوا به ولم يحملوه على أنه خيل لهم لخوفهم بسبب عدم علمهم بالحرب والخائف يخيل إليه أن أشجار البيداء شجعان شاكية ، وأسد ضارية وإثبات كل من هذه الأمور صعب على أن فيما روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن اليهود قالوا له صلى الله عليه وسلم بعد تلك الواقعة : لا يغرنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة ولئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس ما يشعر في الجملة بأنهم لو أخبروهم بذلك وصدّقوا لحملوه على نحو ما ذكرنا ، وما ذكر من أن تعلق الفعل بالفاعل أشد الخ ، فمسلم إلا أنا لا نسلم أنه يستدعي أولوية جعل أول المذكورين السابقين فاعلاً وأبعدهما مفعولاً من العكس مطلقاً بل ذلك إذا لم يكن في العكس معنى لطيف تحسن مراعاته نظراً للمقام وهنا قد كان ذلك لا سيما وقد سبق مدح الفئة الأولى بالمقاتلة في سبيل الله تعالى وعدل عن مدحهم بالإيمان الذي هو الأساس إليه ولا شك أن مقاتلتهم للمشركين مع رؤيتهم إياهم أكثر من أنفسهم ومثليهم أمدح وأمدح كما لا يخفى ، وقرأ نافع ويعقوب ترونهم بالتاء واستشكلت على تقدير كون الخطاب لليهود بأنهم لم يروا المؤمنين مثلي أنفسهم ولا مثلي الكافرين ولم يروا الكافرين أيضاً مثلي أنفسهم ولا مثلي المؤمنين ، وأجيب بأنه يصح أن يقال : إنهم رأوا المؤمنين مثلي أنفسهم أو مثلي الكافرين على سبيل المجاز حيث نزلت رؤية المشركين منزلة رؤيتهم لما بينهم من الاتحاد في الكفر والاتفاق في الكلمة لا سيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد والميثاق فأسندت الرؤية إليهم مبالغة في البيان وتحقيقاً لعروض مثل تلك الحالة لهم ، وكذا يصح أن يقال : إنهم رأوا حقيقة الكافرين مثلي المؤمنين ، / وتحمل الرؤية على العلم والاعتقاد الناشئ عن الشهرة والتواتر ويلتزم كون الآية لهم قتال المؤمنين الكافرين وغلبة الأولين الآخرين مع كونهم أكثر منهم إلا أنه اقتصر على أقل اللازم ويعلم منه كون قتال المؤمنين وغلبتهم على الفئة الكافرة مع كونها ثلاثة أمثالهم في نفس الأمر المعلوم لهم أيضاً آية من باب أولى .
ولما في هذين الجوابين كيفما كان التزم بعضهم كون الخطاب من أول الأمر للمشركين ليتضح أمر هذه القراءة وأوجب عليه أن يكون قوله سبحانه : { قَدْ كَانَ لَكُمْ } خطاباً لهم بعد ذلك ولا يكون داخلاً تحت الأمر بناءاً على أن الوعيد كان بوقعة بدر ولا معنى للاستدلال بها قبل وقوعها ، وجعل ذلك داخلاً في مفعول الأمر إلا أنه عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لتحقق وقوعه لا يخلو عن شيء ، وجعل بعضهم الخطاب في قراءة نافع للمؤمنين والتزم كون الخطاب السابق لهم أيضاً على أنه ابتداء خطاب في معرض الامتنان عليهم بما سبق الوعد به ، وقيل : إنه لجميع الكفرة ، وقال بعض أئمة التحقيق : القول بأن الخطاب عام للمؤمنين واليهود ومشركي مكة هو الذي يقتضيه المقام لئلا يقتطع الكلام ويقع التذييل بقوله سبحانه : { والله يُؤَيّدُ } الخ موقع المسك في الختام ، ثم إن من عد التعبير عن جماعة بطريق من الطرق الثلاثة مع التعبير بعد عن البعض بطريق آخر يخالفه منها من الالتفات قال بوجوده في الآية على بعض احتمالاتها ، ومن لم يعد ذلك منه كما هو الظاهر أنكر الالتفات فيها وبهذا يجمع بين أقوال الناظرين في الآية من هذه الحيثية واختلافهم في وجود الالتفات وعدمه فيها فأمعن النظر فإنه لمثل هذا المبحث كله يدخر .
وقرأ ابن مصرف يرونهم على البناء للمفعول بالياء والتاء أي يريهم الله تعالى ذلك بقدرته { رَأْي العين } مصدر مؤكد ليرونهم على تقدير جعلها بصرية فمثليهم حينئذٍ حال ، ويجوز أن يكون مصدراً تشبيهياً على تقدير جعلها علمية اعتقادية أي رأيا مثل رأي العين فمثليهم حينئذٍ مفعول ثان ، وقيل : إن رأى منصوب على الظرفية أي في رأي العين { والله } المتصف بصفات الجمال والجلال { يُؤَيّدُ } أي يقوي { بِنَصْرِهِ } أي بعونه ، وقيل : بحجته وليس بالقوى { مَن يَشَآء } أن يؤيده من غير توسط الأسباب المعتادة كما أيد الفئة المقاتلة في سبيله وهو من تمام القول المأمور به { إِنَّ في ذَلِكَ } المذكور من النصر ، وقيل : من تلك الرؤية { لَعِبْرَةً } أي اتعاظاً ودلالة ، وهي فعلة من العبور كالركبة والجلسة وهو التجاوز ، ومنه عبرت النهر وسمي الاتعاظ عبرة لأن المتعظ يعبر من الجهل إلى العلم ومن الهلاك إلى النجاة ، والتنوين للتعظيم أي عبرة عظيمة كائنة { لأولي الأبصار } جمع بصر بمعنى بصيرة مجازاً أو بمعناه المعروف أي لذوي العقول والبصائر أو لمن أبصرهم ورآهم بعيني رأسه ، وهذه الجملة إما من تمام الكلام الداخل تحت القول مقررة لما قبلها بطريق التذييل وإما واردة من جهته تعالى تصديقاً لمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذا ( من باب الإشارة ) : في الآيات : { قَدْ كَانَ لَكُمْ } يا معشر السالكين إلى مقصد الكل { ءايَةً } دالة على كمالكم وبلوغكم إلى ذروة التوحيد { فِي فِئَتَيْنِ التقتا } للحرب { فِئَةٌ } منهما وهي فئة القوى الروحانية التي هي جند الله تعالى { تقاتل في سَبِيلِ الله } وطريق الوصول إليه { وأخرى } منهما وهي جنود النفس وأعوان الشيطان { كَافِرَةٌ } ساترة للحق محجوبة عن حظائر الصدق ترى الفئة الأخيرة الفئة الأولى لحول عين بصيرتها { مّثْلَيْهِمْ } عند الالتقاء في معركة البدن رؤية مكشوفة ظاهرة لا خفاء فيها مثل رؤية العين ، وذلك لتأييد الفئة المؤمنة بالأنوار الإلهية والإشراقات الجبروتية ، وخذلان الفئة الكافرة بما استولى عليها من تراكم ظلمات الطبيعة وذل البعد عن الحضرة { والله } تعالى { يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } تأييده لقبول استعداده لذلك { إِنَّ في ذَلِكَ } التأييد
{ لَعِبْرَةً } [ آل عمران : 13 ] أي اعتباراً أو أمراً يعتبر به في الوصول إلى حيث المأمول للمستبصرين الفاتحين أعين بصائرهم لمشاهدة الأنوار الأزلية في آفاق المظاهر الإلهية