مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

قوله تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } .

واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة ، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع .

النوع الأول : قوله : { واعبدوا الله } قال ابن عباس : المعنى وحدوه ، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك ، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح ، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد ، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } .

النوع الثاني : قوله : { ولا تشركوا به شيئا } وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله : { واعبدوا الله } أمر بالإخلاص في العبادة بقوله : { ولا تشركوا به شيئا } لأن من عبد مع الله غيره كان مشركا ولا يكون مخلصا ، ولهذا قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } .

النوع الثالث : قوله : { وبالوالدين إحسانا } واتفقوا على أن ههنا محذوفا ، والتقدير : وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله : { فضرب الرقاب } أي فاضربوها ، ويقال : أحسنت بفلان ، وإلى فلان . قال كثير :

أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة *** لدنيا ولا مقلية إن تقلت

واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع : أحدها : في هذه الآية ، وثانيها : قوله : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } وثالثها : قوله : { أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير } وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما . ومما يدل على وجوب البر إليهما قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } وقال : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } وقال في الوالدين الكافرين : { وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا } وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس ) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن استأذنه في الجهاد ، فقال عليه السلام : «هل لك أحد باليمن فقال أبواي فقال : أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع واستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما » .

واعلم أن الإحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ، وألا يرفع صوته عليهما ، ولا يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة من البر ، وأن لا يشهر عليهما سلاحا ، ولا يقتلهما ، قال أبو بكر الرازي : إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله ، فحينئذ يجوز له قتله ؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه ، وذلك منهي عنه ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا .

النوع الرابع : قوله تعالى : { وبذي القربى } وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله : { والأرحام } .

واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا ، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها ، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع ، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد ، ثم أتبعها بقرابة الرحم .

النوع الخامس : قوله : { واليتامى } واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز : أحدهما : الصغر ، والثاني : عدم المنفق ، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة . قال ابن عباس : يرفق بهم ويربيهم ويمسح رأسهم ، وإن كان وصيا لهم فليبالغ في حفظ أموالهم .

النوع السادس : قوله : { والمساكين } واعلم أنه وإن كان عديم المال إلا أنه لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير ، فيجلب به نفعا أو يدفع به ضررا ، وأما اليتيم فلا قدرة له عليه ، فلهذا المعنى قدم الله اليتيم في الذكر على المسكين ، والإحسان إلى المسكين إما بالإجمال إليه ، أو بالرد الجميل . كما قال تعالى : { وأما السائل فلا تنهر } .

النوع السابع : قوله : { والجار ذي القربى } قيل : هو الذي قرب جواره ، والجار الجنب هو الذي بعد جواره . قال عليه الصلاة والسلام : «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ألا وإن الجوار أربعون دارا » وكان الزهري يقول : أربعون يمنة ، وأربعون يسرة ، وأربعون أماما وأربعون خلفا . وعن أبي هريرة قيل : يا رسول الله إن فلانة تصوم النهار وتصلي الليل وفي لسانها شيء يؤذي جيرانها ، أي هي سليطة ، فقال عليه الصلاة والسلام : «لا خير فيها هي في النار » وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : «والذي نفس محمد بيده لا يؤدي حق الجار إلا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار إن افتقر أغنيته وإن استقرض أقرضته وان أصابه خير هنأته وإن أصابه شر عزيته وإن مرض عدته وإن مات شيعت جنازته » وقال آخرون : عني بالجار ذي القربى : القريب النسيب ، وبالجار الجنب : الجار الأجنبي ، وقرئ ( والجار ذا القربى ) نصبا على الاختصاص ، كما قرئ { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } تنبيها على عظم حقه ، لأنه اجتمع فيه موجبان . الجوار والقرابة .

النوع الثامن : قوله : { والجار الجنب } وقد ذكرنا تفسيره . قال الواحدي : الجنب نعت على وزن فعل ، وأصله من الجنابة ضد القرابة وهو البعيد . يقال : رجل جنب إذا كان غريبا متباعدا عن أهله ، ورجل أجنبي وهو البعيد منك في القرابة . وقال تعالى : { واجنبنى وبنى } أي بعدني ، والجانبان الناحيتان لبعد كل واحد منهما عن الآخر ، ومنه الجنابة من الجماع لتباعده عن الطهارة وعن حضور المساجد للصلاة ما لم يغتسل ، ومنه أيضا الجنبان لبعد كل واحد منهما عن الآخر . وروى المفضل عن عاصم : { والجار الجنب } بفتح الجيم وسكون النون وهو يحتمل معنيين : أحدهما : أنه يريد بالجنب الناحية ، ويكون التقدير : والجار ذي الجنب فحذف المضاف ، لأن المعنى مفهوم والآخر : أن يكون وصفا على سبيل المبالغة ، كما يقال : فلان كرم وجود .

النوع التاسع : قوله : { والصاحب بالجنب } وهو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر ، وإما جارا ملاصقا ، وإما شريكا في تعلم أو حرفة ، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك ، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه ، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان . وقيل : الصاحب الجنب : المرأة فأنها تكون معك وتضجع إلى جنبك .

النوع العاشر : قوله : { وابن السبيل } وهو المسافر الذي انقطع عن بلده ، وقيل : الضيف .

النوع الحادي عشر : قوله : { وما ملكت أيمانكم } .

واعلم أن الإحسان إلى المماليك طاعة عظيمة ، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من ابتاع شيئا من الخدم فلم توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق شيمته شيمته فإن للناس شيما ولا تعذبوا عباد الله » وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان آخر كلامه : «الصلاة وما ملكت أيمانكم » وروي أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده ، فيقول العبد أعوذ بالله ويستمعه الرسول عليه السلام ، والسيد كان يزيده ضربا ، فطلع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال : أعوذ برسول الله فتركه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله كان أحق أن يجار عائذه » قال يا رسول الله فإنه حر لوجه الله ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : «والذي نفس محمد بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار » .

واعلم أن الإحسان إليهم من وجوه : أحدها : أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به ، وثانيها : أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة ، وثالثها : أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه . وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء ، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن . وقال بعضهم : كل حيوان فهو مملوك ، والإحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة .

واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال : مشت رجلك ، وأخذت يدك ، قال عليه الصلاة والسلام : «على اليد ما أخذت » وقال تعالى : { مما عملت أيدينا أنعاما } ولما ذكر تعالى هذه الأصناف قال : { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } والمختال ذو الخيلاء والكبر .

قال ابن عباس : يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد . قال الزجاج : وإنما ذكر الاختيال ههنا ، لأن المختال يأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء فلا يحسن عشرتهم . وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله : { والخيل المسومة } ومعنى الفخر التطاول ، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا . قال ابن عباس : هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه الله من أنواع نعمه ، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع ، لأن المختال هو المتكبر ، وكل من كان متكبرا فإنه قلما يقوم برعاية الحقوق ، ثم أضاف إليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة ، بل لمحض أمر الله تعالى .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

{ واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } كلام مبتدأ مسوق للإرشاد إلى خلال مشتملة على معالي الأمور إثر إرشاد كل من الزوجين إلى المعاملة الحسنة ، وإزالة الخصومة والخشونة إذا وقعت في البين وفيه تأكيد لرعاية حق الزوجية وتعليم المعاملة مع أصناف من الناس ، وقدم الأمر بما يتعلق بحقوق الله تعالى لأنها المدار الأعظم ، وفي ذلك إيماء أيضاً إلى ارتفاع شأن ما نظم في ذلك السلك ، والعبادة أقصى غاية الخضوع ، و { شَيْئاً } إما مفعول به أي لا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً كان أو غيره ، فالتنوين للتعميم . واختار عصام الدين كونه لتحقير ليكون فيه توبيخ عظيم أي لا تشركوا به شيئاً حقيراً مع عدم تناهي كبريائه إذ كل شيء في جنب عظمته سبحانه أحقر حقير ونسبة الممكن إلى الواجب أبعد من نسبة المعدوم إلى الموجود إذ المعدوم إمكان الموجود ، وأين الإمكان من الوجوب ؟ ضدان مفترقان أيّ تفرق ، وإما مصدر أي لا تشركوا به عز شأنه شيئاً من الإشراك جلياً أو خفياً ، وعطف النهي عن الإشراك على الأمر بالعبادة مع أن الكف عن الإشراك لازم للعبادة بذلك التفسير إذ لا يتصور غاية الخضوع لمن له شريك ضرورة أن الخضوع لمن لا شريك له فوق الخضوع لمن له شريك للنهي عن الإشراك فيما جعله الشرع علامة نهاية الخضوع ، أو للتوبيخ بغاية الجهل حيث لا يدركون هذا اللزوم كذا قيل : ولعل الأوضح أن يقال : إن هذا النهي إشارة إلى الأمر بالإخلاص فكأنه قيل : واعبدوا الله مخلصين له ويؤل ذلك كما أومأ إليه الإمام إلى أنه سبحانه أمر أولاً بما يشمل التوحيد وغيره من أعمال القلب والجوارح ثم أردفه بما يفهم منه التوحيد الذي لا يقبل الله تعالى عملاً بدونه فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام .

{ وبالوالدين إحسانا } أي وأحسنوا بهما إحساناً فالجار متعلق بالفعل المقدر ، وجوز تعلقه بالمصدر وقدم للاهتمام وأحسن يتعدى بالباء وإلى واللام ، وقيل : إنما يتعدى بالباء إذا تضمن معنى العطف . والإحسان المأمور به أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ، ولا يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام فيما يتعلق بهما . { وَبِذِى القربى } أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك ، وأعيد الباء هنا ولم يعد في البقرةقال في «البحر » : لأن هذا توصية لهذه الأمة فاعتنى به وأكد ، وذلك في بني إسرائيل . { واليتامى والمساكين } من الأجانب { والجار ذِى القربى } أي الذي قرب جواره { والجار الجنب } أي البعيد من الجنابة ضد القرابة ، وهي على هذا مكانية ، ويحتمل أن يراد بالجار ذي القربى من له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين وبالجار الجنب الذي لا قرابة له ولو مشركاً ، أخرج أبو نعيم .

والبزار من حديث جابر بن عبد الله وفيه ضعف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجيران ثلاثة : فجار له ثلاثة حقوق : حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام ، وجار له حقان : حق الجوار وحق الإسلام ، وجار له حق واحد : حق الجوار ، وهو المشرك من أهل الكتاب " ، وأخرج البخاري في الأدب عن عبد الله بن عمر أنه ذبحت له شاة فجعل يقول لغلامه : أهديت لجارنا اليهودي أهديت لجارنا اليهودي ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " والظاهر أن مبنى الجوار على العرف ، وعن الحسن كما في الأدب أنه سئل عن الجار فقال : أربعين داراً أمامه وأربعين خلفه وأربعين عن يمينه وأربعين عن يساره ، وروي مثله عن الزهري . وقيل : أربعين ذراعاً ، ويبدأ بالأقرب فالأقرب ، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال : إلى أقربهما منك باباً ، وقرىء والجار ذا القربى بالنصب أي وأخص الجار ، وفي ذلك تنبيه على عظم حق الجار . وقد أخرج الشيخان عن أبي شريح الخزاعي " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره " وفيما سمعه عبد الله كفاية ، وأخرجه الشيخان وأحمد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها .

{ والصاحب بالجنب } هو الرفيق في السفر أو المنقطع إليك يرجو نفعك ورفدك ، وكلا القولين عن ابن عباس ، وقيل : الرفق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر وعدوا من ذلك من قعد بجنبك في مسجد أو مجلس وغير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه ، واستحسن جماعة هذا القيل لما فيه من العموم . وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه الصاحب بالجنب المرأة ، والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من الصاحب ، والعامل فيه الفعل المقدر { وابن السبيل } وهو المسافر أو الضيف . { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } قال مقاتل : من عبيدكم وإمائكم ، وكان كثيراً ما يوصي بهم صلى الله عليه وسلم فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال : «كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه » ثم الإحسان إلى هؤلاء الأصناف متفاوت المراتب حسبما يليق بكل وينبغي { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } أي ذا خيلاء وكبر يأنف من أقاربه وجيرانه مثلاً ولا يلتفت إليهم { فَخُوراً } يعد مناقبه عليهم تطاولاً وتعاظماً ، والجملة تعليل للأمر السابق .

أخرج الطبراني وابن مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس قال : «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية { إِنَّ الله } الخ فذكر الكبر وعظمه فبكى ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك ؟ فقال : يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي قال : فأنت من أهل الجنة إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس " والأخبار في هذا الباب كثيرة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ واعبدوا الله } بالتوجه إليه والفناء فيه { وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } مما تحسبونه شيئاً وليس بشيء إذ لا وجود حقيقة لغيره سبحانه { وبالوالدين } الروح والنفس اللذين تولد بينهما القلب أحسنوا { إحسانا } فاستفيضوا من الأول وتوجهوا بالتسليم إليه وزكوا الثاني وطهروا برديه { وَبِذِى القربى } وهم من يناسبكم بالاستعداد الأصلي والمشاكلة الروحانية { واليتامى } المستعدين المنقطعين عن نور الأب وهو الروح بالاحتجاب { والمساكين } العاملين الذين لا حظ لهم من المعارف ولذا سكنوا عن السير وهم الناسكون { والجار ذِى القربى } القريب من مقامك في السلوك { والجار الجنب } البعيد مقامه عن مقامك { والصاحب بالجنب } الذي هو في عين مقامك { وابن السبيل } أي السالك المتغرب عن مأوى النفس الذي لم يصل إلى مقام بعد { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } من المنتمين إليكم بالمحبة والإرادة ، وقيل : الوالدين إشارة إلى المشايخ وإحسان المريد إليهم إطاعتهم والانقياد إليهم وامتثال أوامرهم فإنهم أطباء القلوب وهم أعرف بالداء والدواء ولا يداوون إلا بما يرضي الله تعالى وإن خفي على المريد وجهه . ومن هنا قال الجنيد قدس سره : أمرني ربي أمراً وأمرني السَّرِي أمراً فقدمت أمر السري على أمر ربي وكل ما وجدت فهو من بركاته ، وأول { وَبِذِى القربى واليتامى } بالروح الناطقة العارفة العاشقة الملكوتية التي خرجت من العدم بتجلي القدم وانقدحت من نور الأزل وهي أقرب كل شيء وهي جار الله تعالى المصبوغة بنوره والإحسان إليها أن تطلقها من فتنة الطبيعة وتقدس مسكنها من حظوظ البشرية لتطير بجناح المعرفة والشوق إلى عالم المشاهدة { والجار الجنب } بالصورة الحاملة للروح والإحسان إليها أن تفطم جوارحها من رضع ضرع الشهوات { والصاحب بالجنب } وهو القلب الذي يصحبك في سفر الغيب والإحسان إليه أن تفرده من الحدثان وتشوقه إلى جمال الرحمن ، وقيل : هو النفس الأمارة ، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » والإحسان إليها أن تحبسها في سجن العبودية وتحرقها بنيران المحبة ، وأول { ابن السبيل } بالولي الكامل فإنه لم يزل ينتقل من نور الأفعال إلى نور الصفات ومن نور الصفات إلى نور الذات والإحسان إليه كتم سره وعدم الخروج عن دائرة أمره ، وقال بعض العارفين : وإن شئت أولت ( ذا القربى ) بما يتصل بالشخص من المجردات ( واليتامى ) بالقوى الروحانية ، ( والمساكين ) بالقوى النفسانية من الحواس الظاهرة وغيرها { والجار ذِى القربى } بالعقل { والجار الجنب } بالوهم { والصاحب بالجنب } بالشوق والإرادة { وابن السبيل } بالفكر والمماليك بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة ، وباب التأويل واسع جداً { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } يسعى بالسلوك في نفسه { فَخُوراً } [ النساء : 36 ] بأحواله ومقاماته محتجباً برؤيتها