غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} (13)

12

ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال { قد كان لكم آية في فئتين التقتا } يوم بدر { فئة } إحداهما جماعة { تقاتل في سبيل الله } وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته { وفئة } أخرى { كافرة } هم كفار قريش . وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه : أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها : قلة العدد والعدد ، كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير ، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان .

ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا . ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني . كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل ، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير ، وأهل الخيل كلهم دارعون ، وكان معهم دروع سوى ذلك ، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات . وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة . وثانيها أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله تعالى { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين }[ الأنفال : 7 ] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان . وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز . وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة . ورابعها قوله { يرونهم مثليهم } وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في " يرون " إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة ، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في { مثليهم } إلى كل منهما فهذه أربعة : الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين . الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين ، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ { ترونهم } بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم . ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في " يرون " إلى الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى ، ولأنه سبحانه جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله { قد كان لكم آية } فوجب أن يكون الراءون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم ، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة . والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال

{ ويقللكم في أعينهم }[ الآية : 44 ] لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم ، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا . على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية . الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون . فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى :{ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين }[ الأنفال : 65 ] والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم ، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا . الاحتمال الرابع أن يكون الراءون هم المسلمين ، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين ، والآية تنافي ذلك .

وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد : ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة . وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً ، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي . أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل : لعل الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً . وعلى هذا تكون الرؤية البصر ، ويكون { مثليهم } نصباً على الحال ، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة ، لكن قوله : { رأى العين } لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات . وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات . وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس ، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ ، فقد يرى البعض دون البعض . أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض ، أو خلق الله تعالى في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر ، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل . { والله يؤيد بنصره من يشاء } إما بالغلبة كيوم بدر ، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد . { إن في ذلك } الذي ذكره من الآية { لعبرة } نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم { لأولي الأبصار } ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين .

/خ25