جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي - الإيجي محيي الدين  
{قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} (13)

{ قل } : يا محمد . { للذين كفروا ستُغلبون } : في الدنيا . { وتُحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } جهنم وهو استئناف أو تمام ما يقال لهم لما رجع{[619]} ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من بدر حذر اليهود أن ينزل عليهم ما نزل على قريش ، فقالوا : لا يغرنك أن قتلت أغمارا لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لعرفت الناس فنزلت إلى قوله : ( لعبرة لأولي الأبصار ){[620]} ، وقيل : الخطاب لقريش .

{ قد كان لكم } : أيها اليهود وقيل : أيها المشركون والمؤمنون . { آية في فئتين التقتا } : يوم بدر . { فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم{[621]} مِّثليهم } الجملة{[622]} حال ، وتقاتل خبر لفئة أو صفة لها ، والجملة خبرها أي : يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثلي عدد المسلمين أو المشركين ، ليحصل لهم الرعب ، والمسلمون كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر ، وهم ما بين تسع مائة إلى ألف ، وهذا في أول الأمر وأما في حال القتال فكل من المسلمين والكافرين قللوا الآخر كما قال تعالى : ( وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم ) ( الأنفال : 43 ) ، إلخ . لتقدموا{[623]} عليهم ، ويقضي الله أمرا كان مفعولا أو يرى المسلمون الكافرين مثلي عدد المسلمين مع أنهم أكثر ليقوي قلوبهم بوعد الله ، وهو قوله : ( وإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) ( الأنفال : 66 ) . أو مثلي عدد المشركين ليتوكلوا أو يطلبوا الإعانة من الله ، وحين القتال قللهم الله في أعينهم حتى سأل{[624]} بعض المسلمين بعضهم : هل تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة . { رأي العين } : رؤية ظاهرة معاينة . { والله يؤيّد بنصره من يشاء } : نصره { إنّ في ذلك } : أي : التقليل والتكثير وغلبة القليل عليهم . { لعبرة } : عظة . { لأولي الأبصار } : لذوي البصائر .


[619]:رواه محمد بن إسحاق عن ابن عباس وعن عاصم بن عمر بن قتادة رضي الله عنهم/12 منه.
[620]:أخرجه ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس مرفوعا، وفيه عنعنه ابن إسحاق وهو مدلس. وانظر الدر المنثور (2/16).

[621]:وقراءة نافع في قوله: (ترونهم) بالتاء محمول على الالتفات على ما قدرنا إلا على قول من قال الخطاب في (قد كان لكم) إما للمشركين أو للمؤمنين، فإنه لا يكون من باب الالتفات/12 منه [ والالتفات هو تحول الكلام من صيغة إلى أخرى كما في قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين بعد قوله: الحمد لله رب العالمين... إلخ، فقد تحول الكلام من صيغة الغائب إلى صيغة المخاطب لغرض بلاغي هو استحضار مقام العبودية، وتجلي الذات الإلهية] د/هنداوي مراجعه.
[622]:أي جملة يرونهم/12 منه.
[623]:أي ليقدموا كل منهما على الآخر/12.
[624]:السائل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه/12.